قتيبة آل غصيبة
يشير مصطلح “حرب الرقائق الإلكترونية” إلىالتوترات والصراعات التجارية المستمرة بين مختلفالبلدان والشركات حول إنتاج وتصدير الرقائقالإلكترونية، حيث تخوض الولايات المتحدة سباقتسلح مع الصين للسيطرة على توريد الرقائقالالكترونية وأشباه الموصلات.
تعد هذه الرقائق مكونًا مهمًا في مجموعة واسعة منالمنتجات التكنولوجية؛ من الهواتف الذكية إلىالسيارات والطائرات إلى المعدات المدنية والعسكرية؛ وتؤدي السيطرة على توريد وإنتاج هذه الرقائق الىنتائج اقتصادية واستراتيجية كبيرة، وتعتبر حاليااحد اعمدة الصناعة والاقتصاد العالمي؛ إذ تبلغقيمة استثمارتها 500 مليار دولار، ومن المتوقع أنتتضاعف بحلول عام 2030 وإن من يتحكم فيتصنيعها وتوريدها؛ يصبح قوة عظمى منقطعةالنظير؛ فقد تجاوزت حرب الرقائق الالكترونية فيأيامنا هذه على ما يبدو؛ التدافع على النفط الذيأشعل حروبا؛ وخلق تحالفات غير عادية؛ وأثارخلافات دبلوماسية على مدى القرن الماضي.
ستراتيجية الامن
وأظهرت مؤخرا “استراتيجية الامن القومي– NSSللولايات المتحدة الامريكية في تقريرها الصادر فياكتوبر – تشرين الاول 2022؛ مدى الاهتمام الكبيرللإدارة الامريكية بصناعة الرقائق الالكترونية وأشباهالموصلات وإحتكارها؛ وأعتبار هذا الامر احدتحديات الامن القومي لها ؛ وذلك بعد ان ظهرتالصين في السنوات الاخيرة منافساً قويا لها فيهذا المجال. فالرقائق الإلكترونية؛ المعروفة أيضًاباسم الدوائر المتكاملة؛ هي أجزاء صغيرة مصنوعةمن السيليكون؛ تحتوي على ترانزستورات وثنائياتومكونات إلكترونية أخرى؛ يتم استخدامها فيمجموعة واسعة من الأجهزة والمنظومات الإلكترونية؛بما في ذلك أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكيةوأجهزة التلفزيون والسيارات والطائرات والصناعاتالمدنية العسكرية؛ وهي تأخذ أشكال متنوعة منالأحجام؛ ويمكن أن تؤدي مجموعة واسعة من المهامالبسيطة مثل تضخيم الإشارات؛ لتصل الى المهامالأكثر تعقيدًا مثل التحكم في تشغيل الكمبيوتر أوتشغيل البرامج. إنها عنصر حاسم في الإلكترونياتالحديثة؛ وقد زادت بشكل كبير من قدرات ووظائفالأجهزة الإلكترونية؛ فقد أصبحت أحد أدوات سباقالتسلح بين الولايات المتحدة والصين ، ونظرا لذلك فقدكثفت الولايات المتحدة جهودها ومساعيها لإعاقةتقدم الصين في صناعة هذه الرقائق ؛ وقامتبتشريع قانون الرقائق والعلوم (chips and science) وهو قانون فدرالي أمريكي؛ تم تشريعهوإصداره.
في 9 آب 2022 إذ يوفر هذا القانون 280 ملياردولار كتمويل جديد لتعزيز البحث المحلي في الولاياتالمتحدة لتصنيع وتطوير أشباه الموصلات والرقائقالالكترونية والبحث والتطوير العلمي “، وفي سعياضافي منها أيضا لقطع الطريق أمام الصينبالوصول إلى القدرات المتقدمة؛ فقد اعلنت في شهرأكتوبر / تشرين الأول الماضي عن بعض القيودالموسعة على تصدير كل ما يتعلق بصناعة الرقائقالالكترونية وأشباه الموصلات؛ إذ باتت الشركات التيتنوي تصدير هذه الرقائق إلى الصين ملزمةبالحصول على تراخيص تصدير؛ وشملت القيودالرقائق التي يتم إنتاجها باستخدام معدات أو برامجكمبيوتر أمريكية بغض النظر عن مكان صنعها فيأي دولة بالعالم؛ كما تمنع هذه القيود المواطنينالأمريكيين وحاملي بطاقة الإقامة الخضراء منالعمل في بعض شركات الرقائق الصينية؛ علىالرغم من إن “حاملي البطاقة الخضراء هم مقيموندائمون في الولايات المتحدة ولديهم حق العمل فيالدولة.” بالاضافة الى عزم الإدارة الامريكية؛ منعشركات التكنولوجيا الأمريكية؛ التي تتلقى تمويلافيدراليا؛ من بناء منشآت للتكنولوجيا المتقدمة فيالصين لمدة 10 سنوات.
