إدارتان تعنيان انعدام الإدارة

فارس نورولي

إن عبارة «إدارتان تعنيان انعدام الإدارة»، الواردة في عنوان هذا المقال، هي مقولة تاريخية شهيرة لرئيس إقليم كوردستان، نيجيرفان بارزاني، باعتبارها نظرية متكاملة في حماية أمن الإقليم واستقراره وسلامة مؤسساته.

فمن خلال هذه المقولة، يذكّر بارزاني كل من يطرح فكرة تقسيم الإقليم إلى إدارتين بأن هذا التوجه يعني تجريده من هويته وخصوصيته السياسية والإدارية، وأن مثل هذا التجريد في مختلف المجالات لا يقود إلا إلى التفكك والانهيار والهزيمة، ولا سيما أن الكورد عانوا طويلاً من تقسيم كوردستان، وظلوا يطالبون بإنهاء هذا الواقع وتوحيد الصفوف.

وعلى مدى خمسة وثلاثين عاماً، ظل العالم يتطلع إلى توحيد الكورد وتعزيز وحدتهم، لكن المفارقة أن بعض الأحزاب، ومعها بعض المثقفين، كلما اشتدت الخلافات بينهم وعجزوا عن إيجاد الحلول، عادوا إلى طرح فكرة تقسيم الإقليم إلى إدارتين!

وعلى الرغم من أن الإقليم يتكون من أربع محافظات، ولا يمتلك كثافة سكانية أو مساحة جغرافية تضاهي مدينة صينية ، فإن البعض لم يدرك أن تعدد الإدارات لا يعني سوى تفكيك المؤسسات القائمة، وإنهاك ما تبقى من بنيان الدولة ومؤسساتها.

ومن هنا، أعتقد أن أي قوة تسعى إلى تقسيم الإقليم، فإنها لم تكن مؤمنة بالقضية الكوردية أساساً ؛ لأن وحدة الإقليم تمثل أساساً جوهرياً في حماية المكتسبات الوطنية والسياسية التي تحققت خلال العقود الماضية.
وعندما يقول رئيس حكومة إقليم كوردستان: «إدارتان تعنيان انعدام الإدارة»، فإنه يستند إلى رؤية واقعية وعلمية، وإلى فهم عميق لأسس الحكم والإدارة؛ فالقوة الحقيقية لأي مؤسسة تكمن في وحدة القرار وتكامل الصلاحيات والمسؤوليات.

فعندما تتوزع الحدود والجغرافيا والسلطة والإيرادات بين إدارتين ومركزين لصنع القرار، فإن النتيجة الطبيعية ستكون تضارب المصالح والصلاحيات، وتنافس المؤسستين، وربما سعي كل منهما إلى إضعاف الأخرى، الأمر الذي يفرض حالة من التوتر والتنازع المستمر.

وقد شهد التاريخ الكوردي نماذج عديدة تؤكد مخاطر هذا النوع من الانقسام. فمن منظور استراتيجي، لا تنتهي الإدارة المزدوجة بمجرد خلاف سياسي عابر، بل تتحول تدريجياً إلى مسار يستنزف المؤسسات ويضعف تماسك المجتمع والوحدة الوطنية.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح القانون والعملية الديمقراطية عرضة للتأثيرات الحزبية، وتتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات للصراع بدلاً من أن تكون مؤسسات لخدمة المواطنين وحماية مصالحهم.

لذلك، فإن العودة إلى نظام الإدارتين ستكون بمثابة انتكاسة خطيرة، وقد تعني العودة إلى نقطة الصفر في مسيرة الإنجازات الكوردية، فضلاً عن تحميل الأجيال القادمة أعباء صراعات وخلافات لا مصلحة لها فيها.

ومن هنا، تقع على عاتق النخب الثقافية والمثقفين والجامعات ومختلف شرائح المجتمع مسؤولية تحويل مقولة نيجيرفان بارزاني: «إدارتان تعنيان انعدام الإدارة» إلى قناعة وطنية راسخة وممارسة عملية.

إن المرحلة الراهنة تتطلب من الجماهير والنخب الثقافية والسياسية اتخاذ موقف واضح ، ويدعو إلى استئناف الحوار العقلاني، وتوحيد المؤسسات، وتعزيز الشراكة السياسية، وبناء إدارة ديمقراطية موحدة تخدم مصالح جميع المواطنين دون استثناء.

فلا لإدارتين، ونعم لإقليم موحد، ومؤسسات قوية، وحوار مسؤول، ومستقبل يتسع للجميع.

قد يعجبك ايضا
∧