أحمد زبير باني
ليست كل الكلمات التي تُقال في المناسبات تولد لكي تنتهي بانتهاء المناسبة؛ فبعضها يتجاوز المنصة، ويغادر قاعة الاحتفال، ويدخل إلى مساحة أعمق من الذاكرة والوعي، ليصبح فكرة قابلة للتحول إلى مشروع، ورؤية، ومسار للمستقبل.
ومن هذا النوع من الكلمات، الرسالة التي وجّهها دولة رئيس وزراء إقليم كوردستان السيد مسرور بارزاني إلى خريجي الدورة الحادية والثلاثين لجامعة دهوك، حين خاطبهم قائلاً:
«لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس أو يزعزع إيمانكم بوطنكم»، مؤكداً: «لن نكل، ولن نيأس، وسنمضي يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح».
عبارات قصيرة في كلماتها، واسعة في دلالاتها.
فهي ليست مجرد كلمات تشجيع لخريجين يقفون على عتبة الحياة العملية، بل يمكن قراءتها باعتبارها رؤية للإنسان والدولة والمجتمع والمستقبل؛ رؤية تقوم على أن بناء كوردستان لا يتم في يوم، ولا يتحقق بقرار واحد، ولا تصنعه الظروف وحدها، وإنما تصنعه إرادة الإنسان، واستمرارية المؤسسات، وتراكم الإنجاز، والإيمان بأن المستقبل ليس قدراً ينتظرنا، بل مشروعاً علينا أن نبنيه.
لا تسمحوا للمحبطين أن يرسموا المستقبل
في كل مجتمع، هناك من يرى النصف الفارغ من الكأس، ومن يعتقد أن الطريق مغلق، ومن يحوّل الصعوبات إلى جدران يستحيل تجاوزها.
لكن الأمم التي تصنع تاريخها لا تسمح للأصوات المحبطة بأن تصبح خريطة طريقها.
إن القول: «لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس» لا يعني تجاهل الواقع، ولا الهروب من المشكلات، ولا رفض النقد. فالنقد المسؤول ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتقدم، والمراجعة الصادقة إحدى أدوات الإصلاح.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين من ينتقد لكي يصحح، ومن يحبط لكي يهدم؛ بين من يشير إلى الخلل لكي نعالجه، ومن يحوّل كل خلل إلى ذريعة لقتل الأمل.
وكوردستان التي واجهت خلال تاريخها الطويل الكثير من العواصف، لا تحتاج اليوم إلى جيل يستهلك طاقته في تعداد المستحيل، بل إلى جيل يرى الصعوبة، ويعترف بها، ثم يبحث عن الطريق لتجاوزها.
فالأوطان لا تنهض بمن يقولون: «لا يمكن»، وإنما بمن يسألون: «كيف يمكن؟»
وهنا تكمن قيمة الرسالة.
كوردستان… حكاية شعب لم يتعلم الاستسلام
حين نتحدث عن كوردستان، فإننا لا نتحدث فقط عن جغرافيا تتوزع فيها الجبال والسهول والمدن؛ بل نتحدث عن ذاكرة شعب حمل أحلامه عبر أجيال طويلة، وتعلم أن الطريق إلى المستقبل ليس مفروشاً دائماً بالسهولة.
الجبل الكوردي لم يكن مجرد تضاريس؛ كان، في الوعي الجمعي، صورة للصمود والكرامة والقدرة على البقاء.
ومن هذه الأرض خرجت أجيال تعلمت أن الظروف قد تكون قاسية، لكن الإنسان يستطيع أن يكون أكثر قوة منها.
ولهذا فإن عبارة «لن نكل، ولن نيأس» ليست جملة عابرة.
إنها تستدعي معنى أعمق: أن الإرادة الجماعية يجب أن تكون أقوى من لحظة الإحباط، وأن مشروع البناء لا يجوز أن يتوقف عند أول عقبة، ولا أن يتراجع أمام أول أزمة.
فالدول لا تُبنى بالمزاج، ولا تنهض بردود الأفعال، وإنما تُبنى بالنَّفَس الطويل، وبالقدرة على تحويل التحديات إلى دوافع للعمل.
