عرفان الداوودي
من الشهادات المزورة إلى الرواتب المشبوهة… من يحاسب من؟
إلى متى يبقى المواطن العراقي يدفع ثمن الإخفاقات، بينما تتصاعد الأسئلة عن الامتيازات والرواتب والتعيينات والدرجات الوظيفية؟ وإلى متى تبقى ملفات الفساد الإداري والمالي مادةً متكررة في تصريحات النواب والمسؤولين ووسائل التواصل الاجتماعي، من دون أن يرى المواطن نتائج واضحة للتحقيق والمحاسبة؟
إن ما يتداوله العراقيون يومياً من اتهامات وتصريحات منسوبة إلى أعضاء في مجلس النواب ومسؤولين، بل وحتى وزراء، بشأن الشهادات المزورة، والتعيينات غير المستحقة، والرواتب التي يُشك في قانونية صرفها، يستدعي وقفة وطنية جادة، لا الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية أو تبادل الاتهامات.
أين الدولة؟ وأين الرقابة؟ وأين نتائج التحقيق؟
شهادات مزورة ومناصب عليا!
من أخطر ما يُثار في الشأن العام الحديث عن مسؤولين يشغلون مناصب حساسة من دون مؤهلات دراسية مستوفية للشروط، أو بشهادات يُشتبه في تزويرها. كما تتكرر الحكايات عن انتقال أشخاص من وظائف بسيطة إلى مناصب ودرجات عليا خلال فترات قصيرة، وكأن الوظيفة العامة أصبحت غنيمة تتقاسمها الجهات النافذة، لا مسؤولية تُمنح على أساس الكفاءة والاستحقاق.
فهل يعقل أن يقضي خريج عراقي سنوات طويلة في الدراسة، ثم ينتظر فرصة عمل لا تأتي، بينما تُثار الشبهات حول مؤهلات بعض من يتولون إدارة المؤسسات؟!
إن كان بين المسؤولين من يحمل شهادة مزورة، أو حصل على منصبه خلافاً للقانون، فالمطلوب تدقيق رسمي شامل، وإعلان النتائج، وسحب الامتيازات غير القانونية، وإحالة المخالفين إلى القضاء. أما إطلاق الاتهامات بلا أدلة، فلا يخدم الإصلاح ولا يحقق العدالة.
رواتب تثير الأسئلة… والمواطن ينتظر الإنصاف
وفي ملف الرواتب، تتكرر على منصات التواصل تصريحات واتهامات بشأن أشخاص يُقال إنهم يتقاضون أموالاً من خزينة الدولة من دون استحقاق قانوني، أو بسبب ازدواج الرواتب أو ضعف التدقيق في بيانات المستفيدين.
وتشمل هذه الادعاءات ما يُتداول بشأن بعض الجنسيات الأجنبية، وأسماء يُزعم ارتباطها بتنظيم داعش الإرهابي، وأفراد أو عائلات يُثار الجدل حول استحقاقهم للرواتب، فضلاً عن الأعداد الكبيرة التي تُذكر في النقاشات العامة بشأن رواتب رفحاء.
وهنا لا بد من طرح السؤال القانوني الواضح: هل خضعت جميع هذه الملفات للتدقيق؟ وهل ثبتت حالات صرف أموال عامة إلى غير مستحقيها؟ وإذا ثبت ذلك، فمن المسؤول عن الصرف، ومن أعطى الموافقات، وأين ذهبت الأموال؟
إن ما يُتداول عن حصول مئات الآلاف من الأشخاص على رواتب، أو عن مبالغ شهرية تصل إلى مليون ونصف المليون دينار في بعض الحالات، يجب ألا يتحول إلى حقيقة ثابتة بمجرد تكراره على مواقع التواصل. المطلوب نشر الإحصاءات الرسمية، وتحديد الأساس القانوني لكل فئة، والتفريق بين الحقوق المشروعة وحالات التلاعب أو الاستغلال إن ثبتت.
فلا يجوز حرمان مستحق من حقه بسبب اتهام عام، كما لا يجوز أن تبقى أموال العراقيين عرضة للهدر أو الصرف غير القانوني.
حتى ملفات الإرهاب لا تحتمل المجاملة
أما الادعاءات المتعلقة بصرف رواتب لأشخاص مرتبطين بتنظيم داعش الإرهابي، أو لأفراد ثبت تورطهم في جرائم إرهابية، فهي من أخطر الملفات التي يجب أن تُحسم بالأدلة والوثائق القضائية.
