العراق على حافة المأزق.. هل تؤدي الأزمة المالية إلى زعزعة الاستقرار السياسي؟

د. أيوب گلالي

لا تبدأ الأزمة المالية في الدول النفطية بالضرورة عندما تنفد الثروات، بل عندما تعجز الدولة عن تحويل مواردها إلى قدرة مستدامة على الوفاء بالتزاماتها. وهذه هي المعضلة التي يواجهها العراق، فبالرغم من امتلاكه ثروة نفطية كبيرة، ما زالت المالية العامة عرضة للاضطراب كلما تراجعت الإيرادات أو واجهت صادرات النفط مشكلات في الإنتاج أو النقل والتصدير.
المشكلة هنا تتجاوز العجز في الموازنة أو احتمال تأخر الرواتب، إنها تتعلق بقدرة النظام السياسي على إدارة الدولة عندما تتراجع الموارد وتبقى الالتزامات مرتفعة، فالحكومة التي تعتمد على النفط لتمويل الرواتب والخدمات والنفقات التشغيلية تجد نفسها أمام خيارات صعبة كلما اتسعت الفجوة بين الإيرادات والمصروفات، فيما يتحمل المواطن جانباً من نتائج الاختلالات التي تراكمت على مدى سنوات.
وتكشف المؤشرات المالية المتداولة عن حجم التحدي، فقد أشارت تقارير حديثة إلى تعديل سعر صرف الدولار إلى 1520 ديناراً، بعد أن كان السعر الرسمي السابق 1320 دينارا ، كما تتحدث تقديرات مشروع موازنة عام 2027 عن نفقات مخططة تبلغ نحو 217 تريليون دينار، وعجز قد يصل إلى عشرات التريليونات، غير أن هذه الأرقام، ولا سيما تقديرات الموازنة المقبلة، ينبغي قراءتها في ضوء مصادرها وتاريخ نشرها، والتمييز بين التوقعات الأولية والقرارات النهائية والنتائج المالية الفعلية.
لكن جوهر المشكلة لا تكمن في رقم العجز وحده، بل في طبيعة الاقتصاد الذي يجعل قدرة الدولة على الإنفاق مرتبطة إلى حد كبير بمورد واحد، فقد توسعت الالتزامات الحكومية عبر الرواتب والتعيينات والنفقات التشغيلية، بينما لم يتقدم تنويع الاقتصاد بالسرعة الكافية لبناء مصادر دخل بديلة تستطيع تخفيف أثر الصدمات النفطية، ومع مرور الوقت، أصبحت مساحة المناورة أمام الحكومة أضيق، إذ يصعب خفض الالتزامات الثابتة بسرعة عندما تتراجع الإيرادات.
وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في الاقتصاد العراقي وهي، ان الدولة غنية بالموارد لكنها ليست محصنة ماليا، فالثروة النفطية تمنحها قدرة كبيرة على الإنفاق، لكنها لا تضمن الاستقرار إذا لم تقترن بإدارة رشيدة للموارد، وضبط للنفقات، واقتصاد منتج يوفر فرص العمل والإيرادات بعيدا عن الاعتماد شبه الكامل على النفط.
ويكشف تعديل سعر الصرف عن جانب آخر من هذه المعضلة، فارتفاع عدد الدنانير المقابلة لكل دولار من الإيرادات النفطية قد يخفف بعض الضغوط الحسابية على الخزينة، لكنه لا يعني بالضرورة تحسن الوضع المعيشي للمواطن، إذ يمكن أن ترتفع كلفة السلع المستوردة، بحسب انتقال أثر سعر الصرف إلى السوق، ومستوى المنافسة والرقابة، وهو ما قد يضغط على القوة الشرائية للأسر، خصوصاً ذات الدخل المحدود.
ومن هنا، لا يجوز تقييم السياسة المالية على أساس ما تحققه من إيرادات إضافية للخزينة فقط، بل يجب النظر أيضا إلى تكلفتها الاجتماعية.، فاذا تحسنت حسابات الحكومة على الورق، بينما ازدادت صعوبة توفير الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، فان المعالجة المالية قد تنقل جزء من المشكلة من الموازنة العامة إلى حياة المواطنين اليومية.