وهذا أحد أهم دروس التاريخ.
من جامعة دهوك تبدأ مرحلة أخرى
حين يقف الخريج في يوم تخرجه، فإنه لا يغلق باب الجامعة فقط؛ بل يفتح باباً أكبر اسمه المسؤولية.
الشهادة ليست نهاية الطريق، وإنما بداية السؤال الأصعب:
ماذا سأفعل بما تعلمت؟
فالجامعة التي تمنح المعرفة لا ينبغي أن تخرج موظفاً ينتظر وظيفة فحسب، وإنما إنساناً قادراً على صناعة القيمة، وحل المشكلات، وابتكار الأفكار، وبناء المشاريع.
ومن هنا تصبح رسالة رئيس الوزراء إلى الخريجين أوسع من لحظة التكريم.
إنها دعوة للانتقال من مرحلة التعلّم إلى مرحلة التأثير.
فكوردستان تحتاج إلى طبيب لا يكتفي بعلاج المرض، ومهندس لا يكتفي بتطبيق المخططات، واقتصادي لا يكتفي بقراءة الأرقام، ومبرمج يصنع الحلول، وباحث ينتج المعرفة، وإداري يطوّر المؤسسة، ورائد أعمال يخلق فرص العمل، وأستاذ جامعي يفتح نوافذ جديدة أمام الأجيال.
هذه هي القيمة الحقيقية للشهادة.
من الشهادة إلى صناعة المعرفة
العالم يتغير بسرعة لم يعرفها التاريخ الحديث.
الذكاء الاصطناعي، والاقتصاد الرقمي، والأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والتكنولوجيا الحيوية، والصناعات الحديثة، أصبحت جميعها عناصر أساسية في رسم قوة الدول ومكانتها.
وفي عالم كهذا، لم تعد الثروة الحقيقية تُقاس فقط بما تحت الأرض، وإنما بما يوجد في عقل الإنسان.
ولهذا فإن الاستثمار في الإنسان الكوردي هو الاستثمار الأكثر أمناً واستدامة.
إن كوردستان المستقبل تحتاج إلى جامعات لا تكتفي بتدريس المناهج، بل تنتج المعرفة؛ وإلى مراكز بحثية تشتبك مع تحديات المجتمع؛ وإلى بيئة تحتضن الابتكار؛ وإلى اقتصاد يفتح أبوابه أمام الشباب وأفكارهم.
فالجامعة يجب ألا تكون جزيرة منفصلة عن الاقتصاد والمجتمع، بل جسراً بين المعرفة والتنمية.
وكل خريج يجب أن يرى في شهادته مفتاحاً لباب جديد، لا ورقة تُعلّق على الجدار.
«يوماً بعد يوم»… فلسفة التراكم
ربما تبدو عبارة «يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح» بسيطة، لكنها تحمل واحدة من أكثر الأفكار عمقاً في بناء الدول والمجتمعات.
فالأمم لا تبني نهضتها في ليلة.
والمؤسسات القوية لا تولد كاملة.
والاقتصاد المتين لا يصنعه قرار واحد.
والتعليم الجيد يحتاج إلى سنوات من الإصلاح.
والمدن لا تتطور بمشروع واحد.
والإنجاز الحقيقي هو نتيجة تراكم طويل من الخطوات التي قد تبدو صغيرة في لحظتها، لكنها تتحول، مع الزمن، إلى تغيير كبير.
ولهذا فإن «يوماً بعد يوم» يمكن أن تكون فلسفة كاملة في إدارة المستقبل:
أن ننجز اليوم شيئاً أفضل مما أنجزناه بالأمس.
أن تكون المؤسسة اليوم أكثر كفاءة من الأمس.
أن تكون الجامعة أكثر ارتباطاً بسوق العمل.
أن يكون الاقتصاد أكثر تنوعاً.
أن تكون الإدارة أكثر رقمنة.
أن تكون الخدمات أكثر جودة.
أن يكون الشباب أكثر حضوراً.
وأن تتحول كل خطوة إلى لبنة في بناء أكبر.
