ست دول في المنطقة..ما فتّتته المركزية لا يجمعه إلا الفدرالية

انس الشيخ مظهر

الدولة المركزية قد تبدو موحدة على الخريطة وهي منقسمة في أعماقها، أما الفدرالية فتوزع السلطة جغرافياً لتوحد المجتمع سياسياً.

خلف حروب العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان، وخلف الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وفي دول لا يثق اهلها ببعضهم يكون السؤال من ياكل ومن يحمي ومن يُهمَّش. ولان الجواب على هذا السؤال مصيري يتقاتل الجميع فيها .

الفدرالية لا تجيب عن هذا السؤال، بل تفككه كليا. فحين لا تملك العاصمة وحدها المال والسلاح والتعليم والقضاء، لا يعود الفوز بها نهاية العالم، ولا تعود الخسارة موتاً. هذه هي الفكرة كلها.

تنجح أولاً لأنها تخفض ثمن الخسارة. في الدولة المركزية يأخذ الفائز كل شيء، فيقاتل الخاسر بكل ما يملك. وفي الدولة الاتحادية يبقى لمن لا يحكم العاصمة إقليمه وميزانيته ومدارسه وشرطته، فيتحول الصراع من حرب إلى منافسة انتخابية.

وتنجح ثانياً لأنها تجعل الولاء للدولة ممكناً. سويسرا تجمع أربع لغات في دولة واحدة لأن كل كانتون يدير شؤونه. وكندا حافظت على كيبيك بالحكم الذاتي لا بالقوة. وألمانيا، التي خرجت من تجربة مركزية قاتلة، بنت دولتها بعد الحرب على ولايات تملك صلاحيات حقيقية، فصار من الصعب أن يستولي عليها فرد أو حزب.

وتنجح ثالثاً لأنها تقرّب الحكم من الناس. حين يُحاسَب المسؤول المحلي على الكهرباء والمياه والمدرسة من أهل منطقته، يتراجع الفساد ويضيق المجال أمام زعيم يبيع الخدمة مقابل الولاء.

العراق: الدرس الكوردي والسؤال المصيري.

عرف العراق وجهي الحكاية. في ظل المركزية البعثية تعرض الكرد للأنفال وحلبجة. وبعد 1991 ثم دستور 2005، صار إقليم كردستان الجزء الأكثر استقراراً نسبياً في بلد غرق في الدم. أما الخلافات المتكررة بين بغداد وأربيل على الموازنة والنفط والرواتب فتثبت أن العلة في نقص الفدرالية لا في زيادتها , فهناك نصوص تعترف بالحقوق، لكن هناك سلطة مركزية تبقيها رهن المساومة كل عام.

والمشكلة نفسها تُطلّ من البصرة، التي تنتج معظم نفط العراق وتشكو العطش والإهمال. حين تُحصَّل ثروة المحافظة في العاصمة ثم تُعاد إليها بقرار سياسي، يتحول الغضب إلى مطلب إقليم . الحل أن تصبح الحقوق تلقائية , نسب ثابتة من الإيرادات تصل إلى الأقاليم والمحافظات بلا حاجة إلى رضا الحكومة، وهيئة مستقلة تفصل في النزاعات، وقانون يمنع معاقبة منطقة بقطع المال عنها.

اليمن: بلد لم تحكمه عاصمة واحدة يوماً

قد يكون اليمن أوضح الأمثلة، لأن تاريخه يشهد على الفكرة. فهذا البلد لم يعرف في العصر الحديث دولة مركزية مستقرة تحكم جباله وساحله وصحراءه. كان الشمال إمامة زيدية في المرتفعات خرجت من الحكم العثماني، ثم جمهورية بعد ثورة 1962. وكان الجنوب عدن البريطانية وحولها عشرات السلطنات والمشيخات التي جمعتها بريطانيا في «اتحاد الجنوب العربي»، قبل أن يقوم بعد الاستقلال عام 1967 حكم ماركسي في الجنوب. ثلاثة وعشرون عاماً قضاها الشطران بنظامين وثقافتين سياسيتين مختلفتين.

جاءت وحدة 1990 اتفاقاً بين نخبتين لا بين مجتمعين، وبعد أربع سنوات انفجرت حرب 1994 وانتهت بدخول قوات الشمال إلى عدن. ومنذ ذلك اليوم شعر كثير من الجنوبيين أن الوحدة تحولت إلى ضمّ، وأن القرار والموارد والوظائف ذهبت إلى صنعاء. ومن هذا الشعور وُلد الحراك الجنوبي بعد 2007. وفي الشمال خاض الحوثيون ست حروب مع صنعاء بين 2004 و2010 بدعوى التهميش.

وحين سقط حكم علي عبد الله صالح، اجتمع اليمنيون في مؤتمر الحوار الوطني (2013–2014) وخرجوا بالجواب الذي حفظه تاريخهم … دولة اتحادية من ستة أقاليم. لم تكن فكرة مستوردة، بل خلاصة عقود من الفشل. لكنها لم تُختبر , فبعد أشهر رفضها الحوثيون واجتاحوا صنعاء، وبدأت الحرب التي دمرت البلد. لم ينهار اليمن لأنه جرّب الفدرالية، بل لأنه لم يمنحها فرصة.

ليبيا: فدرالية ألغاها الملك فاشتعلت الأرض.

