أشراطُ السراب والوجع، كيف يبتكر الشعر معناه وسط خراب العالم ؟!” قراءة في ديوان “سراب التباريح” للشاعر والناقد الفلسطيني نمر سعدي
نهى الخطيب / شاعرة وناقدة من المغرب
أولا: المدخل إلى عالم الديوان:
نمر سعدي – قصائد مكتوبة في 2025 و2026
هو ديوان تتحرك قصائده بين الحب والحنين والقلق الوجودي، وتختبر قدرة اللغة على إنقاذ الإنسان من الفقد، ومن خراب العالم، ومن شعوره الدائم بأن مايطلبه يظل أبعد من أن يُنال.
منذ العنوان، يضعنا الشاعر أمام مفارقة شعرية كثيفة: “السراب” يوحي بما يُرى ولا يُنال، و”التباريح” توحي بما يعانيه الجسد والروح من شدة الوجد والعشق واللوعة، وعندما يجمع الشاعر الكلمتين، يصبح السراب نفسه تجربة من تجارب الألم، ويغدو بدوره شيئا مضيئا، يكاد يمنح صاحبه معنى لحياته.
ليس السراب في هذا الديوان مجرد فقد بل هو حالة كينونة للغياب، والشاعر لا يتعامل معهما بوصفهما حادثة ماضية، بل يجعلهما حالة وجودية مستمرة؛ السراب هنا هو ذلك الحضور المتواري للأنثى أو الحبيبة الغائبة؛ فهي غير ماثلة بشكل مادي مباشر، لكنها الروح الكامنة وراء كل مفردة، والوقود الذي يغذي جمرة الشعر. في العادة يرتبط السراب بالخداع البصري وضياع الحقيقة، لكنه عند نمر سعدي يرتفع ليكون “مجازا خالقا”، فالشاعر لايهرب من الواقع إلى الوهم، بل يتخذ من السراب أداة لكسر رتابة الواقع وقسوته، وخلق عالم بديل من الجمال والأمل والشغف، ولهذا تتكرّر في الديوان مفردات المشي والبحث والاحتراق والغياب والانتظار، كما تتكرّر صور الماء والريح والنار والرماد والورد والطيور، إنها ليست مفردات للزينة، بل عناصر في معجم نفسي وفكري يعود إليه الشاعر كي يصوغ تجربته.

انطلاقا من هذه المقومات يمكن صياغة سؤال مركزي
للديوان على النحو التالي:
_كيف يستطيع الإنسان أن يواصل الحب والكتابة
والحلم؟ وهو يعرف أن الأشياء التي تمنح حياته معناها معرضة للزوال؟ وأن اكتمالها قد يظل مستحيلا؟
هذا السؤال إذن هو الذي سيساعدنا على قراءة القصائد المتنوعة بوصفها أجزاء من تجربة واحدة.
ثانيا: البناء العام للديوان وحركة التجربة:
يفتتح الشاعر ديوانه باقتباس من أبي الطيب المتنبي:
على قلق كأنَّ الريح تحتي أوجِّهها جنوبا أو شمالا
اختيار هذا البيت ليس تفصيلا عابرا، فالقلق هنا ليس حالة نفسية طارئة، وإنما قوة تدفع بالذات إلى الحركة، وتمنعها من الاستقرار؛ والريح التي تبدو تحت الشاعر توحي بأن القلق أصبح وسيلة انتقاله في العالم، مثلما تصبح القصيدة وسيلة انتقال الذات من تجربة إلى أخرى.
يتوزَّع الديوان على مقاطع تحمل عناوين مرقّمة من الأول إلى الثامن، وتظهر فيها عناوين مثل “سيرة الضليل” و”كأن قصائدي ريح” و “أجمل الناجيات من الحب” و”سراب التباريح” و “القصيدة تأخذني من يدي” و”مترع كأسي بعيني من أحب” و “أغالب مجرى حنيني” و “النوافذ آهلة بالطيور”، هذه العناوين ليست مجرد تقسيم طباعي، فهي ترسم مسارا داخليا تتغير خلاله علاقة الشاعر بنفسه وبالمرأة وبالعالم.
