علم الفسيولوجيا (وظائف الأعضاء)

الدكتورة : اسيل ابراهيم سهيل

هو دراسة الوظائف التي تتألف منها الحياة، وهو يقتصر في بحثه للمادة الحيَّة على النظر إليها من حيث ما فيها من حتميَّة، وعلى تفسير الوظائف عن طريق البيئية الداخلية. وهكذا فإن منهجه هو في أساسه منهج العلوم الطبيعية والكيميائية، أي أنه منهج ثلاثي يشتمل على ملاحظة الظواهر، والكشف عن الفرض، والتحقق من صحته. ولكن يبدو أن الأحياء تتمثل فيها غائية توجِّه الأجزاء نحو المجموع الكلي للكائن العضوي، وهذا التوجيه هو موضوع دراسة أبحاث حديثة.
وقد نشأ علم الحياة عن مذهب التطور، الذي يرجع إلى «لامارك» و«دارون». ومذهب التطور في أساسه تفسير للأشكال الحية عن طريق البيئة الخارجية، والسلالات السابقة، أعني أنه تفسير لها عن طريق ظروفها وعِللها، لا عن طريق مرتبتها في التصنيف؛ ومن هنا كانت هذه الأشكال قابلةً لأنواع من «التحول»، ولكن تفسير «لامارك» لهذه التحولات بوساطة صفات مكتسبة عن طريق تكيف الأعضاء أو الوظائف تحت تأثير البيئة، ونقل هذا الاكتساب بالوراثة، وكذلك تفسير دارون لها عن طريق تغيرات موروثة تحدد الانتقاء الطبيعي، نقول إن هذه التفسيرات لم تعُد مقبولة لدى باحثي علم الحياة المعاصرين.
ومع ذلك، فالمذهب التطوُّري يظلُّ منهجًا للبحث والتفسير، ويوجِّه علم الحياة الحديث جهوده نحو حث مشاكل علم الأجنة (Embryologie) وعلم الوراثة.
الفسيولوجيا هي دراسة الوظائف التي تتألف منها الحياة موضوع علوم الحياة هو الخصائص التي تتميز بها الكائنات الحيَّة، ولقد كانت هذه العلوم في الأصل مختلطة بالطب، غير أن النمو المعتاد للمعارف، وتأثير العلوم المتصلة بالطب، أدَّيا إلى الفصل بين النظرية المحضة وبين التطبيق العملي، وإلى تمييز علم العلاج Thérapeutique أو فن الشفاء، وهو الطب بمعناه الصحيح، من «العلم» النظري المحض، وهذا العلم النظري .
علم التشريح: وهو علمٌ قديم جدًّا، ينحصر في وصف «الأعضاء» التي يتكوَّن منها الكائن العضوي، ويقتضي مجموعة من العمليات لاقتطاع الأعضاء (أي تشريحها) ثم إعدادها تمهيدًا لحفظها، أو ملاحظتها دون مشقةٍ.
الفسيولوجيا: وعلى العكس من ذلك، فإن العلم المُسمَّى بهذا الاسم حديث إلى حدٍّ ما، ورغم أن الكلمة التي تدلُّ عليه ترجع إلى القرن السادس عشر، فإنه لم يُصبح علمًا محددًا إلا في القرن التاسع عشر، بفضل جهود كلود برنار، وهو ينحصر في دراسة «الوظائف» أي القوانين التي تؤدي الكائنات الحية وظائفها تبعًا لها، والمنهج المميز له هو «التشريح الحي vivisection» أي ملاحظة طريقة عمل الأعضاء «الحية» التي يجري عليها التجارب بوساطة عمليات مختلفة ذات طبيعةٍ جراحية: كالبتر التجريبي، أو عمليات الفصد التي تهدف إلى فحص السوائل التي يُفرزها العضو أثناء أدائه لوظيفته … إلخ. ولقد أصبح علم وظائف الأعضاء أهمَّ العلوم التي تفرَّعت عن الطب القديم وأكثرها نفعًا.
