هورين حسن
يبدو أن الرصاص الطائش في مناطقنا يتمتع بامتيازات لا تحظى بها مؤسسات كثيرة؛ فهو لا يحتاج إلى ترخيص كي يظهر، ولا إلى مناسبة رسمية كي يحتفل، ولا إلى قرار إداري كي يواصل نشاطه، يكفي أن يُقام عرس، أو يُشيَّع شهيد، أو يُستقبل عام جديد، أو تُعلَن نتائج الشهادة الثانوية، أو يسمع أحدهم خبراً ساراً، حتى تتولى البنادق مهمة التعبير عن المشاعر، وحتى الخلافات التافهة لم تعد تحتاج إلى نقاش أو محاولة تفاهم، فهناك دائماً من يرى أن اختصار الحوار بطلقة نارية أكثر إقناعاً!
لقد أصبح الرصاص حاضراً في الأفراح والأحزان، وفي الأعراس والمآتم، وفي لحظات النجاح والغضب، وكأن المجتمع لم يعد قادراً على التعبير عن نفسه إلا من خلال فوهات البنادق.
والمفارقة أن مطلق النار يعرف تماماً متى يضغط على الزناد، لكنه لا يعرف، أو لا يريد أن يعرف، أين ستنتهي الرصاصة.
فبينما يحتفل مطلق النار بمناسبته، قد يدفع شخص لا يعرفه ثمن تلك الفرحة؛ فقد تحطم رصاصة، زجاج نافذة، أو تتلف سيارة، أو تصيب ألواح الطاقة الشمسية فوق منزل، وقد تتجاوز الأضرار الممتلكات لتصل إلى جسد إنسان أو تودي بحياته.
وهكذا تتحول مناسبة تخص شخصاً واحداً إلى خطر يدفع ثمنه الجميع، وكأن الاحتفال لا يكتمل إلا إذا خلّف وراءه خسائر للآخرين.
الرصاص لا يتأثر بالدمج
المثير للسخرية أن ظاهرة إطلاق الرصاص العشوائي لم تتغير قبل دمج المؤسسات الأمنية والعسكرية وبعده؛ فما كان يحدث سابقاً ما زال يحدث اليوم، وكأن هذا الملف بقي خارج حسابات الدمج وإعادة التنظيم، تغيرت الهياكل والتسميات، وأعلن عن ترتيبات جديدة لإعادة تنظيم المؤسسات، لكن المواطن لم يلمس أي تغيير في واقع هذه الظاهرة، ولم يشعر بأن السلاح أصبح أكثر انضباطاً أو أن إطلاق النار العشوائي بات أقل انتشاراً.
فالدمج، مهما كانت أهدافه وترتيباته، يفقد جزءاً من معناه حين لا ينعكس على أمن الناس وحياتهم اليومية، وإذا كانت المؤسسات قد بدأت مسار الدمج وإعادة التنظيم، فلماذا بقيت ظاهرة تهدد حياة المواطنين وممتلكاتهم على حالها؟
ندوات كثيرة.. ورصاصة لا تنتظر
على جبهة التوعية، لا يبدو أن هناك نقصاً في النشاط؛ إذ تتوالى الحملات والندوات والمنتديات والهاشتاغات، وتجد كل جهة تقريباً ما تقوله عن مخاطر الرصاص الطائش، لكن الرصاصة، على ما يبدو، لا تقرأ البيانات، ولا تحضر الندوات، ولا تتوقف عند الشعارات. والمشكلة ليست في التوعية، بل في الاعتقاد بأن تكرار التحذيرات يمكن أن يحل محل إجراءات المنع والردع والمحاسبة.
لا أحد ينكر أهمية توعية الناس بخطورة إطلاق النار، لكن التوعية وحدها لا توقف من يصرّ على استخدام سلاحه في المناسبات أو الخلافات، فالمواطن لا يحتاج إلى حملة جديدة تشرح له أن الرصاصة قد تقتله، بقدر ما يحتاج إلى جهة تمنع إطلاقها، وتلاحق مطلقها، وتطبق القانون عليه، أما الاكتفاء بتكرار التحذيرات، فيشبه محاولة إقناع الرصاصة بتغيير مسارها عبر منشور توعوي.
أين القانون والمحاسبة؟
إذا كانت القوانين القائمة غير كافية، فالمطلوب تطويرها وتشديد العقوبات، وإذا كانت كافية، فالمشكلة تكمن في تطبيقها.
وفي الحالتين، لا يمكن إعفاء الجهات المعنية من مسؤوليتها، يتحمل مطلق النار مسؤولية فعلته، وتتحمل الجهات الأمنية مسؤولية ضبط السلاح وملاحقة المخالفين، فيما تقع على عاتق السلطات التشريعية والقضائية مسؤولية توفير الإطار القانوني وتطبيقه بعدالة ومن دون استثناء.
ولا يجوز أن تتحول الأعراس والمآتم واحتفالات رأس السنة، وإعلان نتائج الامتحانات إلى مناسبات تُعلَّق فيها مسؤولية حماية المواطنين.
كما لا ينبغي أن تصبح العلاقات الاجتماعية أو الصفة العسكرية أو النفوذ الشخصي أبواباً للتهرب من المحاسبة، فالقانون الذي لا يُطبَّق على مطلق النار، لا يحمي أحداً من رصاصه، والسلطة التي تكتفي بمراقبة الخطر بعد وقوعه، لا تكون قد أدت واجبها في منعه.
حماية الناس ليست حملة موسمية
لم يعد مقبولاً أن تكتفي المؤسسات بإحصاء الحوادث وإصدار التحذيرات بعد وقوعها، والمطلوب موقف جاد يبدأ بضبط السلاح، ويمر بتطبيق القانون، وينتهي بمحاسبة كل من يعرّض حياة المدنيين للخطر، أياً كانت صفته أو مكانته.
فحماية الناس ليست حملة موسمية، ولا بنداً يضاف إلى جدول الندوات، بل مسؤولية أساسية لا يجوز التنازل عنها، وعلى المؤسسات أن تثبت أن مسؤوليتها عن حماية الناس ليست مجرد شعار، وأن تنتقل من إصدار التحذيرات إلى فرض القانون ومحاسبة المخالفين، بدلاً من ترك المواطنين وحدهم في مواجهة رصاص لا يعرفون من أين يأتي؟