1. القلق والتيه:
في “سيرة الضليل” و “كأن قصائدي ريح” تظهر الذات قلقة، مجروحة، محاصرة بالذكريات وبغياب
الأصدقاء لكنها تستمد من القصيدة سببا للاستمرار.
2. الحب والأنوثة:
في “أجمل الناجيات من الحب” و”سراب التباريح”، يتخذ الشوق هيئة بحث عن امرأة وذاكرة وجمال لايمكن القبض عليها نهائيا.
3. القصيدة بوصفها ملاذا:
تصبح الكتابة رفيقة للذات ومكانا لإعادة تشكيل التجربة، كما في القصيدة “تأخذني من يدي” و “مترع كأسي بعيني من أحب”.
4. الحنين والحرب والذاكرة:
في “أغالب مجرى حنيني” و “النوافذ آهلة بالطيور” تتسع التجربة من الذات العاشقة إلى أسئلة الحرب والفقد والحرية والذاكرة الجماعية.
ثالثا: الحب والمرأة _بين الرغبة والذاكرة والرمز_
الحب من أكثر المحاور حضورا في الديوان، لكنه ليس حبا مستقرا يفضي إلى الطمأنينة؛ إنه حب ملتبس، شديد الحضور في الخيال، متعثر في الواقع، وممتد في الذاكرة بعد الغياب.
في قصيدة “نسوة السراب” يقول الشاعر:
“أشربُ الصدى وأرفعُ الكؤوسَ نخبَ الظلِّ والسرابِ
بالحرائقِ اكتملتُ أو بلسعةِ الحنينِ والبعدِ”
تتجاوز هنا أفعال الشرب والإحتفال مع الصدى والظل والسراب، فكأن الذات تحتفل بما لاتستطيع امتلاكه، وتجد في الحرائق نفسها شكلا من أشكال اكتمالها.
وهذه مفارقة أساسية: الألم لا يلغى، بل يتحول إلى مادة لتكوين الهوية الشعرية.
أما المرأة في هذا العالم، فلا تُختزل في صورة الحبيبة التي تشبع رغبة المتكلم، بل إنها تظهر بأشكال متعددة:
_امرأة تُستعاد من الذاكرة وتقاوم النسيان.
_امرأة تتحول إلى مصدر للإلهام وللغة جديدة.
_امرأة تتماهى مع الطبيعة، فتغدو زيتونا وماء ووردا وحقلا.
_ امرأة تحمل في حضورها قوة الحياة، وفي غيابها يتكشف نقص العالم.
أما في قصيدة “بنفسجات الملح” فتتخذ الصورة الأنثوية طابعا طبيعيا ووطنيا في آن واحد:
“أنت يا امرأة أصابعها من الزيتون تشعل خضرة الأنهار في يدها ضباب الصبح”.
الزيتون هنا يحمل إيحاءات الجذور والأرض والاستمرار، بينما تمنح الأنهار والصبح الصورة حركة وتجدُّدا، وتصبح المرأة صلة بين الحميمي والطبيعي؛ فهي ليست جسدا معزولا، بل حضور يوقظ العالم من حوله.
لكن هذا الإحتفاء لا يخلو من التوتر، فالشاعر يرفع المرأة إلى مستوى الرمز الأسطوري، ويجعلها أحيانا عنقاء أو كوكبا أو نافذة إلى المطلق، وهذه الرفعة تمنح الصورة قوة تخييلية، لكنها قد تجعل المرأة في بعض المواضيع أقرب إلى مرآة لحاجات الذات الشاعرة منها إلى شخصية مستقلة ذات صوت خاص، وتبرز هذه المسألة بوضوح في قصيدة “ضفيرة” التي تتحول فيها الضفيرة من تفصيل جسدي إلى سؤال عن الحرية والقوة والهوية، وعن علاقة المرأة بالقوانين والحرب والمنفى والجمال.
