الاحتفاء الذي تحول إلى تأبين نسرين تيلو في أربعينها

إبراهيم اليوسف

تعرّفت على الشاعرة نسرين تيلو في العام 1982. كنت آنذاك في بداية تجربتي مع مهنة التعليم، وكانت هي الأخرى قد تخرّجت للتوّ من قسم الجغرافيا في جامعة دمشق. كنّا مدرّسين في إحدى ثانويات قامشلي. لم أكن قد أنهيت دراستي الجامعية بعد، بل أدرس وفق نظام” الساعات”، وشاءت الظروف أن تكون حصص كلينا الأخيرة في تلك المدرسة في دوام ما بعد الظهر.

كنت قد بدأت النشر في تلك المرحلة، وأقيم بدوري بعض الندوات البيتية، وكانت هي الأخرى- في تلك المرحلة- تكتب باللغتين العربية والكردية في آن واحد. صرنا نتبادل كتب المطالعة، وغالباً ما كانت من الكتب الممنوعة، غير المتوافرة التي نحصل عليها عن طريق تصويرها، أو تداول نسخها القليلة، وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى بعض قصاصات الصحف والمجلات التي تخصّ الكرد.

كان منزل أسرتها قريباً من المدرسة. وكانت تهتف لرفيق دربها الصديق أ. حسن جمعة، في حصة فراغ مشتركة لنا، ليعدّ القهوة ريثما نصل ونشربها معاً، ثم نعود إلى المدرسة، نواصل ما تبقى من حصص ذلك اليوم.

يسرد علينا أ. حسن طرائفه ونقده لبعض الشخصيات العامة. يحدّثنا عن مكانة جكرخوين وعلاقته به، أو نتحدّث عن والد نسرين الراحل، عبدي تيلو، الشخصية السياسية والثقافية الوطنية، الذي قدّم استقالته من الحزب الشيوعي بعدما سافر هو والقيادي نوري الخالدي إلى بيروت في العام 1950 لاستقبال القائد الشيوعي الراحل خالد بكداش القادم من موسكو. وجاءت استقالته على خلفية حوار دار بينه وبين الخالدي، ثم بينه وبين أبي عمار. وكان بين يديه كتاب أعجب به، وخطّط لترجمته إلى الكردية، كما روت لي نسرين، وأكّد ذلك في ما بعد شقيقها الصديق بدرخان تيلو. وكان قد سبقه- أي والدها عبدي تيلو- إلى الاستقالة الأديب واللغوي الراحل ملا حسن هشيار، وذلك قبل القطيعة الكبرى التي بدأت مع الشاعر الكبير جكرخوين ومن معه.

حضضت كاتبتنا وشاعرتنا نسرين على أن تكتب عن والدها الذي طالما تردّد اسمه عند ذكر أسماء الشيوعيين الأوائل في منظمة الجزيرة. فأعدّت مقالاً بهذا الصدد، نشرته بعد نحو عشر سنوات ـ ربما ـ في مجلة” مواسم”

كانت نسرين في تلك المرحلة واحدة من قليلات يكتبن باللغة الكردية الأم: كجا كرد- ديا جوان، ومعذرةً من صاحبات الأسماء الأخرى التي لا تحضرني. كانت تواظب على حضور الندوات التي نقيمها، وتقرأ قصصها في منتدى الثلاثاء الثقافي. وكنت معجباً بلغتها المميزة، التي تضمّ مفردات من عدد من اللهجات الكردية، غير اللهجة المتداولة، وتغني بها قصصها. وقد وجدت بعض تلك القصص منشوراً في مجلات كردية صدرت في تلك الأيام. وأتذكّر هنا مجلة” زانين” التي كان يديرها الصديقان عبد الباقي حسيني والراحل فرهاد جلبي. وما عدت أتذكّر هل نُشر لها في” كرزك كول”، التي أدارها الصديقان كوني رش وعبدالباقي حسيني، وفي “آسو”، أم لا. وكذلك الحال بالنسبة إلى المجلات التي كانت تصدر عن الأحزاب الكردية وتصلني بانتظام.

كانت نسرين تيلو، بحقّ، زميلة وصديقة، ومن أكثر المثقفات حضوراً في الحياة الثقافية. كانت تبدي موقفها بشجاعة، وأتذكّر أنها، خلال عملنا في التدريس، كانت تواجه أيّ خطأ يصدر عن أيّ إداريّ. ولهذا كانت بمثابة الشقيقة لي، كما كانت لعدد من الكتّاب.

