شيركو حبيب
لست خبيرًا اقتصاديًا، ولا أدّعي أنني متخصص في أسعار العملات والأسواق المالية، لكن الاقتصاد في النهاية لا يبقى حكرًا على الخبراء عندما يصل تأثيره إلى جيب المواطن، وإلى سعر الخبز والدواء والمواد الغذائية والإيجار والنقل، وكل ما يحتاجه الإنسان في حياته اليومية، ولهذا فإن قرار الحكومة العراقية تعديل سعر صرف الدولار، ورفع السعر الرسمي للمواطن إلى 1520 دينارًا مقابل الدولار الواحد، بدلًا من 1320 دينارًا، ليس مجرد رقم جديد في نشرات المصارف والبنك المركزي، بل قرار ستكون له انعكاسات مباشرة على حياة الناس وعلى الأسواق العراقية، قد يبدو الفارق للوهلة الأولى مجرد مئتي دينار، لكن المسألة أكبر من ذلك.
عندما تنخفض قيمة العملة الوطنية أمام الدولار، فإن المواطن الذي يتقاضى راتبًا ثابتًا لا يحصل في اليوم التالي على راتب جديد يتناسب تلقائيًا مع ارتفاع الأسعار، و الموظف يبقى راتبه كما هو، والعامل يبقى أجره كما هو، وصاحب العمل الحر قد لا يستطيع رفع دخله بالسرعة نفسها التي ترتفع بها كلفة ما يشتريه ويبيعه.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
المواطن لا يعيش على سعر الدولار، وإنما يعيش على قدرته على شراء حاجاته بهذا الدخل، فإذا ارتفعت كلفة الاستيراد، ارتفعت كلفة كثير من السلع المرتبطة بالسوق الخارجية، وإذا ارتفعت كلفة المواد الأولية وقطع الغيار والأدوية والسلع المستوردة، فإن جزءًا من هذه الزيادة قد ينتقل في النهاية إلى المستهلك، وهكذا يمكن أن يبقى راتب المواطن مليون دينار مثلًا، لكن هذا المليون نفسه يستطيع شراء كمية أقل من السلع إذا ارتفعت الأسعار، وهذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الحديث عن الأرقام والسياسات المالية.
لماذا اتخذت الحكومة هذا القرار؟
القرار لا يأتي في فراغ، لأن العراق يعتمد بدرجة كبيرة على النفط في إيرادات الدولة، والظروف الاقتصادية والمالية الراهنة فرضت ضغوطًا كبيرة على الموازنة وعلى تدفقات العملة الأجنبية، وقد أوضحت الحكومة والبنك المركزي أن تعديل سعر الصرف يرتبط بالمتطلبات المالية والاقتصادية والنقدية للدولة، ومن الناحية المالية، فإن بيع النفط بالدولار ثم تحويل الإيرادات إلى الدينار بسعر أعلى يعني أن الدولة تحصل على عدد أكبر من الدنانير مقابل كل دولار من إيراداتها النفطية.
هنا تظهر معادلة صعبة:
ما يساعد المالية العامة على زيادة الإيرادات بالدينار قد يضع ضغطًا في الوقت نفسه على القوة الشرائية للمواطن.
وهذا لا يعني بالضرورة أن القرار سيؤدي وحده إلى انهيار السوق، فأسعار السلع لا تتحرك كلها بالدرجة نفسها، كما أن قدرة البنك المركزي على توفير الدولار، والاحتياطيات الأجنبية، والسياسة النقدية، وحجم الطلب في السوق، كلها عوامل مهمة أيضًا، لكن المؤكد أن انخفاض قيمة الدينار يجعل المواطن أكثر حساسية لأي ارتفاع في الأسعار.
المواطن هو الحلقة الأضعف
المشكلة في مثل هذه القرارات أن الدولة تنظر إلى الاقتصاد من زاوية الموازنة والإيرادات والنفقات، بينما ينظر المواطن إليه من زاوية مختلفة تمامًا.