يقول الشاعر في سياق أسئلته:
“هل معنى الضفيرة قوة امرأة مكابرة السنابل والضلوع؟ وشموخ عينيها أمام الشمس؟”.
هنا يتجاوز النص الوصف الحسي إلى مساءلة المعنى الإجتماعي والإنساني للأنوثة، فالضفيرة لا تعود زينة، بل علامة يمكن أن تحمل الصمود والذاكرة والإرادة. خلاصة القول في محور الحب: المرأة عند الشاعر نمر سعدي ليست موضوعا عاطفيا فحسب، إنها مركز تتقاطع عنده الرغبة والكتابة والذاكرة والجمال والحرية، غير أن قوة الرمز الأنثوي تأتي أحيانا على حساب التفاصيل الواقعية للشخصية، وهو توتر يستحق الإنتباه إليه في القراءة النقدية.
رابعا: السراب والنقص _لماذا لاتصل الذات إلى ما تريد؟_
تتجلى فلسفة الديوان بأوضح صورها في القصيدة التي تحمل عنوانه، يقول الشاعر:
“أمشي إلى آخر المعنى ولا أصلُ لما أريد… كأنْ لاشيءَ يكتملُ”.
هذا المقطع يصلح مفتاحا لقراءة كثير من قصائد المجموعة، فالمشكلة ليست في غياب الطريق، بل في أن السير نفسه لايضمن الوصول، حتى “آخر المعنى” لايمنح المتكلم خاتمة نهائية، والمعنى هنا متعدد الطبقات:
_نقص عاطفي: الحب لايتحقق كاملا، أو يتحقق ثم يصبح مهددا بالفقد.
_نقص وجودي: الذات لاتستطيع أن تبلغ تعريفا نهائيا لنفسها أو للعالم.
_نقص فني: القصيدة لاتستنفد التجربة التي تحاول التعبير عنها.
_نقص زمني: الذاكرة تستعيد الماضي، لكنها لا تستطيع إعادته كما كان، ويؤكد الشاعر هذا المعنى حين يقول: كل القصائد والأشياء ناقصة ملحا يضيء وشيئا ليس يحتملُ، فهو لايكتفي بالقول إن الأشياء ناقصة، بل يربط النقص بالملح والضوء، وهنا تتعقد الدلالة، النقص مؤلم لكنه ليس خاليا من الجمال، إذ قد يكون مايضيء في التجربة هو نفسه ما يلسعها.
كذلك تتكرّر صورة المشي في الصحراء والبحث عن الظباء أو الماء أو الوردة ، وهي صور توحي بأن الذات تتحرك باستمرار نحو موضوع مرغوب ، لكن هذ الموضوع يظل متواريا ، وفي بعض المواضع تصبح القصيدة نفسها سرابا، تعد بالإكتمال ثم تكشف أن اللغة عاجزة عن امتلاك التجربة نهائيا ؛ ومن هنا يمكن فهم التباريح بوصفها نتيجة لهذا التناقض: الشاعر يتألم لأنه يرغب في الإكتمال ، لكنه لايتوقف عن الرغبة رغم معرفته باستحالته ، وهذه ليست فلسفة يأس مطلق ، فالذات لاتنسحب من العالم ، بل تواصل الكتابة والحب والبحث ، لأن استمرار السعي هو مايمنح النقص طاقة شعرية .
خامسا: القصيدة والكتابة _هل الشعر خلاص أم جرح آخر؟_
في ديوان “سراب التباريح” لاتكتفي القصيدة بتسجيل التجربة، بل تدخل في صلبها، فالشاعر يكتب عن الحب، لكنه يكتب أيضا عن صعوبة كتابة الحب، ويستحضر الذاكرة، ثم يشكك في قدرة اللغة على استعادتها، ويبحث عن الخلاص في القصيدة، ثم يعترف بأن القصيدة نفسها لا تكتمل، ومن العبارات الدالة على ذلك قوله:
“ألمْ أقلْ يوماً بأنَّ قصيدتي هيَ في الحياةِ صديقتي وأنا المُضاءُ
بكلِّ ما في الأرضِ من وجدٍ ومن شغفٍ يشكِّلُ سيرةَ الضلِّيلِ
أو يمحو حوافي رغبةٍ بيضاءَ من حبقٍ وماءِ؟”.