وكل هذا ناجم عن نشأتها. فهي ابنة الشخصية المعروفة عبدي تيلو، السياسي الكردي الذي انتسب إلى الحزب الشيوعي في زمن الدكتاتوريات، وكان، على صعيد آخر، متمسّكاً بقوميته الكردية، شأن الكثيرين من رفاقه الذين كانت معادلتهم النضالية على هذا النحو. وكانت، من جهة أخرى، زوجة المربّي حسن جمعة، زميلها الجامعي ورفيق دربها، السياسي القومي والعضو في الحزب التقدمي الكردي، الذي يتمتّع بعلاقات طيبة مع سائر مناضلي الحركة السياسية الكردية، بالإضافة إلى انفتاحه على الشيوعيين.

ثمّة موقف يُسجّل لها. فعندما دعوت إلى تشكيل اتحاد للكتّاب الكرد، حاول بعضهم تثبيط المشروع بداعي الخوف عليّ، إلا أنهم دعونا إلى مشروع آخر، مواز، بل بديل، مجهض، باسم أقرب إلى اسم جمعية ما. واختيرت نسرين واخترتُ معها، إلى جانب خمسة زملاء آخرين، لعضوية هيئتها. وفي الاجتماع الثاني طرح أحدهم نفسه رئيساً للمشروع، ولم يكن له ولا لمن يقف معه كتب صادرة. فعارضت ترشّحه، ووقفت نسرين معي، وقلنا بصراحة إننا نريد قامة ذات وزن ثقافي. وكان ذلك اجتماعنا الأخير. ثم دعا هؤلاء إلى مشروع آخر بعيد عمّا هو مطلوب، ولا يزال” بعض” هؤلاء الذين جاملوا صاحب الفكرة يمارسون لعبهم على الحبال.

قبل مغادرتي قامشلي بسنوات، حلّ شقيقها الفنان خوشناف ضيفاً عليّ. كان الوقت بعد العاشرة ليلاً حين اتصلت بي وقالت: لقد وصل خوشناف، تعال أنت وكرم، ننتظركما. وبعد أقلّ من ساعة وصلنا إلى بيتها وسهرنا هناك.

ثمّة موقف طريف حدث معي، وأتصوّر أنه كان في آخر زيارة لي إلى منزلها القريب من المركز الثقافي في قامشلي. أعدّت لي كأساً من العصير، ومن دون أن أنتبه سقط الكأس أرضاً من فوق” الطربيزة” الصغيرة الموضوعة أمامي، فتكسّر وسال العصير على بلاط الغرفة. شعرت بخجل كبير، إلا أن مضيفتي، بروحها المائزة، هوّنت عليّ الأمر لتنقذني من خجلي، والعرق يتصبّب من وجهي، وأنا أفكّر كيف أتسلّل لأعود إلى البيت تحت وطأة ريفيتي وخجلي وتربيتي!

لم ينقطع التواصل بيننا إلا في السنوات القليلة الأخيرة، نتيجة سوء فهم- مع سواي- على خلفية عدم حضورها مؤتمر الاتحاد في العام 2016. سأتوقّف هنا عند ثلاثة لقاءات تبرز ملامح من شخصيتها. أحدها حين فوجئت بها وبقريبتها المربّية والمناضلة شمسيخان حسين، وقد جاءتا ضمن وفد نسائي لتقديم العزاء بوالدي.

أما لقاؤنا الأخير فكان في أربعين الفنانة د. سمر دريعي، وقد جاءت نسرين من النرويج لتقديم العزاء بها. اقتربت مني، وكانت معها الأخت روجين جكرخوين، وقالت:

لِمَ لم تسلّم عليّ؟ يبدو أنك زعلت مني؟

قلت لها: حقيقةً، لم أعرفكِ إلا بعد ظهوركِ على المنبر وإلقائكِ مرثيتكِ، أو شهادتكِ في د. سمر. وحقّاً، أعجبت بكلمتها المتّزنة، الوازنة، بلغة كردية بسيطة، جميلة. ودعوتها إلى بيتنا، فاعتذرت وقالت: سأكون مع أسرة سمر، وسأعود إلى النروج، ولكني سآتي مرة أخرى إلى ألمانيا. قلت: وسنحتفل بكِ، من دون أن أعلم أن الاحتفاء يكون” أربعينها” بعد غيابها الأليم.