الحياة والفردية ،لقد قيل إنه هو الفرد، أي هو حقيقة تنطوي على طابع مزدوج، هو أنها: محددة المعالم، منعزلة في المكان قائمة بذاتها، أي بمعنًى ما حقيقة لا ينفذ إليها غيرها، كما أنها مزودة بوحدة داخلية، بحيث تفنى الأجزاء إذا انحلَّ الكل، أي إذا أصيب الكائن العضوي في مقتل، ولا شك في أن فردية الحيوان أو النبات ليست مطلقة؛ إذ يتفق أحيانًا أن يُعاد تركيب الكائن العضوي عن طريق أحد أجزائه المنفصلة؛ بل إن هذه الظاهرة هي المعتادة في أنواع مُعينة من التكاثر، كما هي الحال في تكاثر النباتات بانفصال بعض أجزائها. ولكن الذي نستنتجه من ذلك، كما قال برجسون في عبارته الدقيقة، هو «أن الفردية لا تكون كاملةً أبدًا، وأنه كثيرًا ما يكون من العسير؛ بل من المحال أحيانًا، أن نفرق تفرقةً واضحة بين ما هو فردي وبين ما هو غير فردي، ولكن هذا لا يحول دون القول بأن الحياة تسعى إلى تحقيق الفردية، بطبيعتها.» ولقد كان علماء الكيمياء القدامى يقولون إن الكائن العضوي كونٌ مصغر microcosme. وإذا كان من سوء الفهم أن نتصوَّر الكون المصغر على مثال الكون الحقيقي، وعلى أنه مكوَّن من أجزاء تُناظر أجزاء الكون، فمن المؤكد مع ذلك أن الكائن العضوي الحي يُشبه الكون إلى حدٍّ معين، يتمثل في أنه هو الآخر كل ما يبدو موجودًا لذاته.
الحياة والطبيعة، والميل وللكائن الحي «طبيعة» أو «ماهية» داخلية، يمكن تصورها على أنها حقيقة تعبر عن طريقة تركيب ذلك الكائن، ولقد تصوَّر «إسبينوزا» هذه الطبيعة على أنها نوع من «التناسب من شأنه أن يؤدي بكل الأجزاء إلى الاحتفاظ فيما بينها بنفس علاقات الحركة والسكون.» يبذل الكائن العضوي من أجل هذه الطبيعة أو الماهية «جهدًا للمحافظة على وجوده»
الحياة والتمثيل والتعويض هذا الميل يبعث في أعماق الكائن الحي وظائف التغذِّي والتعويض، فبالتغذي «يمثل» مواد خامًا تأتيه من الخارج، أي إنه يُلائم بين هذه المواد وبين تركيبه ويدمجها فيه، وفضلًا عن ذلك يعوض ما يفسد من كيانه بأن يُعيد إلى حدٍّ ما بناء الأنسجة المصابة (ظاهرة الاندمال cicatrisation) ويطرد أسباب الفساد أو يبطل أثرها، ولقد كان الأطباء القدامى يقولون بوجود قوة علاجية للطبيعة vis medicatrix naturae أي قدرة طبيعية تُعيد ترميم الكائن، والحق أن علاج المرض يحدث في كثير من الأحيان؛ بل في أغلب الأحيان، عن طريق «ترك الطبيعة تعمل» أي عدم الوقوف في وجهها. ولقد كان أنصار «طب الانتظار» أعني أولئك الذين يؤمنون بالعلاج الذي تُنتظَر فيه الطبيعة حتى تقضي على أصل الداء أو تُعيد الأمور إلى نصابها؛ كانوا يقولون: علينا أولًا ألا نفعل شيئًا يضر (primo non nocere). والواقع أن شفاء كسرٍ في العظام ليس غير إعادة وضع الطرفين في الموضع المعتاد (أي جبر الكسر) ثم الانتظار حتى يتم الالتئام من تلقاء ذاته، ومن هنا كان «أمبرواز باريه» Ambroise Paré يقول عن الجرح «لقد كنت أُضمِّده، ولكن الله هو الذي يشفيه.»

قد يعجبك ايضا