الحزب الديمقراطي الكوردستاني.. حين يكون الصبر عنواناً للحنكة السياسية

د. حمدي سنجاري

ثمة مثل كوردي متداول في المجتمع يقول: «پارتی کیرویشک بە عارابانە دەگریت»، أي إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني يصطاد الأرانب بعربة الدفع اليدوية. ولعل هذا المثل، بما يحمله من دلالة رمزية، يختصر جانباً من طبيعة هذا الحزب ونهجه السياسي؛ فهو لا يتعجل خطواته، ولا يتعامل مع الأزمات بردود فعل آنية، بل يعتمد الصبر وطول النفس والمرونة، ويعرف متى ينتظر ومتى يتخذ القرار المناسب.

ولفهم أبعاد هذا المثل، لا بد من العودة إلى تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وما مرّ به من محطات قاسية وظروف سياسية وأمنية بالغة التعقيد، منذ العهد الملكي في العراق مروراً بالأنظمة الجمهورية المتعاقبة، وصولاً إلى مرحلة ما بعد سقوط النظام الدكتاتوري. إنه تاريخ لم يكن مفروشاً بالنجاحات، بل كان حافلاً بالتضحيات والمواجهات والتحولات الكبرى، التي أسهمت في تشكيل شخصية الحزب ونهجه السياسي.

وفي هذا السياق، استذكر الدكتور محمود عثمان، في إحدى مقابلاته الأخيرة، رواية نقلها عن الرئيس الراحل مام جلال طالباني بشأن لقائه الأول بالملا مصطفى بارزاني في روسيا. فبحسب الرواية، عندما فتح الملا مصطفى بارزاني الباب لاستقبال طالباني، غلبته هيبة بارزاني وحضوره، حتى فقد وعيه للحظات. وسواء نظرنا إلى هذه الرواية من زاوية رمزية أم تاريخية، فإنها تعكس ما كان يتمتع به الملا مصطفى بارزاني من حضور وكاريزما ومكانة سياسية ونضالية.

ولم تكن تلك الهيبة منفصلة عن تاريخ طويل من القيادة والصمود، فقد استطاع الحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقياداته وقواعده وجماهيره، تجاوز مراحل شديدة الصعوبة، وصولاً إلى مرحلة ترسيخ كيان إقليم كوردستان، الذي أصبح اليوم حقيقة دستورية وسياسية في العراق.

ومن هنا، يمكن فهم كثير من المواقف السياسية التي اتخذها الحزب خلال السنوات الأخيرة، وفي مقدمتها ما أظهره من مرونة في التعامل مع القوى والأحزاب السياسية الأخرى في الإقليم. فعلى الرغم من حصوله على أكثر من مليون ومئة ألف صوت، وتصدره المشهد الانتخابي بوصفه القوة الحزبية الأولى على مستوى العراق، لم يتعامل مع هذه النتيجة باعتبارها تفويضاً للاستئثار بالقرار، بل واصل محاولاته للتفاهم مع الأطراف الأخرى، وفتح أبواب الحوار، وتقديم التنازلات الممكنة من أجل معالجة الخلافات وتجاوز العقبات السياسية.

وقد استمر هذا النهج رغم تعثر التفاهمات وعدم التوصل إلى نتائج تنهي حالة التعطيل، الأمر الذي دفع الحزب في نهاية المطاف إلى اتخاذ خطوات باتجاه إعادة تفعيل برلمان كوردستان، بعد أكثر من عامين من تعطّل عمله. وهنا تتجلى دلالة المثل الكوردي؛ فالصبر والمرونة لا يعنيان التخلي عن المؤسسات أو القبول باستمرار الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما يعنيان استنفاد فرص الحوار، ثم اتخاذ القرار عندما تصبح مصلحة المؤسسة والشعب فوق كل اعتبار آخر.

ولعل العودة إلى عام 1995 تقدم مثالاً تاريخياً بالغ الأهمية على هذا النهج. ففي خضم الاقتتال الداخلي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وفي ظل تعذر انعقاد جلسات البرلمان داخل مقره الرسمي في أربيل نتيجة الانقسام العسكري والسياسي، برزت ضرورة الحفاظ على الشرعية الدستورية للمؤسسة التشريعية ومنع دخولها في فراغ قانوني.

وفي واحدة من المحطات الاستثنائية في تاريخ برلمان كوردستان، عُقدت جلسة برلمانية اضطرارية بتاريخ 27 شباط (فبراير) 1995، في قرية «داره بن»، القريبة من قرية «كزنة» شمال أربيل، بعد تعذر عقدها في مقر البرلمان الذي كان واقعاً آنذاك تحت سيطرة الاتحاد الوطني الكوردستاني. وكان الهدف من هذه الخطوة الحفاظ على استمرارية المؤسسة التشريعية وصون شرعيتها، رغم الظروف الأمنية والسياسية الاستثنائية.

ومن أبرز مخرجات تلك المرحلة تشريع القانون رقم (1) لسنة 1995، الذي قضى بتمديد الدورة الانتخابية الأولى للبرلمان، نظراً إلى استحالة إجراء انتخابات جديدة في ظل الاقتتال الداخلي وانعدام الظروف المناسبة لها.