ليبيا تقدم الدليل من الجهة الأخرى. فقد استقلت عام 1951 دولة اتحادية تجمع طرابلس وبرقة وفزان. ألغى الملك إدريس الفدرالية عام 1963 لصالح دولة موحدة، ثم أكمل القذافي المهمة بمركزية مطلقة. وبعد 2011 عادت المناطق تطالب بحقها، فصارت حكومات وميليشيات تتنازع على المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط. حين تكون طرابلس وحدها بوابة المال، يصبح الاستيلاء عليها أرخص من التفاهم.

سوريا ولبنان: من الغنيمة إلى العقد.

في سوريا تقول التجربة إن إعادة بناء مركز قوي لا تصنع دولة إن لم تصنع الثقة. وقد أظهرت أحداث العنف الطائفي بعد سقوط النظام أن المكونات تبحث عن ضمانات قبل أن تبحث عن وعود. دستور اتحادي يمنح أقاليم منتخبة صلاحيات واضحة في الإدارة والتعليم واللغة والأمن المحلي، ويضمن حقوق الكرد والدروز والعلويين وغيرهم، يعطي كل جماعة سبباً لتسليم سلاحها لدولة تحميها. فالسلاح يُسلَّم للضمانة لا للشعار.

وفي لبنان لا حاجة إلى أقاليم طائفية، بل إلى لامركزية إدارية ومالية واسعة تنقل الخدمات من يد الزعيم إلى يد البلدية المنتخبة، وقضاء مستقل ومواطنة متساوية. فكلما صار المواطن يحصل على حقه من مؤسسة محلية، ضعف احتياجه إلى زعيم طائفته، وانكمش سلطان الطائفية من تحته.

إسرائيل وفلسطين: كونفدرالية بدل الحرب الدائمة.

هذا أصعب الملفات وأحوجها إلى الفكرة. فعقود من المفاوضات على «حل الدولتين» لم تنتج دولة فلسطينية، والدولة الواحدة المركزية تعني أن تحكم جماعة الأخرى مهما كان اسم الحاكم. وبين المسارين المسدودين تعيش الأرض بين النهر والبحر على احتلال وحصار وصواريخ وحروب متكررة.

الصيغة الكونفدرالية أو الفدرالية تكسر هذا الانسداد. كيانان وطنيان، إسرائيل وفلسطين، تضم الثانية الضفة الغربية وقطاع غزة بحكم ذاتي كامل وسيادة متفق عليها، وتربطهما مؤسسات مشتركة في ما لا تفصله الجدران , المياه والكهرباء والبيئة والتجارة والبنية التحتية والتنقل وبعض ترتيبات الأمن. وتُحسم القدس والمستوطنات واللاجئون في اتفاق تأسيسي، وتُوصل الضفة بغزة بممر آمن. وهي أفكار تتداولها مبادرات إسرائيلية فلسطينية مشتركة مثل «أرض للجميع».

والمكاسب تصيب الطرفين. للفلسطينيين دولة وسيادة وحرية حركة بدل الحواجز والجيوب المعزولة. وللإسرائيليين أمن يقوم على مصلحة الفلسطينيين في استقرار دولتهم لا على جدار يحرسه جندي، وخروج من المعضلة بين أن تبقى دولة يهودية وأن تبقى ديمقراطية وهي تحكم ملايين بلا حقوق. وللجميع اقتصاد مشترك يجعل الحرب مكلفة على الجميع، كما جعل الاتحاد الأوروبي الحرب بين فرنسا وألمانيا شبه مستحيلة.

هنا أيضاً لا يطلب أحد من أحد أن يتخلى عن هويته. فالتعايش لا يقتضي ذوبان الهويات، بل منع الهوية من أن تصير أداة لاحتكار الحقوق. لا يُطلب من الفلسطينيين التخلي عن تطلعاتهم الوطنية كي يشعر الإسرائيليون بالأمن، ولا من الإسرائيليين القبول بحياة دائمة تحت التهديد كي تتحقق الحقوق الفلسطينية. وشرط الصيغة الأول أن تقوم بين طرفين متساويين في الحقوق، أي بإنهاء الاحتلال لا بتغيير اسمه.

الانفصال ابن المركزية لا الفدرالية.

يُقال إن الفدرالية تقود إلى التقسيم، والتاريخ يقول العكس. فالسودان منح جنوبه حكماً ذاتياً باتفاق أديس أبابا عام 1972، ثم ألغاه نظام الخرطوم عام 1983، فاندلعت الحرب مجدداً وانتهت بانفصال الجنوب عام 2011. ما فتّت السودان هو نقض الفدرالية لا تطبيقها. وكذلك الجنوب اليمني الذي لم يطلب الانفصال إلا بعد أن شعر أن الوحدة صارت ضماً. الناس لا يغادرون دولة تحميهم، بل دولة تحتكرهم.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حدود جديدة، بل إلى حدود لسلطة الحكومات. لا يحتاج إلى تفكيك مجتمعاته، بل إلى منع أي هوية من احتكار الدولة. ولا يحتاج إلى عواصم أضعف بالضرورة، بل إلى عواصم لا تملك أن تقرر مصير الجميع وحدها.

الدولة التي تطالب مكوناتها بالثقة من دون ضمانات تطلب منها أن تراهن على حسن نية الحاكم. أما الدولة الاتحادية فتبني نظاماً لا يحتاج فيه المواطن إلى حسن نية أحد كي ينال حقه. والسؤال الذي يجب أن يُطرح ليس كيف نجبر المختلفين على العيش تحت سلطة واحدة، بل كيف نبني سلطة واحدة لا يخاف المختلفون من العيش تحتها.

قد يعجبك ايضا
∧