تقدم القصيدة نفسها هنا باعتبارها صديقة ورفيقة، ومصدر إضاءة في مواجهة العزلة، وهذه العلاقة تتجسد كذلك في عنوان “القصيدة تأخذني من يدي”، الذي يمنح الكتابة هيئة كائن يقود الشاعر عبر مسالك التجربة.
وفي موضع آخر يقول: “إن روح قصيدتي رؤياي أو فخ العبارة في أناي”، هذا التردد بالغ الأهمية، فالقصيدة رؤيا، أي أنها توسع مجال الإدراك وتتيح للشاعر رؤية ماوراء الظاهر؛ لكنها قد تكون أيضا “فخ العبارة” حين تتحول اللغة من وسيلة للكشف إلى قيد يحاصر التجربة داخل صياغة لا تكفيها. إذن الكتابة عند نمر سعدي تحمل وظيفتين متعارضتين:
_ إنها الوسيلة لإنقاذ الذاكرة من المحو والنسيان، ومنح الألم شكلا قابلا للتأمل.
_ وفي الوقت نفسه هي اعتراف بأن التجربة أكبر من اللغة، وأن كل صياغة تترك شيئا خارجها وهذا ما يجعل
قصائد الديوان تميل إلى إعادة بناء المعنى بدلا من
إغلاقه، فالصورة لا تأتي دائما لتفسير التجربة، بل قد تزيدها غموضا، وتفتح أمام القارئ احتمالات جديدة.
*القصيدة بوصفها هوية: حين تصبح القصيدة رفيقة الذات، فإنها تتحول أيضا إلى جزء من تعريفها لنفسها؛ فالمتكلم لايقول فقط إنه شاعر؛ بل يبدو أحيانا وكأنه لايستطيع فهم وجوده إلا من خلال الشعر.
في قصيدة “أنا ابن عبير دخان القرى”، يرتبط الصوت الشعري بالطبيعة والقرى والحنطة والقرنفل والليمون والينابيع، ويعلن الشاعر أن هذه العناصر هي بيته وملاذه وصومعته، وهكذا تتشكل الهوية الشعرية من ذاكرة المكان، ومن الحواس، ومن اللغة التي تستعيد تلك العناصر وتعيد تركيبها؛ الشعر هنا ليس مهنة أو نشاطا منفصلا عن الحياة، بل طريقة في الوجود ومقاومة النسيان، لكنه لايضمن النجاة الكاملة، لأن الشاعر يظل كغيره من الناس معرضا للخذلان والقلق، ويظل محتاجا إلى الكتابة لأنها لا تنهي الجرح، بل تمنحه لغة.
سادسا: الطبيعة _معجم حيٌّ لا خلفية للقصائد_
تحتل الطبيعة مكانة مركزية في الديوان، لكن حضورها لا يقتصر على وصف المناظر، إنها تتحول إلى لغة ثانية يستطيع الشاعر بوساطتها التعبير عن الحالات النفسية والفكرية التي يصعب قولها مباشرة، ويمكن تمييز عدد من الحقول الصورية المتكررة:
*الريح: ترمز إلى القلق والاضطراب وعدم الاستقرار، كما تشير إلى حركة القصيدة نفسها، ولذلك تتصل بعنوان: “كأن قصائدي ريح”، وتظهر في سياقات الحيرة والتيه وتبدل العلاقات.
*الماء: يرمز إلى الحياة والذاكرة والرغبة، لكنه قد يكون أيضا سطحا خادعا لايثبت عليه شيء، وصورة “عاشق في الماء” تجسد ذاتا ترى نفسها، لكنها لا تستطيع القبض على صورتها.