إن أهمية جلسة «داره بن» لا تكمن في مكان انعقادها فحسب، بل في الرسالة السياسية والمؤسسية التي حملتها: فحتى في أصعب مراحل الخلاف الكوردي الداخلي، بقي الحفاظ على كيان الإقليم ومؤسساته الدستورية ضرورة تتقدم على كثير من الاعتبارات الحزبية والسياسية. وقد كان ذلك موقفاً يستحق التوقف عنده واستحضاره اليوم، لا سيما ونحن أمام تحديات تتطلب قدراً أكبر من المسؤولية الوطنية.

وليس الهدف من استعادة هذه المحطات الانتقاص من دور أي حزب أو طرف سياسي، أو تحويل التاريخ إلى مادة للمزايدات، وإنما التذكير بأن كيان إقليم كوردستان لم يكن نتاج جهود حزب واحد، بل ثمرة نضال وتضحيات وتعاون قوى وشخصيات وطنية كوردية عديدة.
وقد كان للحزب الديمقراطي الكوردستاني، بقيادة الرئيس مسعود بارزاني، دور محوري في الحفاظ على هذا الكيان وترسيخ وجوده، إلى جانب أدوار القوى والأحزاب الأخرى وكل الذين أسهموا في بنائه والدفاع عنه.

وعلى الرغم من الخلافات العميقة التي شهدتها الساحة السياسية الكوردية، وصولاً إلى الاقتتال الداخلي الذي أودى بحياة عدد كبير من الشباب الكورد، ظلت هناك ضرورة وطنية لا يمكن التفريط بها، تتمثل في الحفاظ على كيان إقليم كوردستان ومؤسساته. فهذا الكيان لم يكن مكسباً حزبياً أو امتيازاً سياسياً لطرف دون آخر، بل أصبح ملاذاً آمناً للكورد والعراقيين، واحتضن على مدى سنوات طويلة مناضلين ومعارضين عراقيين، أعاد كثير منهم تنظيم أحزابهم وحركاتهم السياسية في جبال كوردستان وأراضيها، قبل أن يسهموا في النضال لإسقاط النظام الدكتاتوري وإقامة نظام ديمقراطي اتحادي تعددي في العراق.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على استذكار تضحيات الماضي، بل تتمثل في حماية ما تحقق منها. فمن غير المقبول أن تُهدر تضحيات أجيال من المناضلين والشهداء بسبب مصالح شخصية أو حسابات حزبية ضيقة. كما لا يجوز أن تتحول الخلافات السياسية إلى سبب لتعطيل المؤسسات الدستورية أو تعطيل مصالح المواطنين، الذين ينتظرون منذ وقت طويل قرارات تمس حياتهم ومستقبلهم وحقوقهم.

إن البرلمان ليس ملكاً لحزب أو كتلة أو شخصية سياسية، بل هو مؤسسة تمثل الشعب، وتستمد شرعيتها من إرادته. ومن واجب جميع الأحزاب والقوى السياسية أن تتعامل معه وفق الأطر القانونية والدستورية، وأن تعود إلى قاعته، وتطرح مطالبها ومواقفها تحت قبته، عبر الحوار والنقاش والتنافس السياسي المسؤول، لا من خلال تعطيل المؤسسة أو إضعافها.

ونحن نريد أن نرى جميع الأحزاب الكوردستانية مجتمعة تحت قبة برلمان كوردستان، تتحاور وتناقش وتختلف في وجهات النظر، وتدافع عن برامجها ومطالب جماهيرها، لكن ضمن إطار يحفظ مكانة هذه المؤسسة وشرعيتها. فالاختلاف السياسي حق مشروع، أما المساس بالمؤسسات التي تمثل إرادة الشعب فهو أمر لا ينبغي التساهل معه.

إن التاريخ لا ينسى، والأجيال القادمة ستقرأ مواقفنا وقراراتنا في هذه المرحلة، وستحكم عليها وفق ما قدمته لمصلحة شعب كوردستان وكيانه الدستوري. وستظل المواقف التي تسهم في حماية هذا الكيان وتعزيز مؤسساته موضع تقدير واعتزاز، فيما لن تكون هناك مبررات تاريخية لمن يتخذ من المصالح الشخصية والحسابات الضيقة سبباً لإضعافه.

لهذا، فإننا نفتخر بانتمائنا إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني، ليس لمجرد كونه حزباً عريقاً يمتلك تاريخاً طويلاً من النضال، بل لما نؤمن به من ضرورة الحفاظ على المشروع الوطني الكوردستاني، وصون المكتسبات التي تحققت بدماء وتضحيات أجيال من المناضلين، وبجهود قيادات وطنية كان في مقدمتها الرئيس مسعود بارزاني.

ونقول لبقية الأحزاب والقوى السياسية: اجعلوا جماهيركم ومنتسبيكم يفخرون بمواقفكم كما نفخر نحن بانتمائنا، وذلك من خلال مواقف مسؤولة تحمي المؤسسات وتضع مصلحة الشعب فوق المصالح الحزبية والشخصية.

فالمناصب تتغير، والتحالفات تتبدل، والخلافات السياسية قد تنتهي، لكن ما يبقى هو كيان كوردستان ومؤسساته، وما يسجله التاريخ من مواقف. والتاريخ لا يرحم من يفرّط بالمكتسبات الوطنية، كما أنه لا ينسى من يحميها ويصونها.

قد يعجبك ايضا
∧