آشتي عمر
لم تكن الفيدرالية في العراق مجرد صيغة لتوزيع السلطة بل خياراً دستورياً لمعالجة التنوع القومي والحد من تمركز القرار وتحقيق شراكة عادلة في إدارة الدولة. غير أن التجربة العملية كشفت عن فجوة واضحة بين النص الدستوري والتطبيق إذ تحولت الخلافات بشأن الصلاحيات والإيرادات والنفط والموازنة إلى أزمات متكررة انعكست آثارها على مستوى الخدمات والاستقرار وثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.
إن نجاح الفيدرالية لا يُقاس بحجم الصلاحيات الممنوحة للأقاليم والمحافظات فحسب، بل بقدرتها على تحسين حياة المواطنين وضمان توزيع الموارد وفق معايير عادلة وشفافة وتعزيز المساءلة ومنع الفساد والحد من تداخل الاختصاصات وهذا يتطلب إصلاحاً تشريعياً وإدارياً وتفعيل المؤسسات الدستورية وإرساء آليات مستقرة لمعالجة النزاعات المالية والسياسية بما يضمن وضوح العلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات ويحوّل التنوع إلى مصدر قوة واستقرار للدولة.
وانطلاقاً من هذه المبادئ، فإن حماية المكاسب الدستورية لإقليم كوردستان وصون صلاحياته وحقوقه الاتحادية تمثل ركناً أساسياً في نجاح التجربة الفيدرالية العراقية وليست مسألة منفصلة عن مستقبل الدولة الاتحادية أو امتيازاً خارج إطارها. فاحترام الخصوصية الدستورية للإقليم والالتزام بالتوازن في توزيع السلطات والثروات والمسؤوليات يشكلان اختباراً حقيقياً لمدى جدية الالتزام بالدستور ومبدأ الشراكة الوطنية.
لذلك فإن معالجة الإشكالات القائمة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان ينبغي أن تستند إلى الدستور والحوار المؤسساتي بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع أو توظيف الخلافات السياسية على حساب الحقوق الدستورية.
وعليه فأن مستقبل النظام الاتحادي في العراق يرتبط بمدى القدرة على الانتقال من إدارة الخلافات السياسية حول الصلاحيات والموارد إلى مرحلة من التعاون المؤسسي والإصلاح الحقيقي يقوم على الالتزام بالدستور وتكامل الأدوار بين مستويات الحكم فكلما نجح العراق في معالجة اختلالات تجربته الاتحادية وترسيخ أسسها القانونية والإدارية ازدادت فرص بناء دولة أكثر استقراراً وعدالة قادرة على استيعاب تنوع مكوناتها واحترام حقوق مواطنيها.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بردم الفجوة بين النص الدستوري والتطبيق العملي من خلال الالتزام بأحكام الدستور وتفعيل مؤسساته وضمان حقوق الأقاليم والمحافظات وفي مقدمتها الحقوق والصلاحيات الدستورية لإقليم كوردستان. فالفيدرالية لا يمكن أن تتحول إلى مشروع ناجح ما دامت مبادئها تُقرّ في النصوص وتتعثر في الممارسة بل إن قوتها تكمن في قدرتها على تحقيق التوازن بين وحدة العراق وحقوق مكوناته وترسيخ الشراكة في إدارة السلطة والثروة وعندها فقط يمكن للعراق أن يؤسس دولة اتحادية قوية بمؤسساتها عادلة في توزيع مواردها وقادرة على كسب ثقة مواطنيها.