*النار والرماد: النار هي الشغف والإحتراق الداخلي، والرماد هو ما يبقى بعد انطفاء التجربة، ومع ذلك لايمثل الرماد موتا كاملا، فقد يتحول في صور الشاعر إلى بداية جديدة أو ذاكرة قابلة للاشتغال.
*الزيتون والحقول والليمون: تحمل هذه الصور إيحاءات الجذور والخصوبة والألفة والمكان، وهي تصل الجسد الأنثوي بالطبيعة، وتربط التجربة الفردية بذاكرة الأرض والقرى.
*الطيور والنوافذ: توحي بالحرية والعبور وإمكان الخروج من العزلة، ويكتسب عنوان “النوافذ آهلة بالطيور” دلالة خاصة لأنه يجمع بين الفضاء المغلق الذي تمثله النافذة، وحركة الحياة التي تمثلها الطيور. وهذه المرونة الدلالية من أهم خصائص الصورة الشعرية عند الشاعر نمر سعدي، فالعنصر الطبيعي لايؤدي معنى ثابتا، بل تتغير دلالته تبعا للسياق النفسي الذي يستدعيه.
سابعا: المكان والهوية والذاكرة الفلسطينية: لاينبغي قراءة الديوان بوصفه مجموعة من القصائد العاطفية المنفصلة عن الواقع، ففيه حضور للأرض والقرى والحرب والمنفى والحرية، وإن كان هذا الحضور يأتي غالبا من خلال الصورة والإيحاء، لا عبر خطاب سياسي مباشر؛ وتظهر هذه الأبعاد في قصيدة “كأن قصائدي ريح” التي تستدعي الدم والحرية والركام والمنازل، وفي قصيدة “أنا ابن عبير دخان القرى” التي تعيد بناء الإنتماء من خلال عناصر الحياة اليومية والطبيعة، كما تظهر في الأسئلة القلقة التي تطرحها قصيدة “هل أحن إلى سيجارة؟” في مواجهة الحرب والطائرات واضطراب الحياة.
ثامنا: الحوار مع التراث والثقافات الأخرى: تقوم تجربة نمر سعدي على ذاكرة ثقافية واسعة، وهو ما ينسجم مع تعدد الإشارات التي تظهر في قصائده؛ يبدأ الديوان بالمتنبي، وتعود الإشارة إليه في سياقات القلق والكبرياء والشعور بالغربة، كما يحضر “جرير” ، وتظهر أسماء “لوتريامون” و”لوركا” و”رومبو” و”بيكاسو”، وترد إشارات إلى “جلال الدين الرومي” و “شمس التبريزي”، فضلا عن استحضار أسطوري “للعنقاء” و “ميدوزا” ، وإشارات إلى شخصيات وأحداث من الموروث العربي، وهذا التنوع لايعني أن كل اسم يؤدي الوظيفة ذاتها، بل يمكن تمييز ثلاث طرائق أساسية للتناص:
1_التراث العربي بوصفه مرآة للذات، بل وسيلة لربط التجربة الراهنة بتاريخ طويل من الأسئلة الشعرية.
2_الأدب العالمي بوصفه أفقا للتجربة، وكأن الشاعر يبحث عن قرابة وجدانية بين تجربته وتجارب الكتابة التي عرفت الإغتراب أو الإنكسار أو التطلّع إلى المُطلق.
3_الأسطورة بوصفها أداة لتحويل التجربة من حوادث شخصية إلى صورة أوسع قابلة للتأويل.
صحيح أن هذه التناصات تمنح الديوان اتساعا ثقافيا، لكنها تضع على القارئ عبئا إضافيا: فبعض الإشارات لاتكشف دلالتها من أول قراءة، بل تحتاج إلى معرفة السياقات التي تستدعيها.