وأما اللقاء الثالث الذي أستعيده هنا، فكان قبل نحو عشرين سنة، ولعلّه كان آخر لقاء لنا في قامشلي. صادفتها عند مكتبة اللواء مع الصديقين، الراحل الشيخ عبدالقادر الخزنوي وعصام حوج. كانوا قادمين من مكان عملهم خارج قامشلي، في جل آغا/الجوادية، بعدما نُقلوا إليه نتيجة مواقفهم السياسية في وجه أزلام النظام في سلك التربية. وأكثر هؤلاء الأزلام يدّعون الآن أنهم” صنّاع الثورة”. وشهد صديقي عصام الذي أثق بشهادته لجرأتها في مواجهة أحد المسؤولين. أما الصديق الخزنوي، فكانت مواقفه الشجاعة، في مقابلة أزلام النظام، إلى حدّ التهوّر معروفة.

لقد كانت الصديقة نسرين عضواً في رابطة الكتّاب والصحفيين الكرد، وواجهت في منزلها أحد من كنت أظنّهم مقرّبين جدّاًـ وهو الآن راحل، رحمه الله ـ إذ كان يطالب بتأسيس نقابة للكتّاب، شريطة أن يكون جميع من يشكّلون نواتها داخل الوطن، بيد أننا كنّا آنذاك خارج الوطن. وكان هو ممّن يمتنعون عن الانضمام إلى مثل هذه المؤسسات في زمن ما قبل الثورة، رغم أنه كان أحد من كلّفتهم بلمّ شمل الكتّاب، إلى جانب أكثر من صديق من الكتّاب والإعلاميين كلّفتهم بالمهمّة.

وكانت نسرين قد اتّخذت موقفها من الرابطة لأنها لم تُدعَ إلى مؤتمر إيسن في العام 2016. وقد كان المؤتمر خاصّاً بكتّاب ألمانيا، وهو ما وضّحته للأخت نسرين أكثر من مرة.

كان القرار أن يحضر زملاء ألمانيا، إلا أن زملاء الداخل والإقليم وتركيا قد خوّلونا عقد المؤتمر العام. ورغم أننا ضممنا الزميلة نسرين إلى إدارة الهيئة، فإنها لم تستمر، كما حال كثيرين، كنا معاً، ولاتزال لهم مكانتهم لدينا.

شخصياً، أقدّر حساسية الكتّاب، وأقدّر غيرة كلّ زميل على مؤسسته. ومن المؤكّد أن ظروف الشتات وعدم تمكّننا من تأمين أجور نقل من هم في مناطق بعيدة يحولان دون حضور كثيرين لقاءات و مؤتمرات الاتحاد.

لقد أدركت كم كانت نسرين حريصة على أخوّتنا وصداقتنا عندما أرسل إليّ صديقي أ. حسن كتابها الجديد بتوقيعها. وقّعته وهي على سرير المرض، بعدما أُصيبت بالشلل إثر جلطة دماغية.

عندما علمت بمرض الصديقة نسرين بدأت أتواصل معها باستمرار، إلا أنني لاحظت في الأسابيع الأخيرة أن واتسابها لم يعد يُفتح. زارها الصديق د. عيسى ملك مع وفد من الجالية الكردستانية، وأوصل صوت كلّ منا إلى الآخر. ويا يا للأسف، كانت تلك آخر مكالمة سمعت فيها صوتها وتحيّتها، عبر هاتف صديق وسيط.

عند صدور مجموعة الصديقة نسرين القصصية، التي عنونتها بـ”روتوسكوب”، اتصل بي أ. حسن وقال: أم جين خصّتك وحفيظ عبدالرحمن بنسختين من مجموعتها. أرسل إليّ عنوانك كي أرسل إليك النسختين. وما إن وصلتني النسختان حتى اتصلت وقلت: ننتظرك بعد شفائك ومغادرتك المشفى لنحتفل بكتابك.

هكذا اتّفقت مع أ. حسن، وكنت متفائلاً جدّاً بأن تعود معافاةً سالمةً إلى أسرتها وقرّائها. وكان تحسّنها، على بطئه، يفرحنا ويجدّد أملنا في أن نلتقي من جديد.

لقد آلمني أن تُدفن أم هيمن ـ وهيمن وصديق أولادي الذي كانت تتباهى به كإرث أوحد ـ أن تدفن في الغربة، بعيداً عن مسقط رأسها. ولعلّ ذلك كان نتيجة وصيّتها، واليأس ممّا حلّ بالوطن، ونزوح أغلب أفراد الأسرة إلى أوروبا. إلا أنني كلّما دُفن أحدهم في تراب ليس له، أحزن له ولا يفارقني الألم. ولكم كتبت في هذه المأساة!

قد يعجبك ايضا
∧