وبالرغم كل الجهود التي تبذلها الصين؛ من أجلالوصول الى مستوى تضاهي فيه الولايات المتحدةبصناعة الرقائق الالكترونية الدقيقة؛ إلا انها لا تزالوفقا لتقارير الخبراء؛ تحتاج إلى التكنولوجياالامريكية اللازمة لإنتاج الرقائق؛ وإن واشنطنتسعى لإبعاد الصين عنها.
سباق التسليح
ونظرا لإنخراط البلدين في سباق التسلح في منطقةآسيا والمحيط الهادئ، فقد ظهر المزيد من الحاجةلصناعة هذه الرقائق وتطويرها من قبل الطرفين؛لأنها تدخل في صناعة السفن والصواريخ والطائراتوأجهزة الاتصال والاسلحة الذكية والاقمارالصناعية، إضافة الى الصناعات الالكترونية المدنية؛وبناء على ذلك فقد اصبحت حرب الرقائق التيأعلنتها الولايات المتحدة على الصين تعيد تشكيلالاقتصاد العالمي.
من جهة اخرى فإن الصين ماضية في تحقيق هدفهامن اجل الوصول الى مستوى تحقق فيه الاكتفاءالذاتي بصناعة الرقائق الالكترونية وأشباهالموصلات؛ وإستغنائها عن مصادر الصناعةالامريكية؛ وهو ما أكده الرئيس الصيني “شي جينبينغ” في المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصينيفي أكتوبر / تشرين الأول: “سنركز على الاحتياجاتالاستراتيجية الوطنية، ونجمع القوة لإجراء البحوثالعلمية والتكنولوجية المحلية والرائدة، وسننتصربحزم في معركة التقنيات الأساسية الرئيسية.” كماإنها اتخذت ردا على العقوبات الامريكية؛ إجراءاتمتعددة الأوجه؛ فبعد استثمار الحكومة الصينيةبكثافة في صناعة الرقائق المحلية من أجل تقليلاعتمادها على الموردين الأجانب؛ فإنها فرضت أيضاقيودا على تصدير بعض معدات صنع الرقائق إلىالولايات المتحدة؛ وعلاوة على ذلك اتخذت بكينخطوات لزيادة صادرات الرقائق الخاصة بها؛ وإنهاماضية في تقديم الشكاوى الى منظمة التجارةالعالمية بشأن القيود الامريكية على صادرات الرقائقالى الصين؛ لاسيما بعد ان قضت منظمة التجارةالعالمية بأن الرسوم الجمركية الأمريكية على الصلبو الألمنيوم التي فرضتها الولايات المتحدة في عهدالرئيس السابق دونالد ترامب تنتهك قواعد التجارةالعالمية؛ في الوقت الذي يؤكد فيه مسؤولي الادارةالامريكية رفضهم الشديد؛ لهذا الحكم ولا نية لهالإلغاء هذه الإجراءات؛ فقد اكدت أحدى كبارالمسؤولين في وزارة التجارة الامريكية : “بأن مصالحالأمن القومي للولايات المتحدة تستوجب التصرفبحزم لمنع الوصول إلى التقنيات المتقدمة.”
وعلى الرغم من مضي الولايات المتحدة فيانتهاكاتها الواضحة لقوانين التجارة العالمية؛وجهودها المكثفة لإبعاد الصين عن شبكات الابتكار،إلا ان الخبراء ويؤكدون: “إنه في غضون ذلكستضاعف الصين الاستثمار ودعم صناعة الرقائقالمحلية.” إنها ماضية لبناء طريقا خاصا بها فيصناعة الرقائق الالكترونية بعيدا عن الولايات المتحدة. ويؤكد بعض الخبراء إن ذلك قد يعني أن هذهالصناعة ستنقسم عالميا إلى بئتين، واحدة محورهاالصين وشركائها؛ والأخرى الولايات المتحدةوشركائها ، وان هذا الامر له تداعيات هائلة علىالاقتصاد العالمي؛ حيث سيتم إجبار اللاعبين فيهذا المجال على اختيار أحد الطرفين؛ وكل هذايجـــــــري في ظل الآثار السلبية على الاقتصادالــــــــعالمي؛ بسبب الحرب الروسية على اوكرانيا؛جائحة كوفيد – 19.