تاسعا: الحرب والفقد والرثاء: من أكثر القصائد التي تكشف اتساع التجربة، قصيدة: “مثل موج من الشوق” وهي مرثية للشاعر “حسين مهنَّا”، تجمع القصيدة بين الإحتفاء بالشاعر الراحل واستعادة خصاله الإنسانية والفنية، وبين الإحساس بفقد شخص كان صوته ووجوده يمنحان الحياة اليومية معنى ودفئا.
يقول الشاعر نمر سعدي: “جاءني نعيه قبل ليل وحيد من الزوبعة.. قال لي في العناق الأخير: انجُ ليلا بقلبك واخرج من القوقعة”. وتكتسب “القوقعة” هنا دلالة تتجاوز العزلة الفردية، فهي تشير إلى الإنغلاق على الذات، وإلى الخطر الذي يهدد الإنسان حين يصبح أسير خوفه أو حزنه، أما وصية الراحل بالخروج فتجعل الرثاء دعوة إلى مواصلة الحياة، لا مجرد استعادة للماضي، كما تبرز في هذا السياق علاقة الشاعر بالموت، فبها يقطع الحضور الجسدي، لكنه لايمحو أثر الشخص في الذاكرة؛ أما الحرب، فتظهر في قصيدة: “هل أحنُّ لسيجارة؟” من خلال أسئلة متلاحقة عن معنى الفعل الممكن في عالم مضطرب: ما الذي سوف أفعل في هذه الحرب؟ هل أقرأ المتنبي الحيادي للمرة الألف؟، أم بوح كافكا الرمادي؟ السؤال ليس عن القراءة وحدها، بل عن جدوى الثقافة والتأمل والكتابة أمام واقع عنيف.
عاشرا: الأبعاد الوجودية والروحية: إلى جانب الحب والطبيعة والهوية، يحضر في الديوان سؤال الإنسان عن نفسه وعن معنى الحياة والموت والحرية والسعادة، وتظهر هذه الأسئلة في المقاطع التي تتحدث عن المطلق والبحث عن المعنى، كما تتصل بحضور المتنبي وجلال الدين الرومي وشمس التبريزي وببعض الصور
الأسطورية، لكن الروحانية هنا لا تأتي دائما في صورة خطاب ديني مباشر؛ إنها تتجلى غالبا في الرغبة في تجاوز حدود الذات، وفي البحث عن تجربة تتسع لما هو أكبر من الفرد حين يقول الشاعر في “نار يابسة في قلبي”: “أن أذهب يوما إلى المطلق”، هو يعبر هنا عن توقه إلى الخروج من حدود التجربة اليومية، إلى بلوغ أفق أوسع من الرغبة والذاكرة والجسد.
الحادي عشر: اللغة والصورة والمجاز: اللغة في “سراب التباريح” لغة مشحونة بالصورة، تعتمد كثيرا على الإستعارة والإنزياح والتراكيب التي تدمج عناصر متباعدة، ومن أمثلة ذلك: *”أشرب الصدى” تحويل الصوت الغائب إلى مادة يمكن تناولها بما يوحي بأن الذات لاتعيش الحضور وحده، بل تتغذى أيضا على آثاره. *”حزن النخيل يضيء”: إسناد الضوء إلى الحزن، فيغدو الألم مصدرا للكشف لا مجرد ظلام. *”النوافذ آهلة بالطيور”: تحويل النافذة من حد فاصل بين الداخل والخارج إلى مكان تسكنه الحركة والحياة. * “القصيدة تأخذني من يدي”: تشخيص الكتابة وجعلها رفيقة تقود الشاعر في مسالك التجربة.
أ_اللغة الحسية: تتداخل في الديوان حواس متعددة: الرائحة واللون والطعم والصوت واللمس، فنقرأ عن رائحة الليمون والقهوة والتراب بعد المطر، وعن زرقة الماء والسماء، وعن الموسيقى والوتر والغيتارة، وعن الملح والشهد والقبلة.