المواطن يسأل:
ماذا سيحدث لراتبي؟ كم سأدفع مقابل المواد الغذائية؟ ماذا سيحدث لسعر الدواء؟ هل سترتفع أجور النقل؟ هل سيرتفع الإيجار؟ وهل سيزداد دخل العامل والموظف والمتقاعد بالسرعة نفسها التي يمكن أن ترتفع بها الأسعار؟ هذه الأسئلة ليست اقتصادية بالمعنى الأكاديمي فقط، وإنما هي أسئلة حياة يومية.
فالموظف الذي يحصل على راتب ثابت لا يستطيع أن يقرر رفع راتبه، والعامل لا يستطيع أن يفرض على صاحب العمل زيادة أجره كلما تغير سعر الدولار، وصاحب المهنة الحرة قد يجد نفسه أمام ارتفاع في كلفة أدوات العمل والمواد التي يحتاج إليها.
ولهذا فإن أي سياسة نقدية أو مالية يجب ألا تقاس فقط بقدرتها على تحسين أرقام الموازنة، وإنما أيضًا بقدرتها على حماية القوة الشرائية للمواطن.
ليس الدولار وحده هو المشكلة
من الخطأ أيضًا أن نضع كل مشكلة الاقتصاد العراقي في خانة الدولار وحده، العراق يحتاج إلى اقتصاد أكثر تنوعًا، وإلى إنتاج محلي أكبر، وإلى تقليل الاعتماد على الاستيراد، وإلى قطاع خاص قادر على خلق فرص العمل، وإلى نظام مصرفي أكثر كفاءة، وإلى إدارة أفضل للموارد العامة، فالدولة التي تستورد جزءًا كبيرًا من حاجاتها وتدفع ثمنها بالدولار ستكون أكثر تأثرًا بأي انخفاض في قيمة عملتها الوطنية، أما عندما يكون الإنتاج المحلي قويًا، فإن جزءًا أكبر من احتياجات المواطن يمكن أن يكون بعيدًا عن تقلبات العملة والأسواق الخارجية.
وهنا ربما تكون قضية سعر الصرف فرصة لإعادة فتح سؤال أكبر:
إلى متى يبقى الاقتصاد العراقي معتمدًا بهذا الحجم على النفط وعلى الدولار وعلى الاستيراد؟
من يدفع الثمن؟
قد تكون الحكومة أمام ظروف دفعتها إلى اتخاذ القرار، وقد تكون لديها حساباتها المالية والنقدية التي لا يراها المواطن بصورة كاملة.
لكن في المقابل، هناك حساب آخر يجب أن يكون حاضرًا دائمًا: حساب المواطن.
لأن أي انخفاض في قيمة العملة لا يظهر فقط في بيانات البنك المركزي، بل يمكن أن يظهر في فاتورة الأسرة، وفي مصروف الطالب، وفي كلفة علاج المريض، وفي قدرة الموظف على تلبية احتياجات أسرته.
ولهذا فإن القضية ليست أن نقول إن رفع سعر الدولار قرار صحيح أو خاطئ بصورة مجردة.
السؤال الأهم هو: إذا انخفضت قيمة الدينار، فكيف ستضمن الدولة ألا تنخفض معها القدرة الشرائية للمواطن؟ وهنا تقع المسؤولية الحقيقية.
إذا كان تعديل سعر الصرف ضرورة مالية، فيجب أن ترافقه إجراءات واضحة لحماية ذوي الدخل المحدود، ومراقبة الأسواق، ومنع استغلال القرار لرفع الأسعار بصورة غير مبررة، ودعم الإنتاج المحلي، والعمل على زيادة فرص العمل والدخل، فالاقتصاد لا ينجح عندما تتحسن أرقام الدولة ويشعر المواطن بأن دخله أصبح أقل قيمة، والعملة الوطنية ليست مجرد ورقة نقدية أو رقم في شاشة الصرافة، قوة الدينار في النهاية تعني شيئًا واحدًا بالنسبة للمواطن: ماذا يستطيع هذا الدينار أن يشتري له؟ ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية لسعر الدولار في العراق.
فالمواطن قد لا يعرف كثيرًا عن السياسة النقدية، ولا عن الموازنة العامة، ولا عن الاحتياطي الأجنبي، لكنه يعرف جيدًا شيئًا واحدًا: ماذا كان يستطيع أن يشتري براتبه أمس، وماذا يستطيع أن يشتري به اليوم؟ وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي قرار اقتصادي.