فإذا ثبت أن شخصاً حصل على أموال عامة بالتزوير أو بإخفاء معلومات جوهرية أو خلافاً لشروط الاستحقاق، وجبت محاسبته واسترداد الأموال وفق القانون. أما التعميم على عائلات أو فئات كاملة من دون دليل، فهو ظلم لا ينسجم مع العدالة.
إن دماء العراقيين الذين سقطوا ضحايا الإرهاب ليست مادة للمزايدات السياسية، وحقوق الدولة ليست مجالاً للمساومات، والقانون يجب أن يُطبّق على الجميع بلا استثناء.
من يحاسب المسؤول إذا كان المسؤول هو المتهم؟
المشكلة الأكبر ليست في تداول الاتهامات وحده، بل في أن بعض هذه الاتهامات تُنشر، بحسب ما يُتداول، على ألسنة أشخاص يفترض أنهم يمارسون الرقابة أو يتحملون مسؤولية إدارة الدولة.
فإذا كان النائب أو الوزير أو المسؤول يمتلك وثائق تثبت وجود فساد، فلماذا لا يقدّمها إلى الجهات الرقابية والقضائية المختصة؟ وإذا كانت المعلومات غير دقيقة، فلماذا لا تُصحّح أمام الرأي العام؟
إن الدولة لا تُدار بالمنشورات، ولا تُصان سمعتها بالصمت، ولا تُستعاد ثقة المواطنين بتبادل الاتهامات. الدولة القوية هي التي تفتح الملفات، وتعلن نتائج التحقيق، وتحاسب من تثبت مسؤوليته، مهما كان منصبه أو انتماؤه السياسي.
مطالب الشعب واضحة
نطالب الجهات الرقابية والقضائية والحكومة ومجلس النواب باتخاذ خطوات عملية:
1. تدقيق شهادات المسؤولين والدرجات الوظيفية، ومحاسبة من يثبت تورطه في التزوير.
2. مراجعة قواعد بيانات الرواتب والإعانات، وكشف حالات الازدواج والتلاعب والصرف غير القانوني إن وجدت.
3. نشر أعداد المستفيدين من كل فئة، والأسس القانونية لاستحقاقاتهم، من دون انتهاك الخصوصية أو المساس بالحقوق المشروعة.
4. التحقيق في كل ادعاء موثق بشأن صرف أموال عامة لأشخاص غير مستحقين، وإعلان النتائج للرأي العام.
5. استرداد الأموال التي يثبت صرفها خلافاً للقانون، وإحالة المسؤولين عن المخالفات إلى القضاء.
6. حماية المال العام من المحاصصة والفساد، وضمان تكافؤ الفرص أمام الخريجين وأصحاب الكفاءات.
كلمة أخيرة إلى أصحاب القرار
يا من تتولون المسؤولية في العراق، إن خزينة الدولة ليست ملكاً لحزب أو كتلة أو مسؤول، بل هي أموال الشعب العراقي، من البصرة إلى زاخو، ومن ديالى إلى الأنبار.
المواطن الذي ينتظر وظيفة، والمتقاعد الذي يحسب مصروفه، والعائلة التي تبحث عن علاج، والشاب الذي لا يجد فرصة عمل، كلهم لهم الحق في معرفة كيف تُصرف أموال بلدهم، ومن يستحقها، ومن يعبث بها.
لا نريد اتهامات جديدة، بل نريد نتائج. لا نريد تصريحات للاستهلاك الإعلامي، بل نريد ملفات تُفتح، وأدلة تُفحص، وأحكاماً تُنفّذ.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ حين يصبح المسؤول خاضعاً للقانون، وحين لا تكون الحصانة أو النفوذ أو الانتماء السياسي طريقاً للإفلات من المحاسبة.
العراق لا يحتاج إلى مزيد من الوعود؛ العراق يحتاج إلى دولة تحترم مواطنيها، وتصون أموالهم، وتساوي بينهم أمام القانون.
والسؤال الذي سيبقى مطروحاً أمام الحكومة والبرلمان وجميع مؤسسات الدولة:
إذا كانت هذه الملفات تُثار يومياً على ألسنة مسؤولين ونواب، فلماذا لا تُحسم بالوثائق والتحقيقات والأحكام القضائية؟ ومن يتحمل مسؤولية استمرارها إذا ثبتت صحتها؟