هرمجدون الشرق الأوسط : حين تتصادم النبوءات الدينية مع خرائط السياسة والجغرافيا .

الصحفي حيدر فليح الشمري 

لم تعد المواجهة المحتملة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران مجرد صراع على النفوذ أو إعادة ترتيب لموازين القوة في الشرق الأوسط ، فثمة ما هو أعمق من الحسابات العسكرية والاقتصادية ، يتمثل في حضور العقيدة الدينية والتصورات الأخروية داخل بعض المشاريع السياسية التي تتصارع على مستقبل المنطقة .

فإسرائيل في ظل حكومة بنيامين نتنياهو ، لا تخفي ارتباطها برؤية الأرض الموعودة وقد أعلن نتنياهو في مقابلة تلفزيونية عام 2025 ارتباطه بفكرة إسرائيل الكبرى ، كما استحضر في خطاباته الأخيرة انتظار المسيح والمملكة الموعودة ، في سياق يتداخل فيه الاعتقاد الديني مع خطاب الصمود والحرب .

وفي الولايات المتحدة لا يمكن تجاهل تأثير التيارات الإنجيلية والصهيونية المسيحية في البيئة السياسية المحيطة بترامب ، ولا مشاهد الصلوات الدينية داخل البيت الأبيض والبنتاغون ،  فبعض هذه التيارات يرى في قيام إسرائيل وتوسع حضورها جزءاً من تصور أخروي لنهاية الزمان وعودة المسيح ، وليس بالضرورة أن تُتبنى جميع تفاصيل هذه العقائد لكن تأثيرها السياسي يستحق القراءة .

وعلى الضفة الأخرى تقدم إيران مشروعها من خلال الثورة الإسلامية وولاية الفقيه ومحور المقاومة ، حيث لا تنفصل المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة عن خطاب ديني يتجاوز حدود الدولة ، وقد جاء تصريح المرشد الإيراني في 31 أكتوبر الماضي ، بأن الرد لن تكون له حدود جغرافية ، مقروناً بتأكيد وحدة جبهات المقاومة ، ليعطي المواجهة بعداً يتجاوز الصواريخ والمنشآت العسكرية إلى شبكة من القوى العقائدية .

هكذا تتقاطع ثلاثة تصورات مختلفة لا يجمعها اتفاق ، بل تتصادم في رؤيتها للمنطقة ومستقبلها ، وقد تتحول هذه التصورات حين تدخل حسابات السلطة والحرب إلى عوامل تجعل التسوية أكثر صعوبة .

أما الضربة الأمريكية المحتملة فأرجح أن تكون تقليدية شديدة التدمير لا نووية ، خصوصاً أن ترامب استبعد علناً استخدام السلاح النووي في تصريحاته بشأن المنشآت الإيرانية ، لكن ضربة واسعة تستهدف القدرات النووية والعسكرية والبنى الاستراتيجية الإيرانية قد تفتح باباً لرد إيراني يتجاوز حدود المواجهة المباشرة ، ويطال قواعد ومصالح أمريكية وإسرائيلية في المنطقة ويضع الخليج وممرات الطاقة أمام مخاطر جسيمة .

وفي المقابل لا يمكن إغفال التحولات في التوازن الإقليمي ، فاتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان الذي ينص على اعتبار الاعتداء على إحداها اعتداءً على الجميع ، يعكس توجهاً لبناء مظلة أمنية إقليمية جديدة وإن كانت طبيعتها وحدود التزاماتها العملية ستتضح مع اختبار الأزمات .

لكن أين العراق من كل ذلك !؟

العراق للأسف يدخل هذه المعادلة مثقلاً بعقدين من اختلال الدولة ، والمحاصصة ، والفساد ، وتعدد مراكز القرار ، والتبعية المتقاطعة :

وهو ليس طرفاً رسمياً في التحالف العسكري الأمريكي الإسرائيلي ، لكنه قد يصبح من أكثر المتضررين إذا تحول مجاله الجوي وأرضه إلى امتداد للمواجهة أو تعرضت منشآته ومصالحه لضربات متبادلة .

كما أن الخطر لا يقتصر على العراق وحده ، فالمجتمعات العربية ، سنية وشيعية ، ستكون أمام تداعيات حرب لا تميز بين المذاهب حين تضرب الاقتصاد والأمن والاستقرار ، ولا يجوز تحويل الاختلافات المذهبية إلى وقود لمواجهة إقليمية .

إن أخطر ما في هرمجدون الشرق الأوسط ليس النبوءات ذاتها بل أن تتحول إلى مبررات سياسية لإدارة حروب يدفع ثمنها أناس لم يختاروا خوضها .

” العراق لا يحتاج إلى انتصار طرف على آخر ، بل يحتاج إلى انتصار الدولة على الفوضى ، والمواطنة على الاصطفاف ، والكفاءة على المحاصصة ، والسيادة على التبعية ”

فالأولوية ليست لمن ينتصر في معركة الآخرين ، بل لوطن يستطيع أن يحمي شعبه ويقرر مصيره بنفسه .

قد يعجبك ايضا
∧