الاقتصاد العراقي.. من دكان النفط إلى وهم الإصلاح

نبيل عبد الأمير الربيعي

في العراق، يبدو الحديث عن الاقتصاد أحياناً وكأننا أمام اقتصاد متنوع يمتلك مقومات النمو والإنتاج والاستدامة، بينما تكشف الوقائع عن بنية ريعية ما زالت تعتمد بدرجة كبيرة على النفط لتمويل الدولة، في ظل ضعف مساهمة القطاعات الإنتاجية الأخرى، واستمرار هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار النفط والأسواق العالمية. وبعبارة أكثر صراحة، يبدو الاقتصاد العراقي في كثير من جوانبه أشبه بـ(دكان كبير) يبيع النفط ويحصل على الدولارات، ثم يعيد توزيع عائداتها على شكل رواتب ونفقات حكومية، من دون أن ينجح بالقدر الكافي في تحويل هذه الثروة إلى قاعدة إنتاجية قادرة على خلق القيمة وفرص العمل والثروة بصورة مستدامة. المشكلة ليست في النفط، فهو ثروة وطنية مهمة، وإنما في تحويله من وسيلة لتمويل التنمية إلى المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة.
مع كل حكومة جديدة تتكرر عبارات: الإصلاح الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتنشيط القطاع الخاص، ودعم الصناعة والزراعة، وتقليل الاعتماد على النفط. لكن هذه العناوين غالباً ما تبقى في حدود البرامج والتصريحات، فيما تستمر البنية الاقتصادية على حالها. الإصلاح الاقتصادي ليس بياناً حكومياً، ولا مجموعة قرارات مالية تتخذ تحت ضغط أزمة طارئة. إنه مشروع طويل الأمد يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسسات كفوءة وتشريعات مستقرة وإدارة رشيدة للمال العام، إلى جانب مكافحة الفساد وربط الإنفاق بأهداف الإنتاج والتنمية. والسؤال هنا: لماذا لم يتحقق الإصلاح؟ بل: لماذا يتكرر الحديث عنه من دون أن يتحول إلى مسار مستدام قابل للقياس والمحاسبة؟
من أبرز مظاهر الخلل في إدارة الاقتصاد العراقي التعامل مع سعر صرف الدولار وكأنه أداة جاهزة لمعالجة الأزمات المالية. فكلما ظهرت ضغوط على المالية العامة أو السوق، عاد النقاش إلى سعر الصرف، وكأن تغيير قيمة الدينار قادر وحده على معالجة اختلالات تراكمت سنوات طويلة.
إن سعر الصرف أداة من أدوات السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل الإصلاح المالي والإنتاجي. فتغيير قيمة الدينار ينعكس على كلفة الاستيراد والأسعار والقوة الشرائية، وقد تكون آثاره أكثر وضوحاً على أصحاب الدخول المحدودة والمتقاعدين والشرائح التي لا تتناسب دخولها مع ارتفاع الأسعار. ومن هنا، فإن القضية ليست الدفاع عن سعر محدد للدولار أو رفض تغييره بصورة مطلقة، وإنما ضرورة أن يأتي أي قرار نقدي ضمن سياسة اقتصادية متماسكة تحمي القوة الشرائية للمواطن وتعالج أسباب الاختلال، لا أن تستخدم السياسة النقدية لتغطية إخفاقات السياسات المالية والإنتاجية.
في ضوء تعديل السعر الرسمي للدولار من 1320 إلى 1520 ديناراً، فإن الزيادة تقارب 15 بالمئة، وهو فارق لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد رقم محاسبي. فالسعر الرسمي للعملة يرتبط بصورة مباشرة بكلفة الاستيراد والأسعار المحلية والقوة الشرائية، ولذلك فإن السؤال الأهم: ماذا ستفعل الحكومة بالتوازي مع هذا القرار لحماية المواطن والسوق والاقتصاد الحقيقي؟ إذا لم يترافق تعديل سعر الصرف مع إصلاح مالي وإنتاجي ومصرفي، فقد يتحول القرار إلى عبء إضافي يتحمله المواطن من خلال ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
كما أن استمرار الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي يخلق تشوهات اقتصادية ويزيد فرص المضاربة والاستفادة من الفوارق السعرية، ويضعف الثقة باستقرار السياسة النقدية. لكن معالجة هذه الفجوة لا تتم بقرار إداري مفاجئ، وإنما بمعالجة أسبابها: تبسيط التحويلات الخارجية القانونية، وتسريع التدقيق المصرفي، وتعزيز الشفافية، ومكافحة التهريب والتلاعب، وتوحيد الإجراءات، وتقوية الثقة بالنظام المصرفي الرسمي.
