د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
كلّما تعذّر إنكار وجود الكورد، انتقل بعضهم إلى محاكمة اسم كوردستان: متى ظهر؟ ومَن استخدمه؟ أكان في العصر العباسي أم السلجوقي؟ وقد يكون السؤال مشروعًا في دراسة تاريخ الأسماء، لكنه يتحوّل إلى تلاعب حين يُستعمل لتأخير ميلاد شعب، أو نزع صلته بأرضه.
فالاسم لا يخلق سكانه، وأوّل ذكر محفوظ ليس شهادة ميلاد الجغرافيا. وبين وجود الشعب، وتدوين اسمه، وإنشاء وحدة إدارية باسمه، وقيام دولته، فروقٌ يمحوها خطاب الإنكار ليجعل تاريخ الوثيقة بدايةً لتاريخ الوطن.
وفي «مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع» لصفيّ الدين عبد المؤمن البغدادي (1260–1338م)، يرد وصف اللُّر بأنّهم من الأكراد، ثم يقول عن أرضهم: «تعرف بهم الناحية، ويقال لها كردستان». هنا تتجاوز الشهادة مجرّد تسجيل الاسم؛ فهي تربط تسمية الأرض بسكانها. فكيف يتحوّل نصّ يصل الشعب بجغرافيته إلى ذريعةٍ لتأخير وجوده فيها؟ وتُنقل إشارات إلى الاسم أيضًا عن رشيد الدين فضل الله الهمداني (1247–1318م) في تاريخه للمغول.
ومن الشواهد المعروفة ما أورده حمد الله المستوفي في «نزهة القلوب» عن إقليم كوردستان، وربطه بترتيبات السلطان السلجوقي سنجر في القرن الثاني عشر. وهنا يبرز السؤال الذي يتجاوزه خطاب الإنكار: ما الحضور الذي جعل اسم الشعب يدخل في تعريف الأرض وتنظيمها الإداري، داخل عالمٍ تتبدّل فيه أسماء الدول والإمبراطوريات؟
إنّ اختزال هذه الشهادة في تاريخ ظهور الكلمة يحجب دلالتها الأهم: ارتباط اسم الكورد بمجالٍ جغرافي معروف. فالسلطان نظّم إقليمًا؛ لم يستحدث شعبًا بمرسوم. ومن يجعل التنظيم الإداري بدايةً للوجود الكوردي يمنح السلطة حقّ اختراع الماضي، بعدما منحها حقّ تقسيم الأرض.
المشكلة الأعمق هي ازدواجية المعيار. يُسمح للدول القائمة بأن تستدعي آلاف السنين من التاريخ، وأن تضمّ إمبراطوريات متعاقبة إلى سيرتها الوطنية، بينما يُطالب الكورد بوثيقة تحمل الاسم الحديث نفسه، والحدود نفسها، ومؤسسات الدولة نفسها، وإلّا اعتُبر وجودهم طارئًا. هذا شرط لا يجتازه معظم مَن يفرضونه.
لنأخذ إيران. اسم «إيران» ليس اختراعًا بهلويًا؛ فصيغة «إيران/إيرانشهر» موثّقة في العهد الساساني منذ القرن الثالث الميلادي. وما حدث سنة 1935 كان طلب اعتماد «إيران» بدل «فارس» في الاستعمال الدولي. لكنّ قدم الاسم لا يجعل الدولة الحديثة مطابقة للإمبراطورية الساسانية، ولا يحوّل جميع شعوب تلك الإمبراطورية إلى فرس. ومن هنا يجب التمييز بين المجال الإيراني التاريخي، والهوية الفارسية، والدولة الإيرانية الراهنة.
والقاعدة نفسها تنطبق على تركيا. فاسمها له استعمالات جغرافية سابقة للجمهورية، لكنّ الدولة العثمانية لم تكن دولة قومية تركية بحدود الجمهورية وهويتها السياسية. كانت إمبراطورية تضمّ شعوبًا ولغات وأقاليم متعدّدة. استحواذ الدولة الحديثة على ميراثها لا يجعل تلك الشعوب فروعًا من قوميتها، ولا يجعل أراضيها جميعًا وطنًا قوميًّا تركيًا.
