فيضانات الفرات الخالد…. الأهمية والتأثير البيئي

ا.د.محمد بهجت ثامر

تعد الانهار شرايين الحياة وحلقة وصل بين الشعوب ، لذا لا غرابة في أن تتوطد علاقة الإنسان بالنهر أكثر من أي مكوّن آخر من مكوّنات الطبيعة ، حتى ان العالم الأمريكي وليام موريس ديفيز شبه بالكائن الحي في نظريته الشهيرة حيث يمر بمراحل وتغيرات مورفولوجية تشبه الى حد كبير دورة الكائن الحي (الشباب ، النضج ، الكهولة) لذا نشأت اغلب مدن العالم عبر التاريخ على ضفاف الأنهار ونجدها حاضرة دائماً في الوجدان الثقافي والاجتماعي بل وفي صميم الحياة الاقتصادية والسياسية لتلك المدن اذ شاركت الانهار في رسم خريطة العالم الذي نعرفه اليوم
ومن بين هذه الأنهار يبرز نهر الفرات الخالد والذي يعد من أطول انهار غرب اسيا حيث يجري بمدن مهمة وتاريخية عبر تركيا وسوريا والعراق ويعد من ابرز المعالم الجغرافية والتاريخية في المنطقة ، شهدت هذه الأيام أحداثاً استثنائية للمرة الثانية هذا العام تمثلت في ارتفاع منسوب المياه وفيضان مفاجئ في مناطق حوض الفرات في سوريا (دير الزور والرقة) وفي اقضية محافظة الانبار (القائم ، راوه ، عانه ، حديثة ، هيت) بل تسببت بإغراق نواعير هيت التاريخية وإعلان حالة الاستنفار تحسباً لأي طارئ ، وفي زمنٍ تتسارع فيه المعلومات عبر مواقع الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي، أصبحت كثير من المعلومات تُتداول من دون تمحيص علمي او مراجعة المصادر ، اذ يتناقلون صورا ومقاطع لارتفاع مناسيب نهر الفرات في محافظة الانبار واصفين الوارد المائي لنهر الفرات للعام الحالي بانه الأعلى منذ عقود وفي الحقية هذا ينافي ما موجود في السجلات التاريخية لإيرادات الفرات منذ عام 1933 اذ سجل عام 1969 أعلى وارد سنوي للفرات وبـواقع (63.3) مليار متر مكعب، في حين سجل عام 2023 أدنى وارد تاريخيًا وبـواقع (6.7) مليار متر مكعب تسبب بانخفاض منظومات خزن وتنظيم المياه على نهر الفرات ، لذا فان تحليل فيضان نهر الفرات وعمل محاكاة رقمية لسيناريوهات واردات نهر الفرات لهذا العام نجدها افضل من اخر خمس اعوام ولكن ليس الأعلى فما حدث من ارتفاع للمناسيب وفيضانات في الموجة الأولى كان نتيجة امتلاء سد اتاتورك اكبر السدود التركية وخامس اكبر سد ركامي في العالم مما جعلها مضطرة لتصريف الفائض للحفاظ على سلامة البنية الهيدروليكية للسد ، في حين احدثت موجات الامطار الغزيرة ارتفاعات خاطفة وآنية في الواردات خلال مدد زمنية قصيرة ،ختاماً نقول ان نهر الفرات عانى من انخفاض مناسيبه الى أدنى مستوياتها منذ عقود خاصة جنوب البلاد وأدى هذا الانخفاض إلى تدني جودة المياه وتهديد النظام البيئي للنهر والذي هدد الحياة المائية في النهر برمتها لذا فان الإيرادات القادمة من سوريا هي فرصة ذهبية وهي طوق نجاة لاستدامة نهر الفرات وتحسين الخزين المائي العراقي في بحيرة حديثة والحبانية والرزازة وانعاش الاهوار مهد الحضارة السومرية والمدرجة في لائحة التراث العالمي وتعد ركيزة اقتصادية وسياحية مهمة، فهي وجهة لعشاق الطبيعة وصيد الأسماك والأنشطة الترفيهية المختلفة .

قد يعجبك ايضا
∧