جوهر الأزمة العراقية ليس الدولار وحده، ولا عجز الموازنة وحده، وإنما استمرار الاقتصاد الريعي وضعف الانتقال إلى اقتصاد منتج. العراق يمتلك موارد بشرية وطبيعية وموقعاً جغرافياً مهماً، ويمتلك إمكانات واسعة في الزراعة والصناعة والنقل والخدمات والسياحة والتقنيات الحديثة. لكن هذه الإمكانات تحتاج إلى سياسات عملية تحولها من عناوين في الخطط الحكومية إلى مشاريع إنتاجية حقيقية. ولا يمكن الحديث عن تنويع الاقتصاد في ظل اعتماد واسع على السلع المستوردة، بينما تواجه الصناعة المحلية مشكلات التمويل والطاقة وارتفاع كلف الإنتاج والمنافسة غير المتكافئة. كما أن الزراعة تحتاج إلى الانتقال من الدعم التقليدي إلى زراعة أكثر كفاءة في استخدام المياه، مع تطوير الري الحديث والتخزين والتسويق والتصنيع الغذائي وتقليل الهدر بعد الحصاد.
من اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج
الإصلاح الحقيقي يبدأ من تغيير فلسفة الاقتصاد نفسها: من اقتصاد يوزع الريع إلى اقتصاد ينتج الثروة. وهذا يتطلب إعادة النظر في الموازنة العامة، بحيث لا يتحول ارتفاع الإيرادات النفطية المؤقت إلى التزامات دائمة، وأن يجري تخصيص جزء من الإيرادات الاستثنائية لبناء احتياطيات وتمويل استثمارات منتجة. كما ينبغي رفع كفاءة الإنفاق العام، وتدقيق العقود والمشتريات الحكومية، ومراجعة المشاريع المتلكئة، ونشر نتائج التدقيق أمام الرأي العام. المطلوب ليس خفض الإنفاق بصورة عشوائية، وإنما توجيهه نحو الأولويات ومنع الهدر والفساد. وفي المقابل، يمتلك العراق فرصة حقيقية لزيادة الإيرادات غير النفطية من خلال تحديث الإدارة الضريبية والكمركية، وأتمتة التحصيل، وتوسيع قاعدة الامتثال، ومكافحة التهرب والتلاعب في المنافذ الحدودية، من دون تحويل الإصلاح المالي إلى أعباء جديدة على أصحاب الدخول المحدودة والمشروعات الصغيرة.
لن يستطيع القطاع العام وحده استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل مهما توسعت التعيينات الحكومية. لذلك ينبغي أن تنتقل الدولة تدريجياً من كونها صاحب العمل الأكبر إلى دور المنظم والمحفز للاستثمار والإنتاج. وهذا يتطلب تبسيط تسجيل الشركات، وتقليل الموافقات، وإنشاء نافذة إلكترونية موحدة للتراخيص، وضمان تنفيذ العقود، وتوفير التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وربط التمويل بالإنجاز والنتائج.
كما يحتاج العراق إلى إصلاح مصرفي حقيقي يوسع الدفع الإلكتروني والخدمات الرقمية، ويعزز حماية أموال المودعين، ويرفع كفاءة الرقابة المصرفية. فالثقة بالمصارف لا تفرض بالتعليمات، وإنما تبنى من خلال جودة الخدمات وسلامة الحوكمة ووضوح الإجراءات.
