سعد محمد عبدالله
عند قراءة تاريخ العلاقات السودانية الجزائرية، لا بد من النظر إليها باعتبارها علاقة مرّت بمراحل متعدّدة، وتأثّرت بالتحوّلات السياسية والفكرية والظروف الإقليمية والدولية، ولم تسر دائمًا في مسار ثابت ومستقيم؛ فقد تأسّس رصيدها الأول على التضامن والدعم السوداني للثورة الجزائرية، قبل أن تدخل لاحقًا مرحلة من التوتر وتباين المواقف وتراجع الثقة، وصولًا إلى قطع العلاقات الدبلوماسية عام 1993م، ثم عودتها تدريجيًا إلى مسار الإنفتاح والتطبيع منذ عام 1999م، وأستحضر هنا، عندما كنت في القاهرة، مراسلاتٍ وحواراتٍ مطوّلة جمعتني بصديقي المفكر الجزائري الراحل البشير ربوح، إبان إندلاع ثورة ديسمبر المجيدة عام 2018م، بالتزامن مع تصاعد الحراك الشعبي الجزائري؛ حيث ناقشنا قضايا التغيير والتحرّر والعلاقة التاريخية بين الشعبين، وتوقّفنا عند أوجه التشابه بين تجربتي المناضلين الدكتور جون قرنق والأستاذ علي بومنجل، بوصفهما من رموز حركات التحرّر الوطني في إفريقيا، وتكشف هذه التجارب أن بناء علاقات مستقرة بين الدول يتطلب تجاوز الحسابات الأيديولوجية الضيّقة، وتقديم المصالح الوطنية، وتفعيل المؤسسات المشتركة، حتى لا تظل العلاقات الثنائية رهينة للظروف الطارئة وتقلبات السياسة في عالم سريع التحوّل، ومن هذا المنظور، فإن الإرث التاريخي بين السودان والجزائر يمكن أن يتحوّل من مجرد ذاكرة دبلوماسية إلى قاعدة لبناء تعاون أكثر توازنًا، يقوم على الإحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتبادل المصالح، وإحترام خصوصية كل دولة، خاصة في ظل التحوّلات المتسارعة التي تجعل التنسيق بين البلدين ضرورة سياسية وأمنية وإقتصادية تتجاوز الإطار التقليدي للعلاقات الثنائية.
تكتسب التجربة السودانية الجزائرية أهميتها من كونها تكشف بوضوح مدى تأثير التحوّلات الداخلية في مسار العلاقات الخارجية؛ فقد إرتبطت أزمة التسعينيات بتباين التوجّهات السياسية والفكرية، وصعود الحركات الإسلامية المتطرفة، وما صاحب ذلك من إختلاف في الرؤى وتراجع في مستويات الثقة بين البلدين؛ غير أن تجاوز تلك المرحلة أصبح ممكنًا مع نشوء إرادة سياسية جديدة أعادت الإعتبار إلى الرصيد التاريخي المشترك، وأدركت أهمية الحوار وتوسيع مساحات التفاهم والتنسيق؛ كما أن الضغوط والتحديات التي واجهتها الخرطوم والجزائر، وما شهدته المنطقة من تطورات متلاحقة، عزّزت الحاجة إلى مقاربة أكثر واقعية للعلاقات الثنائية، ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة بين البلدين باعتبارها مجالًا قابلًا للتجدّد كلما إنتصرت لغة المصالح المشتركة على منطق الإستقطاب؛ فالجزائر تمتلك خبرة تاريخية مهمة في إدارة الأزمات والتسويات، بينما يحتل السودان موقعًا جغرافيًا وسياسيًا بالغ الأهمية في القارة الإفريقية ومنطقة البحر الأحمر؛ الأمر الذي يتيح للبلدين فرصًا واسعة لبناء شراكة تقوم على المصالح المتبادلة، بدل الإكتفاء بالمواقف السياسية العامة التي تتّصف بالمجاملة؛ غير أن تحقيق ذلك يتطلب إرادة تتجاوز حدود التصريحات إلى إنشاء آليات مؤسسية دائمة، وإتصالات منتظمة، وتفعيل حركة إقتصادية وإستثمارية نشطة، وتبادل المعلومات والخبرات، بما يحوّل التقارب السياسي إلى شراكة إستراتيجية قابلة للإستمرار، وقادرة على مواجهة تقلبات البيئة الإقليمية والدولية والتحديات التي تفرض على البلدين تطوير أدوات التنسيق وحماية مصالحهما الوطنية.