فالتاريخ لا يصنعه فقط أصحاب القفزات الكبرى، وإنما يصنعه أيضاً أولئك الذين يعرفون قيمة الاستمرار.
خريطة استراتيجية لكوردستان المستقبل
إذا أردنا أن نقرأ رسالة «لن نكل، ولن نيأس» باعتبارها خريطة للمستقبل، فإن هذه الخريطة تبدأ من الإنسان، لكنها لا تنتهي عنده.
إنها تحتاج إلى منظومة متكاملة تقوم على عدة ركائز.
أولاً: الإنسان.
فالإنسان هو نقطة البداية. وكل مشروع تنموي لا يضع الإنسان في مركزه سيبقى ناقصاً.
ثانياً: التعليم.
لا يمكن بناء اقتصاد حديث بعقلية تعليمية قديمة. المطلوب تعليم ينتج التفكير النقدي، والإبداع، والمهارات التقنية، والقدرة على الابتكار.
ثالثاً: الاقتصاد المتنوع.
كوردستان تحتاج إلى اقتصاد قادر على تجاوز الاعتماد على مصدر واحد للدخل، من خلال دعم الصناعة والزراعة والسياحة والتكنولوجيا والاستثمار وريادة الأعمال.
رابعاً: المؤسسات.
فالدولة القوية ليست فقط دولة لديها موارد، وإنما دولة لديها مؤسسات تعمل بالقانون والكفاءة والاستمرارية.
خامساً: الشباب.
الشباب ليسوا مجرد قوة بشرية تنتظر دورها، بل هم قوة حاضرة يجب أن تكون شريكاً في صناعة القرار والتنمية والاقتصاد والثقافة.
سادساً: الاستقرار.
فلا تنمية من دون استقرار، ولا استثمار من دون ثقة، ولا مستقبل اقتصادي من دون بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
سابعاً: الانفتاح.
كوردستان التي تريد أن تكون جزءاً فاعلاً من العالم تحتاج إلى أن تنفتح على المعرفة والاستثمار والتكنولوجيا والتجارب الدولية، مع الحفاظ على هويتها وخصوصيتها.
هذه ليست شعارات منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة؛ فإذا تكاملت، تحولت الرؤية إلى قدرة حقيقية على البناء.
الشباب ليسوا مستقبل كوردستان فقط
كثيراً ما نقول إن الشباب هم «مستقبل الوطن».
لكن هذه العبارة، رغم جمالها، لم تعد كافية.
الشباب ليسوا مستقبل كوردستان فقط؛ إنهم حاضرها أيضاً.
فالذين يتخرجون اليوم من الجامعات يجب ألا ينتظروا سنوات طويلة لكي يصبح لهم دور.
مكانهم يجب أن يكون في المؤسسات، وفي الشركات، وفي المختبرات، وفي الجامعات، وفي الإدارة، وفي التكنولوجيا، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي كل مساحة يمكن أن تُخلق فيها قيمة جديدة.
والشباب الذين يمتلكون المعرفة الرقمية والقدرة على التواصل مع العالم يستطيعون أن يكونوا جسوراً بين كوردستان والاقتصاد العالمي الجديد.
وهنا تصبح مهمة الدولة والمجتمع توفير البيئة التي تسمح لهذه الطاقات بأن تعمل.
فالطاقة التي لا تجد مساحة للعمل قد تتحول إلى إحباط، بينما الطاقة التي تجد فرصة تتحول إلى إنتاج.
لا نكل ولا نيأس… ولكن نعمل
من السهل أن نقول: «لا نيأس».
لكن الأصعب أن نحول هذه العبارة إلى منهج عمل.
فالأمل الحقيقي ليس انتظاراً سلبياً للمستقبل، وإنما طاقة تدفع الإنسان إلى العمل.
أن لا نيأس يعني أن نعيد المحاولة.
أن نخطئ ثم نتعلم.
أن نفشل في مشروع ثم نبحث عن أسباب الفشل.
أن نواجه الأزمة بخطة، لا بالشكوى.
أن نختلف في الرأي من دون أن نختلف على الوطن.
أن نبحث عن الحلول بدلاً من البحث الدائم عن الأعذار.