ب_الصورة المركبة: مكسب ومخاطرة: يميل الشاعر أحيانا إلى تتابع الصور والإستعارات بسرعة عالية، فتتراكم عناصر مثل النار والماء والريح والنجوم والرماد والورد في مساحة قصيرة، هذا الأسلوب يخلق طاقة تخييلية واضحة، ويمنح القصيدة حركة أقرب إلى التداعي الحلمي، لكنه قد يسبب في بعض المواضع ازدحاما يجعل الصورة المركزية أقل وضوحا، أو يجعل الإنتقال بين الصور أسرع من قدرة القارئ على بناء علاقة متماسكة بينها، ومن هنا تأتي إحدى الملاحظات النقدية المهمة: ليس كل غموض عمقا، وليس كل تراكم للصور زيادة في الشعرية، فاللغة قد تبلغ ذروة تأثيرها حين تظلُّ الصورة مهما كانت بعيدة أو مفاجئة، قادرة على إحداث صدمة شعرية أو كشف علاقة جديدة بين الأشياء.
الثاني عشر: الإيقاع الموسيقي والتنوع الشكلي: تتسم قصائد الديوان بتنوع في الشكل والإيقاع، وهو أمر ينسجم مع السيرة الشعرية التي يقدمها النص عن صاحبه، حيث تتجاوز قصيدة التفعيلة والقصيدة العمودية وقصيدة النثر في تجربة نمر سعدي؛ في بعض القصائد يظهر الإيقاع بوضوح من خلال انتظام النهايات وتكرار الصيغ الصوتية وتبرز قصيدة “سراب التباريح” في بنائها العمودي وقوافيها، حيث يتعزَّز معنى السعي غير المكتمل من خلال عودة الأصوات إلى نهايات متقاربة. أما الموسيقى، فهي ليست استعارة عابرة، إذ تتكرر الغيتارة والكمنجة والطنبور والناي، وتتداخل مع الماء والريح والمرأة والذاكرة، وتصبح الموسيقى وسيلة للتعبير عن أشياء لاتستطيع العبارة المباشرة قولها، أو عن عاطفة لايمكن تهدئتها تماما؛ والتنوع الشكلي في الديوان نقطة قوة حين يسمح لكل تجربة بأن تجد إيقاعها المناسب، لكنه يجعل من المهم عند قراءة كل قصيدة منفردة النظر إلى العلاقة بين الشكل والمضمون، لا الاكتفاء بجمال الصور وحده.
الثالث عشر: ما الذي يميز تجربة الشاعر نمر سعدي في هذا الديوان؟
يمكن تلخيص أبرز خصائص التجربة في خمس نقاط مترابطة: أولها: وحدة المعجم الشعري: تتكرر مفردات النار والماء والريح والرماد والورد والطيور في قصائد متعددة، فتمنح الديوان نسيجا متماسكا، حتى حين تختلف الموضوعات والأشكال.
ثانيها: تداخل الحب والكتابة: لايستطيع الشاعر الفصل بين تجربته العاطفية وتجربته الفنية، فالمرأة مصدر للقصيدة، والقصيدة ذاكرة للحب، والكتابة محاولة لاستعادة ما يفلت من اليد.
ثالثها: تحويل الطبيعة إلى لغة نفسية: عناصر الطبيعة في توظيفه لها لا تكتفي بوصف العالم، بل تصبح وسائل لتمثيل القلق والرغبة والحنين والغياب.
رابعها: اتساع الذاكرة الثقافية: يستحضر الديوان التراث العربي والأسطورة والأدب العالمي، ويجعلها جزءا من الحوار الذي تخوضه الذات مع نفسها ومع تاريخ الشعر.
خامسها: التوتر بين الجمال والجرح: لا ينفصل الجمال عن الألم، ولايؤدي الحنين إلى الراحة بالضرورة، وكثيرا ما تضيء القصيدة لأنها تحمل في داخلها ما يؤلمها.
هذه الخصائص تجعل الديوان تجربة متماسكة في رؤيتها العامة، على الرغم من تنوع قصائده وتعدد أشكالها.