يكشف كتاب التاريخ كذلك أن محدودية التعاون بين البلدين لم تكن أبدًا بسبب غياب الروابط التاريخية والثقافية، وإنما نتجت عن جملة من العوامل الداخلية والخارجية، من بينها ضعف التواصل، ومحدودية الإستثمارات، وقصور وسائل النقل، وعدم توظيف الإمكانات المتاحة بما يتناسب مع حجم الفرص، وفي هذا السياق، فإن كلمة الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون في 29 سبتمبر المنصرم بشأن الأوضاع في السودان وجنوب السودان تؤكد أهمية قراءة مستقبل العلاقات السودانية الجزائرية برؤية أكثر عمقًا ووعيًا بتحوّلات المشهد الإفريقي؛ فالقوة الحقيقية للعلاقات السياسية لا تقاس بكثرة البيانات أو الزيارات الرسمية، وإنما بقدرتها على إنتاج مصالح ملموسة للشعبين، ومن هنا تبرز أهمية الإنتقال من الدبلوماسية التقليدية إلى فتح تعاون متعدّد المستويات، يشمل الإقتصاد والإستثمار والتعليم والأمن الإقليمي والنقل والطاقة والتبادل التجاري، إلى جانب إشراك القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث والمؤسسات الإعلامية والثقافية، ومن شأن هذا النهج أن يمنح العلاقات الثنائية عمقًا مؤسسيًا يقلّل من حجم تأثير التحوّلات السياسية المفاجئة، ويجعلها أكثر قدرة على الإستمرار؛ كما أن التوافق في عدد من القضايا الإقليمية والدولية ذات الإهتمام المشترك يمكن أن يمثل مدخلًا لتعزيز التنسيق بين البلدين، إذا إقترن بمشروعات مشتركة واضحة ومصالح متبادلة؛ ولذلك، فإن موضوع إعادة بناء العلاقة لا ينبغي أن يقوم على إستدعاء الماضي والحنين إلى مراحله المضيئة فحسب، وإنما على إستثمار ذلك الإرث في صياغة رؤية واقعية تستجيب لمتطلبات الحاضر، وتؤسس لمستقبل أكثر إستقلالًا وتوازنًا وقدرة على مواجهة الضغوط الخارجية.
إن الدرس السياسي الأهم الذي تقدّمه هذه التجربة، في تقديري، يتمثّل في أن الأزمات بين الدول ليست قدرًا أبديًا، وأن الإنتقال من حالة التوتر والقطيعة إلى الحوار والتعاون يظل ممكنًا عندما تتغيّر الحسابات، وتتوفّر الإرادة السياسية لفتح مسارات جديدة للتفاهم؛ فالقطيعة التي إستمرت عدة سنوات لم تمنع عودة العلاقات بين البلدين، وهو ما يؤكد أن المصالح المشتركة قادرة على إعادة توجيه مسارات السياسة الخارجية متى وجدت قنوات للحوار والتواصل؛ غير أن تجربة الماضي تحذر في الوقت نفسه من الإكتفاء بمجرد الانفراج السياسي؛ لأن التقارب الذي لا يتحوّل إلى مؤسسات فاعلة ومشروعات مشتركة ومنافع متبادلة يظل معرضًا للإنتكاس عند أول إختبار عملي؛ ولذلك، يحتاج السودان والجزائر إلى إعداد تصوّر إستراتيجي طويل المدى، يقوم على قواعد إحترام إستقلال القرار الوطني، وتعزيز التشاور حول قضايا المنطقة، ودعم فرص السلام والإستقرار والتنمية، وبناء أطر إقليمية أكثر فاعلية تستطيع التعامل مع التحولات المتسارعة في النظام الدولي؛ كما أن إستثمار الإرث التاريخي يجب أن يكون وسيلة لبناء المستقبل، لا مبررًا للبقاء أسرى لشجون الماضي، وإذا نجح البلدان في تحويل الرصيد السياسي والثقافي المتراكم إلى آليات تعاون مستدامة، فقد تصبح العلاقات السودانية الجزائرية نموذجًا آفروعربيًا في تجاوز الأزمات وإعادة بناء الثقة والسير إلى الأمام بثبات؛ فالإحترام المتبادل، والحوار المستمر، والمصالح المشتركة، وحفظ السيادة، هي الأسس الأكثر صلابة لبناء علاقات دولية مستقرة وقادرة على خدمة مصالح الشعبين، وتعزيز الأمن والإستقرار الإقليمي، وفتح آفاق جديدة للتنمية والتعاون.