وهنا يتحول التفاؤل من شعور نفسي إلى قوة تنموية.
فالدول التي تتقدم ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على إدارة أزماتها والخروج منها أكثر قوة وخبرة.
الجبل لا يتوقف لأن الريح قوية
كوردستان أرض الجبال.
والجبل يعرف شيئاً لا يعرفه الكثيرون:
أن الريح مهما اشتدت لا تستطيع أن تغيّر قامته.
قد تضربه العواصف، وقد تغطي الثلوج قمته، وقد تحيط به السحب، لكنه يبقى في مكانه.
وهكذا يجب أن تكون الإرادة الوطنية.
لا تمنحوا الريح حق تحديد قامتكم.
لا تمنحوا الأزمة حق تعريف مستقبلكم.
لا تمنحوا الفشل حق كتابة قصتكم.
ولا تسمحوا لصوت الإحباط أن يكون أعلى من صوت العمل.
فالأمم العظيمة ليست تلك التي لم تسقط، بل تلك التي عرفت كيف تنهض كلما سقطت.
من الحلم إلى المشروع
لكن الإيمان بالمستقبل وحده لا يكفي.
الحلم يحتاج إلى خطة.
والخطة تحتاج إلى مؤسسة.
والمؤسسة تحتاج إلى كفاءة.
والكفاءة تحتاج إلى إنسان متعلم.
والإنسان يحتاج إلى بيئة تسمح له بالعمل.
لهذا فإن الرسالة الحقيقية وراء «سنمضي يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح» هي أن النجاح لا يأتي من الأمنيات، وإنما من تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج.
وهنا يظهر الفرق بين من يتحدث عن المستقبل ومن يصنعه.
فالمستقبل لا يُبنى في الخطب وحدها، وإنما في المدارس والجامعات والمصانع والشركات والمختبرات والدوائر الحكومية والحقول ومراكز التكنولوجيا.
إنه يُبنى في التفاصيل التي قد لا تراها الكاميرات، لكنها تصنع الفرق الحقيقي في حياة الناس.
مسؤولية الجيل الجديد
الجيل الذي يتخرج اليوم يحمل مسؤولية مضاعفة.
فهو يدخل إلى عالم أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه أكثر فرصاً.
وعليه أن يسأل نفسه:
ماذا سأضيف؟
ما المشكلة التي أستطيع حلها؟
ما المشروع الذي يمكن أن أبنيه؟
ما المعرفة التي يمكن أن أنتجها؟
كيف يمكن أن أخدم مدينتي ومجتمعي؟
كيف يمكن أن أحول تخصصي إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الإنسان الفاعل.
كوردستان لا تحتاج فقط إلى المزيد من حملة الشهادات؛ إنها تحتاج إلى صنّاع المعرفة، وصنّاع المشاريع، وصنّاع الفرص، وصنّاع المستقبل.
فالبلد لا يتقدم بعدد الأوراق التي يحملها أبناؤه، وإنما بما يصنعونه بهذه المعرفة.
المستقبل لا يُبنى بالخوف
الخوف مفهوم إنساني، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى نظام تفكير.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يصبح الخوف من المستقبل أقوى من الرغبة في صناعته.
أما الأجيال التي تؤمن بقدرتها على التغيير، فإنها تنظر إلى الغد باعتباره مساحة للفرص، لا مجرد مساحة للمخاطر.
وهنا تأتي أهمية الرسالة الموجهة إلى الخريجين.
فأن تقول لشاب يقف أمام مستقبل مجهول: «لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس»، يعني أنك تمنحه، قبل أن تمنحه وظيفة أو منصباً، شيئاً أكثر أهمية:
الثقة بقدرته على صناعة الطريق.
والثقة ليست غروراً.
الثقة هي أن تعرف أن الطريق صعب، ولكنك قادر على السير فيه.
يوماً بعد آخر… نصنع التاريخ
في نهاية المطاف، فإن العبارة التي قيلت في حفل تخرج قد تكون أوسع من الحفل نفسه.
«لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس.»
هي دعوة إلى حماية الإرادة من الانكسار.
«لن نكل، ولن نيأس.»
