بعد رفع سعر الدولار… إلى أين يتجه الاقتصاد العراقي؟

شيركو حبيب

لم يعد السؤال في العراق اليوم كم أصبح سعر الدولار، بل كم ستكلف هذه الزيادة المواطن العراقي، وماذا ستفعل باقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ويستورد جزءًا واسعًا من احتياجاته من الخارج؟
قرار رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار، الذي أُعلن في 7 تشرين الأول 2026، ليس مجرد تعديل في أرقام السوق، بل خطوة تمس حياة العراقيين اليومية، من أسعار المواد الغذائية والملابس والأدوية، إلى كلفة البناء والسكن ومستلزمات الإنتاج. فقد ارتفع سعر بيع الدولار النقدي للجمهور من 1320 إلى 1520 دينارًا، أي بزيادة تقارب 15.2%، وفق الأسعار الجديدة التي أعلنها البنك المركزي العراقي. وهذه الزيادة تفتح بابًا واسعًا للنقاش حول قدرة الاقتصاد العراقي على تحمل آثارها، في ظل الظروف المالية والاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد.
بين حاجة الدولة وقدرة المواطن
من الناحية المالية، يمكن فهم الدافع وراء هذا القرار. فالحكومة العراقية تحتاج إلى توفير الأموال اللازمة لتغطية النفقات العامة، وفي مقدمتها الرواتب والتقاعد والخدمات والمشروعات. وعندما تحصل الدولة على إيراداتها النفطية بالدولار، فإن ارتفاع سعر الدولار مقابل الدينار يعني حصولها على عدد أكبر من الدنانير مقابل الإيرادات نفسها بالدولار.
لكن ما قد يساعد الخزينة العامة لا يعني بالضرورة أنه سيساعد المواطن. فالمعادلة تختلف عندما ننتقل من حسابات الموازنة إلى حسابات الأسرة العراقية التي تشتري احتياجاتها من الأسواق، وتنتظر راتبًا قد لا يتغير رغم ارتفاع الأسعار.
هنا تكمن المشكلة الأساسية: إذا ارتفعت إيرادات الدولة بالدينار نتيجة تعديل سعر الصرف، بينما بقيت دخول المواطنين ثابتة، فإن جزءًا من كلفة المعالجة المالية قد ينتقل إلى المستهلك، من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة. وهذا ما يجعل نجاح القرار مرتبطًا بما ستفعله الحكومة بعده، لا بمجرد صدوره.
اقتصاد يستورد أكثر مما ينتج
لا يمكن مناقشة سعر الدولار في العراق بمعزل عن طبيعة الاقتصاد العراقي. فالعراق يمتلك ثروة نفطية كبيرة، لكنه ما زال يعتمد على الاستيراد في توفير نسبة مهمة من احتياجات السوق. وعندما ترتفع كلفة الدولار، ترتفع معها كلفة شراء كثير من السلع القادمة من الخارج، ما لم يمتص المستوردون أو التجار جزءًا من الزيادة أو تتغير عوامل أخرى في السوق.
المشكلة إذن ليست في سعر الصرف وحده، وإنما في ضعف القاعدة الإنتاجية التي تجعل الاقتصاد قادرًا على مواجهة تقلبات العملة.
لو كان العراق يمتلك قطاعًا صناعيًا وزراعيًا قادرًا على توفير نسبة أكبر من احتياجاته، لكانت لديه مساحة أوسع للتعامل مع هذه التغيرات. أما حين يرتبط استقرار السوق بتوفر الدولار، وترتبط قدرة الدولة على الإنفاق بإيرادات النفط، فإن أي اضطراب في الصادرات أو الإيرادات ينعكس سريعًا على الحسابات المالية وعلى حياة الناس.
ومن هنا، فإن الحديث عن دعم المنتج الوطني لا ينبغي أن يبقى شعارًا يُرفع كلما واجه الاقتصاد أزمة. المطلوب سياسة فعلية تمنح الصناعة والزراعة فرصًا للنمو، وتوفر الكهرباء والطاقة والتمويل، وتحمي المنتج المحلي من المنافسة غير المتكافئة، وتفتح المجال أمام الاستثمار الذي يخلق فرص عمل حقيقية.
هل يستطيع المواطن تحمل الكلفة؟
في كل قرار اقتصادي كبير، يجب أن يكون المواطن حاضرًا في حسابات الحكومة، لا أن يأتي دوره بعد اتخاذ القرار وظهور النتائج.
الموظف الذي يتقاضى راتبًا ثابتًا، والمتقاعد الذي يعتمد على معاشه، وصاحب الدخل المحدود، لا يملكون الأدوات التي تتيح لهم التكيف بسهولة مع ارتفاع الأسعار. كما أن أصحاب المشروعات الصغيرة والتجار الذين يتعاملون بالدينار في السوق المحلية ويسددون التزاماتهم بالدولار قد يواجهون خسائر وضغوطًا مالية.
ولا يعني ذلك أن كل سلعة سترتفع أسعارها بالنسبة نفسها التي ارتفع بها الدولار، فالأثر يختلف باختلاف طبيعة السلعة وكلفة استيرادها والمخزون المتوفر والمنافسة في السوق. لكن الخطر الحقيقي يبدأ عندما تتحول توقعات الغلاء إلى زيادات واسعة وسريعة، قبل أن تتضح آثار القرار بصورة كاملة.