وتزداد خطورة الوضع عندما تتراجع قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في الوقت المحدد، فالرواتب في العراق ليست مجرد نفقات شهرية، إنها مصدر دخل رئيسي لشرائح واسعة من المجتمع، وترتبط بها حركة الأسواق والاستهلاك والأنشطة التجارية، ولذلك فان تكرار تأخيرها إذا حدث، لن يكون مشكلة إدارية فحسب، بل قد يؤدي إلى تراجع الثقة بالمؤسسات واتساع الشعور بعدم الأمان الاقتصادي.
وقد تبدأ ردود الفعل بمطالب معيشية محددة، لكنها قد تتسع إذا شعر المواطن بأن الأعباء تتزايد من دون إصلاحات ملموسة أو توزيع عادل للتكاليف.
وفي هذه الحالة، تتحول الأزمة المالية تدريجيا إلى أزمة ثقة سياسية، إذ لن يكتفي المواطن بسماع تفسيرات تتعلق بأسعار النفط أو الظروف الإقليمية، بل سيطالب بمحاسبة المسؤولين عن إدارة الموارد، ومعرفة أسباب استمرار الهدر والفساد وضعف القطاعات الإنتاجية.
ولا يعني ذلك أن الاحتجاجات أو الاضطرابات السياسية نتيجة حتمية للأزمة المالية، لكن احتمالاتها تزداد عندما تتزامن الضغوط الاقتصادية مع ضعف الخدمات، وغياب الشفافية، وشعور المواطنين بأن القرارات المتخذة لا تعالج جذور المشكلة، فالاستقرار السياسي لا يعتمد على قدرة الحكومة على تأمين الأموال فحسب، وإنما أيضاً على مدى اقتناع المجتمع بعدالة سياساتها وفاعلية مؤسساتها.
وفي ظل التنافس بين القوى السياسية، قد تتحول الموازنة وسعر الصرف والرواتب إلى موضوعات للمزايدة وتبادل الاتهامات، وقد يؤدي ذلك إلى تأخير القرارات الصعبة أو الاكتفاء بإجراءات مؤقتة تؤجل الأزمة بدلا من معالجتها، والمشكلة أن تأجيل الإصلاح لا يلغي تكلفته، بل قد يزيدها، لان استمرار الالتزامات مع ضعف الإيرادات يحد من قدرة الدولة على الاستثمار وتحسين الخدمات والاستجابة للأزمات المقبلة.
وتبرز هذه المخاطر بوضوح في العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، حيث ترتبط الخلافات المالية بملفات الموازنة والرواتب والإيرادات النفطية والتحويلات والاستحقاقات الدستورية، وفي أوقات الشح المالي قد تزداد حساسية هذه الملفات، ويصبح التوصل إلى تفاهمات أكثر صعوبة إذا تقدمت الحسابات السياسية على الحلول المؤسسية.
إن استمرار الخلافات بين بغداد وأربيل من دون قواعد واضحة ومستقرة يضاعف الأعباء على الموظفين والمواطنين في الجانبين، ويجعلهم عرضة لتبعات نزاعات لا يملكون أدوات حسمها، ولذلك فان المطلوب هو الاتفاق على آليات شفافة لتحديد الإيرادات والالتزامات، وتنفيذ الاستحقاقات وفق الأطر القانونية والدستورية، وإبعاد الملفات المالية قدر الإمكان عن الاستخدام السياسي المتكرر.
وان تسوية هذه الملفات على أسس واضحة ستساعد على تقليل مصادر التوتر، وتتيح توجيه الجهود نحو معالجة المشكلات الاقتصادية الأوسع التي تواجه البلاد.
أما مستقبل الأزمة، فيتوقف على ثلاثة مسارات محتملة:
المسار الأول هو احتواء الضغوط عبر استقرار صادرات النفط، وضبط النفقات غير الضرورية، وتحسين تحصيل الإيرادات غير النفطية، مع حماية الرواتب والخدمات الأساسية، وقد يمنح هذا المسار الحكومة فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، شرط ألا يتحول تحسن الإيرادات إلى مبرر لتوسيع الالتزامات من جديد من دون إصلاحات مستدامة.
والمسار الثاني هو استمرار الضغوط لفترة أطول، بما قد يدفع الحكومة إلى تقليص الإنفاق الاستثماري، أو تأجيل بعض المدفوعات، أو اللجوء إلى الاقتراض لتغطية احتياجاتها، وقد تستمر مؤسسات الدولة في العمل، لكن الثمن قد يظهر في تراجع تنفيذ المشاريع، وضعف فرص العمل، وتراكم المستحقات، واتساع الفجوة بين توقعات المواطنين وما تستطيع الحكومة تقديمه فعلياً.
