تونس وليبيا… دبلوماسية الجوار التي يجب أن تتحول إلى مصالح مشتركة

عفاف الخنيسي*

ليست العلاقة بين تونس وليبيا علاقة دبلوماسية مؤقتة، وليست مجرد علاقة بين دولتين متجاورتين فقط، بل هي علاقة جغرافيا وتاريخ ومصالح مشتركة، وشريط حدودي يجعل ما يحدث في ليبيا ينعكس بشكل مباشر على تونس. أضيف أن استقرار تونس ومصالحها الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن تكون بعيدة عن المشهد الليبي شئنا أم أبينا.

بحيث إن العلاقات التونسية الليبية تتجاوز لغة المجاملات الدبلوماسية والبيانات الرسمية، وتتجه نحو سؤال أكثر أهمية: كيف تستطيع تونس أن تحول خصوصية علاقتها بليبيا إلى مكاسب حقيقية للبلدين؟

سوف أنطلق من فكرة محورية، وهي أن تونس تحتاج إلى مقاربة واقعية وهادئة للملف الليبي، قائمة على احترام سيادة ليبيا وعدم التدخل في خياراتها، وفي الوقت نفسه تدافع بوضوح عن المصالح التونسية عبر خطة واستراتيجية واضحة.

إن ليبيا بالنسبة إلى تونس ليست ملفًا خارجيًا بالمعنى التقليدي؛ فهناك التجارة، والمعابر الحدودية، وحركة المواطنين، والاستثمارات، والطاقة، والسياحة، واليد العاملة، إضافة إلى البعد الأمني الذي يجعل استقرار الحدود مصلحة تونسية مباشرة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل تستفيد تونس بالقدر الكافي من هذه العلاقة؟

ربما آن الأوان للانتقال من دبلوماسية إدارة الأزمات إلى دبلوماسية بناء المصالح. فالعلاقات القوية لا تُقاس فقط بعدد اللقاءات الرسمية، وإنما بحجم المشاريع التي تتحول إلى واقع، وبقدرة البلدين على خلق فضاء اقتصادي مشترك يستفيد منه المواطن ورجال الأعمال والمؤسسة والجهات الحدودية.

إن تونس تمتلك نقاط قوة يمكن البناء عليها: أولًا، قربها الجغرافي؛ ثم خبرتها البشرية، ومؤسساتها الصحية والتعليمية والخدماتية، وكذلك علاقاتها التاريخية مع مختلف مكونات المجتمع الليبي. كما أن ليبيا، بما تمتلكه من موارد وإمكانات اقتصادية، يمكن أن تكون شريكًا مهمًا لتونس إذا تم بناء العلاقة على قاعدة المصلحة المتبادلة لا على منطق الظرفية.

ومن جهة أخرى، تحتاج تونس إلى أن تكون أكثر وضوحًا في تحديد ما تريده من علاقتها مع ليبيا. فالصداقة بين الشعوب مهمة، لكن الدول تحتاج أيضًا إلى استراتيجيات ومصالح وأرقام واتفاقيات ومشاريع قابلة للتنفيذ.

العلاقة التونسية الليبية يمكن أن تكون نموذجًا لدبلوماسية الجوار في المنطقة المغاربية، إذا نجح البلدان في تحويل القرب الجغرافي والتاريخ المشترك إلى شراكة اقتصادية وتنموية وأمنية متوازنة.

وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تستطيع تونس أن تنتقل في علاقتها مع ليبيا من سياسة التعامل مع المستجدات إلى سياسة صناعة المبادرات؟ وهل تستطيع أن تجعل من الحدود المشتركة جسرًا للمصالح بدل أن تكون مجرد معبر للأفراد والسلع؟

هذه التساؤلات لا تخص الدبلوماسيين والسياسيين وحدهم، بل تمس المواطن التونسي والليبي مباشرة… لأن العلاقات الدولية الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن بأن السياسة الخارجية تحمي مصالحه وتحسن واقعه.

*اعلامية بقناة الإنسان -تونس

قد يعجبك ايضا
∧