«رفع سعر الدولار… الإصلاح أبعد من سعر الصرف»

د. نوري جاسم

حين تواجه الدولة أزمة مالية، يصبح سعر الصرف أحد الأدوات التي تلجأ إليها لمعالجة الاختلالات في الموازنة، لكن سعر الدولار ليس هو الاقتصاد كله، كما أن رفعه لا ينبغي أن يكون نهاية التفكير، بل ربما يكون مناسبة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل الاقتصاد العراقي: ماذا ننتج؟ وماذا نصدر؟ وكيف نعظم موارد الدولة؟ وكيف ننتقل من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على النفط إلى اقتصاد متعدد الموارد؟ إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود النفط، فهذه نعمة اقتصادية كبيرة، وإنما في أن يبقى الاقتصاد معتمدًا عليه إلى درجة تجعل أي انخفاض في الإيرادات النفطية يضع المالية العامة أمام ضغوط كبيرة. ولذلك فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من تنويع مصادر الدخل، لا من البحث عن مورد سريع فقط. العراق يستطيع أن يبدأ ببرنامج اقتصادي واضح ومحدد المدة، تكون أولويته زيادة الإيرادات غير النفطية، من خلال تطوير الضرائب والجمارك، وضبط المنافذ الحدودية، واستثمار أملاك الدولة، وتحسين أداء الشركات العامة، وتحصيل الأموال المستحقة للخزينة، مع التحول الحقيقي إلى الأنظمة الإلكترونية التي تقلل الهدر وتزيد الشفافية. وفي مقدمة القطاعات التي يمكن أن تتحول إلى مصدر مهم للإيرادات يأتي قطاع الاتصالات والتكنولوجيا. فالعراق بحاجة إلى بنية رقمية وطنية متطورة، وشبكات ألياف ضوئية، ومراكز بيانات، وخدمات حكومية إلكترونية، وتشجيع صناعة البرمجيات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، بحيث يصبح الاقتصاد الرقمي قطاعًا منتجًا وفرصة للاستثمار والعمل، وليس مجرد سوق للاستهلاك. أما الصناعة، فهي الباب الأكبر نحو اقتصاد منتج. فالعراق بحاجة إلى إعادة تشغيل المصانع المتوقفة، وإنشاء صناعات جديدة في مجالات الأدوية والحديد والصلب والإسمنت والصناعات الغذائية والبتروكيمياويات، مع توفير بيئة استثمارية مستقرة تشجع رأس المال العراقي والعربي والأجنبي على الدخول في مشاريع إنتاجية حقيقية. وفي الزراعة فرصة أخرى لا ينبغي إهمالها. فكل دولار يُنفق على استيراد غذاء يمكن أن يكون فرصة لإنتاجه داخل العراق، إذا توفرت منظومة متكاملة تشمل الري الحديث، واستصلاح الأراضي، والبذور والتقنيات الحديثة، والتخزين والتبريد والتصنيع الزراعي والتسويق. فالزراعة ليست مجرد نشاط ريفي، وإنما قطاع اقتصادي قادر على خلق آلاف فرص العمل وتقليل فاتورة الاستيراد.
وفي قطاع الطاقة، يمكن للعراق أن ينتقل من استنزاف الموارد إلى استثمارها. فاستثمار الغاز المصاحب، وتطوير منظومة الكهرباء، والتوسع في الطاقة الشمسية، كلها مشاريع يمكن أن تقلل الهدر وتفتح أبوابًا جديدة للإنتاج والاستثمار. كما أن الموقع الجغرافي للعراق يمثل موردًا اقتصاديًا بحد ذاته. فالموانئ والسكك الحديدية والطرق والمناطق اللوجستية يمكن أن تجعل العراق مركزًا مهمًا للنقل والتجارة بين دول المنطقة، وتخلق إيرادات وفرص عمل تتجاوز حدود الاقتصاد النفطي التقليدي. وكل هذه المشاريع تحتاج إلى وقت، ولا يمكن أن تنتج نتائجها في يوم أو شهر. ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي يحتاج إلى رؤية تمتد لسنوات، وبرنامج حكومي معلن، ومؤشرات قياس واضحة، وتقارير دورية يعرف المواطن من خلالها ماذا تحقق وماذا لم يتحقق. وإذا احتاجت الدولة إلى مرحلة مؤقتة من التقشف، فإن المواطن قد يتحملها عندما يشعر أن التضحية موزعة بعدالة، وأن الحكومة بدأت بنفسها، وخفضت الهدر، ورفعت كفاءة الإنفاق، وفتحت أبواب الاستثمار والإنتاج، وأن التقشف ليس غاية بحد ذاته، وإنما جسر للعبور إلى اقتصاد أقوى. وإن العراق لا يحتاج إلى معالجة مالية مؤقتة فحسب، بل إلى تحول اقتصادي حقيقي. فرفع سعر الدولار قد يعالج جانبًا من معادلة مالية، لكن بناء مصنع، وزراعة أرض، واستثمار غاز، وتطوير ميناء، وإنشاء شبكة اتصالات، وتأسيس صناعة دوائية أو تقنية، كلها أصول تبقى وتنتج وتخلق فرص العمل. وتعظيم والإيرادات. فالإصلاح الحقيقي لا يقاس فقط بسعر الدولار، وإنما بقدرة العراق على إنتاج ما يحتاج إليه، وتصدير ما يستطيع إنتاجه، وتعظيم موارده، وخلق فرص العمل، وبناء اقتصاد لا تهزه كل مرة حركة أسعار النفط.
رفع سعر الدولار قد يكون قرارًا ماليًا وهو لبس حل. بل تعقيد للمشكلة. وضغط اضافي على المواطن بلا اي معنى. لان الحلول كثيرة في بلد مثل العراق ولكن سوء الادارة خلال العقدين الماضيبن اضاعت الوقت والمال، لكن بناء الاقتصاد المنتج هو القرار الذي يصنع المستقبل. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .

قد يعجبك ايضا
∧