أما المسار الثالث وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في تزامن انخفاض الإيرادات مع تعثر الإصلاحات وتصاعد الخلافات السياسية، فإذا اجتمعت الضغوط المالية مع ارتفاع تكاليف المعيشة وضعف الخدمات وتأخر الالتزامات، فقد تنتقل الأزمة من مشكلة في إدارة الموازنة إلى أزمة حكم وثقة عامة، ولا يعني ذلك أن انهيار الدولة أمر محتوم، لكنه قد يضعف قدرة المؤسسات على اتخاذ قرارات فعالة ويزيد صعوبة احتواء التوترات الاجتماعية والسياسية.
والفارق بين هذه المسارات لا تحدده أسعار النفط وحدها، بل تحدده القرارات التي تتخذها الدولة خلال فترة الضغط، فإذا استخدمت الأزمة لمراجعة الإنفاق، ومكافحة الفساد، وتحسين إدارة الإيرادات، ودعم النشاط الاقتصادي المنتج، فقد تصبح فرصة لإصلاحات طال تأجيلها، اما اذا استمرت المعالجات المؤقتة، فقد تجد الحكومة نفسها أمام المشكلة ذاتها في كل مرة تتراجع فيها الإيرادات.
ومن الضروري هنا التمييز بين زيادة الإيرادات غير النفطية وفرض اعباء إضافية على المواطنين، فالإصلاح لا ينبغي أن يبداً بتحميل أصحاب الدخل المحدود تكاليف جديدة، بل بتحسين إدارة المنافذ الحدودية والجمارك والضرائب، ومكافحة التهرب والفساد، ومراجعة الامتيازات والنفقات غير الضرورية، وتوسيع النشاط الزراعي والصناعي والخدمي، فكلما اتسعت القاعدة الإنتاجية، ازدادت قدرة الدولة على تمويل التزاماتها من مصادر متنوعة، وتراجعت حساسيتها للتقلبات النفطية.
كذلك، لا يمكن بناء الثقة من دون شفافية مالية حقيقية، فالحكومة مطالبة بنشر بيانات دورية واضحة عن الإيرادات المحصلة فعلياً، والنفقات المنفذة، والسيولة المتاحة، والالتزامات المتراكمة، وحجم الاقتراض وكلفته، كما ينبغي إخضاع هذه البيانات لرقابة برلمانية وتدقيق مستقل، حتى يتمكن المواطن من معرفة حقيقة الوضع المالي، ويستطيع البرلمان تقييم السياسات على أساس الأرقام لا التصريحات السياسية.
ويجب أن تقترن هذه الإجراءات بخطة لحماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية، لأن الإصلاح المالي الذي يتجاهل أثره الاجتماعي قد يحقق نتائج حسابية قصيرة الأجل، لكنه يضعف الثقة العامة ويزيد مقاومة المجتمع لأي إجراءات لاحقة.
في النهاية، لا يواجه العراق حكما محتوما بالانهيار، لكنه يواجه اختبارا حقيقيا لطريقة إدارة الدولة، فالمشكلة ليست في غياب الثروة النفطية، بل في بناء نموذج اقتصادي ومالي يستطيع الصمود عندما تتراجع هذه الثروة أو تتعطل طرق تصديرها، كما ان الاستقرار لا يتحقق بمجرد تأمين الرواتب في شهر معين، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على الوفاء بالتزاماتها من دون أن تبقى رهينة تقلبات مورد واحد.
والسؤال الأهم ليس فقط كم يملك العراق من الإيرادات، بل أين تذهب هذه الإيرادات، وما الذي تحقق مقابل سنوات طويلة من الإنفاق، ولماذا لا تزال الدولة تواجه صعوبات متكررة كلما تعرض النفط لضغوط؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب مصارحة سياسية ومحاسبة مؤسسية وإصلاحاً يتجاوز الحلول المؤقتة.
فالعراق لا تنقصه الثروات بقدر ما يحتاج إلى إدارة رشيدة لها، ولا تنقصه الإمكانات بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي يضع استقرار البلاد فوق المصالح الضيقة. وبين أزمة يمكن احتواؤها بإصلاح جاد، وأزمة قد تتسع بفعل التأجيل والتردد، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة، لا بحجم الموارد التي يمتلكها العراق وحدها، بل بقدرته على تحويلها إلى استقرار اقتصادي وثقة سياسية ومستقبل أكثر امنا وطمانينة لمواطنيه.

قد يعجبك ايضا
∧