الرئيس بارزاني يضع النقاط على الحروف

    مصطفى عبدالكريم قایتەوەني

    في مختلف الملفات الساخنة والأزمات السياسية والأمنية التي شهدها العراق والمنطقة خلال العقود الماضية، ظل إقليم كوردستان لاعبًا مؤثرًا لا يمكن تجاهله. فالموقع الجيوسياسي لكوردستان يجعلها حلقة وصل مهمة بين دول المنطقة، كما أن استقرارها أو اضطرابها ينعكس بصورة مباشرة على مصالح القوى الإقليمية والدولية.

    وعندما يتعلق الأمر بالقضايا المصيرية التي تمس مستقبل كوردستان وشعبها، يبقى صوت الرئيس مسعود بارزاني هو الصوت الأكثر حضورًا وتأثيرًا، لما يمثله من ثقل سياسي وتاريخي ونضالي في الوجدان الكوردستاني.
    وخلال المرحلة الأخيرة التي شهدت تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتهج إقليم كوردستان سياسة متوازنة حافظت على أمن الإقليم واستقراره، وأبعدته عن تداعيات الصراعات الإقليمية. ومع عودة الحديث عن المفاوضات والحلول السياسية، بدت رؤية الرئيس بارزاني أكثر واقعية وانسجامًا مع متطلبات الأمن والاستقرار في المنطقة.
    وفي ظل المتغيرات الجديدة، وبعد تعيين توم باراك مبعوثًا للرئيس الأمريكي إلى العراق، انتشرت العديد من التحليلات والتكهنات التي حاولت الزج بقوات الپيشمركة في سياقات سياسية لا تعكس حقيقتها، بل وصل الأمر إلى وضعها جنبًا إلى جنب مع تشكيلات أخرى نشأت في ظروف مختلفة تمامًا.
    وفي هذا السياق، جاء البيان الصادر عن الرئيس مسعود بارزاني في وقت بالغ الأهمية ليحسم الجدل ويوضح الحقائق بصورة لا تحتمل التأويل. إذ أكد في بيانه: “منذ فترة، وإثر ما طرأ من ظروف سياسية خاصة، قامت بعض الأطراف بالتحدث عن سلاح البيشمركة وطرح تأويلات خاطئة وتوجهات غير صائبة بشأنه. وهنا ينبغي أن يتذكر الجميع أن البيشمركة وُلِدَت من رحم دماء ومعاناة ودموع شعب كوردستان. إن سلاح البيشمركة ليس مجرد قطع من حديد أو ترسانة أو أدوات للقتال فحسب؛ فسلاح البيشمركة يعني تاريخها وتضحيتها وكرامتها وعقيدتها، وسلاح البيشمركة هو ذلك الإخلاص والعهد الذي تحمله دائماً تجاه شعبها وأرضها ووطنها.”
    لقد شكّل هذا البيان ردًا مباشرًا وواضحًا على الشائعات والتفسيرات المغلوطة التي انتشرت خلال الفترة الماضية، كما جاء في توقيت مناسب ليضع النقاط على الحروف بشأن مكانة البيشمركة ودورها التاريخي.
    فكلمات الرئيس بارزاني لم تكن مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبيرًا عن إرث نضالي طويل، وهو الذي خاض تجربة البيشمركة منذ ستينيات القرن الماضي وعايش مختلف مراحل كفاح شعب كوردستان. لذلك حمل البيان رسالة واضحة بأن البيشمركة ليست مجرد قوة عسكرية، وإنما رمز لتضحيات شعبٍ بأكمله وتاريخه وهويته الوطنية.
    ومن هنا يمكن القول إن بيان الرئيس بارزاني أغلق الباب أمام كثير من التأويلات، ووضع إطارًا واضحًا لفهم حقيقة البيشمركة ومكانتها في وجدان شعب كوردستان، مؤكدًا أن هذه المؤسسة الوطنية ستبقى رمزًا للكرامة والتضحية عن الأرض والشعب.

قد يعجبك ايضا