وإذا كان أصل الأسرة الحاكمة يكفي لنسبة الإمبراطورية إلى قومية واحدة، فلماذا يُستدعى هذا المعيار مع العثمانيين ويُعطَّل مع الأيوبيين؟ «الشرفنامة» لشرف خان البدليسي، في أواخر القرن السادس عشر، تناولت الأسر والإمارات الكوردية، وأدرجت الأيوبيين ضمنها. لكنّ الأصل الكوردي للأسرة الأيوبية لا يجعل جميع رعاياها كوردًا، مثلما لا يجعل أصل الأسرة العثمانية جميع رعاياها أتراكًا. المطلوب معيار واحد، لا قاعدة تتبدّل تبعًا لهوية الحاكم الذي يراد تمجيده.
أمّا العراق وسوريا، فلهما أسماء ومجالات تاريخية سابقة للدولتين الحديثتين، لكنّ حدودهما الراهنة ليست حدودًا أزلية، ولا تختصر تاريخ جميع الشعوب التي أُدرجت فيهما. لا يجوز إعادة رسم الماضي بقلم الدولة المعاصرة، ثم اتهام مَن لا تنسجم ذاكرته مع خريطتها بأنّه وافد.
هنا تقع المصادرة: تُعامل حدود الدولة بوصفها أصل التاريخ، ويُعامل تاريخ الشعب بوصفه اعتراضًا عليها. ثم تُمنح الدولة حقّ تعريف سكانها، وتوزيع أقدميتهم، وتحديد مَن يملك الذاكرة ومَن يجب أن يعتذر عن وجوده.
كوردستان، باسمها التاريخي وحضورها الإقليمي، أسبق من تأسيس عدد من الدول القومية التي تتقاسمها اليوم. ولا يحتاج إثبات ذلك إلى الادّعاء بأنّها أقدم من كلّ اسم وكلّ جغرافيا في الشرق الأوسط. يكفي تفكيك المغالطة الأساسية: غياب الدولة الكوردية ذات السيادة لا يعني غياب كوردستان، كما أنّ قيام دولة فوق جزء منها لا يمحو التاريخ الذي سبق قيامها.
لقد دوّن البدليسي تاريخ إمارات وأسر ومجالات كوردية قبل قرون من خرائط الدول الراهنة. وهذا وحده يكشف ضحالة تصوير كوردستان بوصفها اختراعًا سياسيًا حديثًا. قد تتغيّر حدود المجال الذي يدلّ عليه الاسم، وتتبدّل سلطاته، لكنّ تغيّر الحدود لا يساوي زوال الشعب أو انقطاع صلته بأرضه.
ليست كلّ كتابة تاريخية بريئة لمجرّد أنّها تضع حواشي. حين يُمنح شعبٌ استمرارية عبر تبدّل الأسماء والسلالات، ويُحرم شعبٌ آخر منها بسبب تبدّل الاسم أو غياب السيادة، تصبح الحاشية أداةً لتبرير السلطة. بعض المؤرخين يكتبون الماضي من موقع الوثيقة؛ وبعضهم يقرأ الوثيقة من موقع الحدود التي يريد حمايتها.
ولهذا فإنّ السؤال الذي ينبغي توجيهه إليهم هو: لماذا تجعلون الدولة الحديثة وريثةً لكلّ ما سبقها، وتجعلون الكورد غرباء عن كلّ ما سبق تدوين اسمهم؟
في قراءتي، ما يقلق الدول التي تتقاسم كوردستان هو أنّ الاسم يحتفظ بمعنى لا تستوعبه خرائطها القومية: وجود شعب ومجال تاريخي يمتدّان عبر حدودها. ولذلك يتحوّل النزاع على كلمة إلى نزاع على الذاكرة والسيادة.
لا يبدأ تاريخ الشعوب يوم تسمح لها الدولة بأن تدخل سجلّها. والذي يحتاج إلى مساءلة هو المنهج الذي يجعل انتصار السلطة دليل أقدميتها، وهزيمة الشعب دليلًا على أنّه لم يكن موجودًا.