لهذا، فإن حماية القدرة الشرائية ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها. على الحكومة مراقبة الأسواق، ومنع الاستغلال والاحتكار، وضمان استمرار تدفق السلع الأساسية، والنظر في إجراءات تخفف العبء عن الفئات الأكثر تأثرًا. كما أن عليها توضيح أسباب القرار ونتائجه المتوقعة للرأي العام، بدل ترك المواطنين أمام المخاوف والشائعات.
المشكلة أعمق من سعر الصرف
لا أرى أن الحكم على مستقبل الاقتصاد العراقي يمكن أن يستند إلى قرار رفع سعر الدولار وحده. فالسؤال الأهم هو: هل ستستغل الدولة هذه المرحلة لإجراء إصلاحات حقيقية، أم ستكتفي بمعالجة الضغوط المالية من خلال تغيير سعر الصرف؟
إذا كان الهدف زيادة الإيرادات بالدينار، فإن ذلك قد يمنح الموازنة متنفسًا ماليًا، لكنه لا يصنع اقتصادًا قويًا بمفرده. فالإيرادات الإضافية لا تعني بالضرورة زيادة الثروة الحقيقية للبلاد، ولا تعني أن العراق أصبح ينتج أكثر أو أن المواطن أصبح قادرًا على شراء المزيد.
الاقتصاد القوي لا يُقاس فقط بقدرة الحكومة على دفع الرواتب، بل بقدرته على توفير فرص العمل، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين الخدمات، وتقليل الاعتماد على النفط، وبناء قطاع خاص يستطيع الاستثمار والإنتاج والمنافسة.
وهنا تبرز مسؤولية الحكومة في مراجعة أولويات الإنفاق العام، وضبط الهدر، وتوجيه الموارد نحو المشروعات الإنتاجية، بدل استمرار الدوران في الحلقة نفسها: إيرادات نفطية تمول الإنفاق، واستيراد واسع يستنزف العملة الأجنبية، ثم ضغوط مالية تدفع الدولة إلى البحث عن حلول سريعة.
إلى أين يتجه الاقتصاد العراقي؟
لا أعتقد أن الإجابة عن هذا السؤال تكمن في التنبؤ بارتفاع الأسعار أو انخفاضها خلال الأيام المقبلة، بقدر ما تكمن في طبيعة القرارات التي ستتخذها الدولة خلال المرحلة القادمة.
هناك مساران محتملان من الناحية الاقتصادية. الأول أن يصبح تعديل سعر الصرف جزءًا من معالجة أوسع تشمل الإصلاح المالي، وتنشيط الإنتاج المحلي، وتوفير الحماية الاجتماعية، وتحسين بيئة الاستثمار. وفي هذه الحالة، يمكن أن يكون القرار بداية لنقاش جاد حول الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي، وإن كانت نتائجه لن تظهر بين ليلة وضحاها.
أما المسار الآخر، فهو أن تتحمل السوق والمواطن آثار الزيادة، بينما تستمر المشكلات الأساسية من دون معالجة كافية. عندها ستظل الدولة معرضة للأزمات نفسها كلما تراجعت الإيرادات النفطية أو ارتفعت النفقات أو تعرضت حركة التجارة والصادرات لاضطرابات جديدة.
والظروف التي دفعت العراق إلى هذا القرار تجعل الحاجة إلى الإصلاح أكثر إلحاحًا. فالتوترات الإقليمية واضطراب طرق تصدير النفط وارتفاع كلفة التجارة عوامل تذكّر بأن الاعتماد على مصدر واحد للدخل يترك الاقتصاد مكشوفًا أمام أحداث لا تستطيع الحكومة التحكم فيها بالكامل.
إن المطلوب ليس الاكتفاء بالقول إن القرار ضروري، ولا رفض كل تعديل في السياسة النقدية من دون فهم أسبابه، بل تقييمه على أساس نتائجه الفعلية: ماذا سيحقق للموازنة؟ ماذا سيكلف المواطنين؟ وما الإجراءات التي ستمنع تحوله إلى عبء إضافي على أصحاب الدخول المحدودة؟
الخلاصة أن الدولار ليس هو الأزمة كلها، كما أن رفع سعره ليس حلًا كاملًا. الأزمة الحقيقية تكمن في اقتصاد لم ينجح حتى الآن في تحويل ثروته النفطية إلى قاعدة إنتاجية متنوعة، وفي دولة تحتاج إلى موارد كبيرة لتغطية نفقاتها، بينما يبقى المواطن أول من يشعر بتداعيات الاختلالات المالية.
العراق لا تنقصه الثروات، لكنه يحتاج إلى إدارة اقتصادية تجعل هذه الثروات أساسًا للتنمية المستدامة، لا مجرد مورد لتمويل النفقات. وبين قرار يخفف ضغط الموازنة وإصلاح يعيد بناء الاقتصاد، ستتحدد الإجابة عن السؤال الذي يشغل العراقيين اليوم: هل ستكون زيادة سعر الدولار محطة لإصلاح حقيقي، أم حلقة جديدة في سلسلة الأزمات التي يدفع المواطن كلفتها؟

قد يعجبك ايضا
∧