أحمد سعداوي

محمد علي محيي الدين

يشغل الروائي العراقي أحمد سعداوي مكانة متقدمة في المشهد السردي العربي المعاصر، ليس فقط بفضل الجوائز التي حصدتها أعماله، وإنما لأن مشروعه الأدبي ارتبط بمحاولة جادة لفهم التحولات العميقة التي عاشها العراق خلال العقود الأخيرة، وتحويلها إلى نصوص روائية تتجاوز حدود التوثيق المباشر لتغوص في أسئلة الإنسان والهوية والعنف والذاكرة. ومن هنا لم تعد رواياته مجرد أعمال أدبية، بل غدت شهادات فنية على مرحلة تاريخية معقدة، استطاعت أن تصل إلى القارئ العربي والعالمي بلغات متعددة.

Screenshot

ولد أحمد سعداوي في مدينة الصدر ببغداد سنة 1973، ونشأ في بيئة عراقية شهدت تحولات سياسية واجتماعية متلاحقة، وهو ما انعكس لاحقاً على تجربته الإبداعية. جمع في مسيرته بين الشعر والرواية والعمل الصحفي والإعلامي، الأمر الذي أكسبه قدرة على الجمع بين الحس الأدبي ودقة الملاحظة الصحفية. فقد كتب في عدد من الصحف والمجلات العراقية، وعمل مراسلاً لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) في بغداد بين عامي 2005 و2007، كما تعاون مع وكالة MICT الألمانية، وأسهم في إعداد وكتابة الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية، إلى جانب نشاطه في كتابة السيناريو.
وكان حضوره في الصحافة الثقافية والإعلامية لافتاً، إذ نشر مقالاته وتحقيقاته في صحف مثل الصباح والصباح الجديد والمدى، فضلاً عن مجلة الشبكة، كما نال الجائزة الأولى في مهرجان الصحافة العراقية عن فن الريبورتاج سنة 2004، وهو ما يعكس تعدد أدواته التعبيرية، وقدرته على الانتقال بين الخبر والتحليل والإبداع الأدبي.
لكن التحول الأكبر في مسيرته جاء مع صدور روايته الشهيرة «فرانكشتاين في بغداد» عام 2013، التي سرعان ما أصبحت واحدة من أبرز الروايات العربية في العقد الأخير. ففي هذا العمل أعاد سعداوي توظيف أسطورة «فرانكشتاين» العالمية داخل الواقع العراقي، ليصوغ منها رؤية رمزية للعنف الذي اجتاح البلاد بعد عام 2003، حيث تتحول الأشلاء المتناثرة إلى كائن يبحث عن العدالة، لكنه ينتهي إلى إنتاج دائرة جديدة من العنف. وقد نالت الرواية الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) سنة 2014، ثم وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية، ليصبح سعداوي أول روائي عراقي يبلغ هذه المرحلة من الجائزة، وخامس روائي عربي يحقق هذا الإنجاز بعد نجيب محفوظ، وأمين معلوف، وهدى بركات، وإبراهيم الكوني.
ولم تتوقف أهمية الرواية عند حدود الجوائز، بل تُرجمت إلى أكثر من اثنتين وثلاثين لغة، من بينها الإنكليزية والفرنسية والصينية والكورية، الأمر الذي منح الأدب العراقي نافذة واسعة على القارئ العالمي، وأسهم في تعريف العالم بجانب من التجربة العراقية المعاصرة عبر الفن الروائي. كما ترددت أخبار عن تحويل الرواية إلى عمل سينمائي، في مؤشر آخر على تأثيرها الثقافي وتجاوزها حدود النص المكتوب.
وإلى جانب نشاطه الإبداعي، شارك سعداوي مع الكاتبين ناجي الكناني وسامر السبع في تأسيس دار نابو للنشر والتوزيع، في خطوة تعكس إيمانه بأهمية دعم حركة النشر العراقية وتوفير فضاءات جديدة للأدباء الشباب، وهو دور يتكامل مع مشروعه الثقافي العام الذي لا يقتصر على الكتابة وحدها.
وتضم أعمال أحمد سعداوي مجموعة متنوعة من المؤلفات الشعرية والسردية، منها «الوثن الغازي» (1997)، و«نجاة زائدة» (1999)، و«صورتي وأنا أحلم» (2002)، و«الوجه العاري داخل الحلم»، و«باب الطباشير»، فضلاً عن «مذكرات أحمد سعداوي»، وصولاً إلى أحدث رواياته «الشهر الثالث عشر»، التي تؤكد استمرار انشغاله بالأسئلة الوجودية والسياسية والإنسانية التي تميز مشروعه الروائي.
ولا تنبع أهمية أحمد سعداوي من منجزه الأدبي وحده، بل من رؤيته الفكرية تجاه الثقافة والمجتمع. ففي حواراته الإعلامية يطرح أفكاراً تعكس إيماناً راسخاً بدور المثقف في الحياة العامة؛ فهو يرى أن انخراط الشباب في العمل السياسي ضرورة لبناء المستقبل، وأن الشعوب لا تستطيع أن تتقدم من دون توثيق ذاكرتها وأرشفة تاريخها. كما يؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يمكن أن يزدهر في غياب الحرية، وأن استقلالية الكاتب شرط أساس لولادة نص صادق، ولذلك يرفض أن يكون المثقف تابعاً للسلطة أو مروجاً لخطابها، ويرى أن مهمته الأساسية تتمثل في مساءلة الواقع وإحراج صانع القرار عندما يقتضي الأمر.
وتكشف آراؤه كذلك عن وعي عميق بالعلاقة بين الثقافة والدولة؛ فهو يشدد على أن حماية الآثار والموروث الحضاري مسؤولية المؤسسات الرسمية، وأن الدولة مطالبة بتوفير البنى التحتية اللازمة لازدهار الثقافة، لأن العراق يمتلك طاقات إبداعية كبيرة تحتاج إلى الرعاية والدعم. كما يحذر من أن الفوضى السياسية والاجتماعية تضعف التواصل بين الكاتب وقرائه، وتؤثر في قدرة الثقافة على أداء رسالتها في بناء الوعي.
إن تجربة أحمد سعداوي تمثل نموذجاً للكاتب الذي استطاع أن يوائم بين النجاح المحلي والحضور العالمي، وأن يجعل من الرواية العراقية جزءاً من الحوار الأدبي الدولي، دون أن يتخلى عن انشغاله بقضايا وطنه ومجتمعه. ولذلك فإن أعماله تستحق المزيد من الدراسات النقدية التي تستكشف بنيتها الفنية، ورمزيتها، ورؤيتها الفلسفية، بوصفها إحدى أهم التجارب السردية العربية في القرن الحادي والعشرين.
وتستند هذه المعطيات إلى ما عرضه الدكتور إبراهيم خليل العلاف في مقالته «الروائي العراقي أحمد سعداوي في برنامج حوار» المنشورة في صحيفة الحوار المتمدن، العدد (7946) بتاريخ 13 نيسان/أبريل 2024، فضلاً عن المعلومات المتداولة حول منجز سعداوي الأدبي وحضوره في المشهدين الثقافي العراقي والعربي.

قد يعجبك ايضا
∧