أما إصلاح ملف الرواتب والتوظيف الحكومي يعتبر ضرورة مالية، لكنه يجب ألا يتحول إلى إجراءات مفاجئة تمس حقوق الموظفين والمتقاعدين. المطلوب هو تدقيق قواعد البيانات، ومنع الازدواج غير القانوني، وتحسين تخطيط القوى العاملة، وربط التعيينات الجديدة بالحاجة الفعلية إلى الخدمات العامة. وفي الوقت نفسه، ينبغي فتح مسارات حقيقية للتدريب والتشغيل في القطاع الخاص، حتى لا يتحول إصلاح التوظيف الحكومي إلى بطالة مقنعة من نوع آخر.
أما مكافحة الفساد، فلا ينبغي التعامل معها بوصفها ملفاً قضائياً منفصلاً عن الاقتصاد. فكل عقد مبالغ في كلفته، وكل مشروع متلكئ، وكل منفذ حدودي لا يخضع للرقابة، وكل إعفاء غير مبرر، يعني في النهاية استنزافاً للمال العام وإضعافاً لفرص التنمية. ولهذا يجب أن تصبح مكافحة الفساد جزءاً من إدارة الاقتصاد، عبر الرقمنة والشفافية وتدقيق العقود ونشر المعلومات المتعلقة بالمشاريع والإنفاق العام وتعزيز الرقابة المستقلة.
الإصلاح يحتاج إلى جدول ومؤشرات
حتى لا تتحول عبارة (الإصلاح الاقتصادي) إلى شعار جديد، ينبغي أن يرتبط البرنامج الحكومي بجدول زمني واضح، وجهات مسؤولة، ومؤشرات قابلة للقياس. في المدى القصير، يمكن التركيز على معالجة أسباب فجوة سعر الصرف، وتبسيط التحويلات القانونية، ومراجعة الإنفاق والمشاريع المتلكئة، ونشر البيانات الاقتصادية بصورة دورية. وفي المدى المتوسط، ينبغي توسيع الأتمتة الضريبية والكمركية، وتطوير النظام المصرفي، وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وإطلاق مشاريع إنتاجية مختارة على أساس دراسات جدوى واضحة. أما على المدى الأبعد، فيجب قياس النتائج من خلال مؤشرات تتجاوز سعر الدولار، لتشمل التضخم، والإيرادات غير النفطية، ونمو القطاعات الإنتاجية، وفرص العمل، ونسبة المشاريع المنجزة، وكفاءة الإنفاق، ومستوى الشفافية.
العراق لا يحتاج إلى إعادة تدوير الشعارات القديمة، بل إلى مشروع اقتصادي واضح المراحل، محدد الأهداف، قابل للقياس والمحاسبة. الثروة النفطية، مهما بلغت، لا تصنع اقتصاداً متيناً إذا استهلكت عائداتها من دون استثمارها في الإنسان والإنتاج والمؤسسات. والدولة التي تبيع مورداً ناضباً لتمويل معظم احتياجاتها، وتستورد نسبة كبيرة من احتياجاتها، ستظل معرضة للأزمات مهما ارتفعت إيراداتها في سنوات الرواج. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل الحكومات العراقية ليس كيف نواجه أزمة الدولار اليوم؟ بل: كيف نبني اقتصاداً لا تتحول فيه كل أزمة مالية إلى أزمة سعر صرف، ولا يصبح مستقبل المواطن رهينة لأسعار النفط وتقلبات الأسواق؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للإصلاح الاقتصادي: أن ننتقل من إدارة الريع إلى صناعة الثروة، ومن استهلاك الموارد إلى استثمارها، ومن اقتصاد ينتظر الدولارات إلى اقتصاد ينتج ويعمل وينافس. فالعراق ليس فقيراً بموارده، وإنما تكمن أزمته المزمنة في عجزه عن تحويل هذه الموارد إلى تنمية مستدامة. وما لم يتغير هذا النهج، ستبقى عبارة (الإصلاح الاقتصادي) عنواناً يتكرر مع كل حكومة، فيما يدفع المواطن كلفة الأزمة مرة بعد أخرى.

قد يعجبك ايضا
∧