هي دعوة إلى الاستمرار وعدم تحويل العثرات إلى نهاية.
«وسنمضي يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح.»
هي دعوة إلى الإيمان بفلسفة التراكم، وإلى بناء المستقبل خطوة بعد خطوة.
وهكذا تتحول الكلمات إلى خريطة:
إرادة لا تنكسر،
وعمل لا يتوقف،
ومستقبل يُبنى بالتراكم.
إن كوردستان المستقبل لن تُبنى بضربة واحدة، ولن تأتي من أمنية عابرة.
ستُبنى في كل جامعة تخرّج عقلاً جديداً.
وفي كل مشروع يخلق فرصة عمل.
وفي كل مؤسسة تصبح أكثر كفاءة.
وفي كل شاب يقرر أن يكون صانعاً للمستقبل لا متفرجاً عليه.
وفي كل أسرة تؤمن بأن تعليم أبنائها هو استثمار في الغد.
وفي كل مسؤول يدرك أن المنصب مسؤولية، لا امتياز.
وفي كل مواطن يختار أن يكون جزءاً من الحل.
ذلك هو المعنى الأعمق لعبارة «يوماً بعد آخر».
فالتاريخ لا يأتي إلينا جاهزاً.
نحن الذين نصنعه.
والمستقبل لا ينتظرنا.
نحن الذين نبنيه.
وكوردستان، التي وقفت طويلاً في وجه الرياح، قادرة على أن تجعل من صمودها طاقة للبناء، ومن تجربتها التاريخية رؤية للمستقبل، ومن جامعاتها ومؤسساتها وشبابها جسوراً نحو مرحلة جديدة.
ولذلك، ربما لا تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها خريجو جامعة دهوك معهم بعد مغادرة قاعة التخرج هي أنهم أنهوا مرحلة من التعليم، بل أنهم دخلوا مرحلة أكبر من المسؤولية.
مسؤولية أن يؤمنوا بأن الطريق، مهما طال، يبدأ بخطوة.
وأن النجاح، مهما كبر، يبدأ بعمل صغير.
وأن النهضة، مهما بدت بعيدة، تبدأ بعقل يؤمن بها.
وأن الوطن، مهما كانت تحدياته، يستحق أن نمنحه أفضل ما لدينا.
لا تسمحوا لأحد أن يُحبطكم.
لا تكلّوا.
لا تيأسوا.
وامضوا يوماً بعد آخر.
فحين تتراكم الخطوات، تصبح مسيرة.
وحين تتراكم المسيرة، يصبح الإنجاز تاريخاً.
وحين يتحول الإنجاز إلى مؤسسات، يصبح المستقبل أكثر أمناً.
وهكذا تُبنى كوردستان.
سادساً: الاستقرار.
فلا تنمية من دون استقرار، ولا استثمار من دون ثقة، ولا مستقبل اقتصادي من دون بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
سابعاً: الانفتاح.
كوردستان التي تريد أن تكون جزءاً فاعلاً من العالم تحتاج إلى أن تنفتح على المعرفة والاستثمار والتكنولوجيا والتجارب الدولية، مع الحفاظ على هويتها وخصوصيتها.
هذه ليست شعارات منفصلة، وإنما حلقات في سلسلة واحدة؛ فإذا تكاملت، تحولت الرؤية إلى قدرة حقيقية على البناء.
الشباب ليسوا مستقبل كوردستان فقط
كثيراً ما نقول إن الشباب هم «مستقبل الوطن».
لكن هذه العبارة، رغم جمالها، لم تعد كافية.
الشباب ليسوا مستقبل كوردستان فقط؛ إنهم حاضرها أيضاً.
فالذين يتخرجون اليوم من الجامعات يجب ألا ينتظروا سنوات طويلة لكي يصبح لهم دور.
مكانهم يجب أن يكون في المؤسسات، وفي الشركات، وفي المختبرات، وفي الجامعات، وفي الإدارة، وفي التكنولوجيا، وفي الثقافة، وفي الاقتصاد، وفي كل مساحة يمكن أن تُخلق فيها قيمة جديدة.
والشباب الذين يمتلكون المعرفة الرقمية والقدرة على التواصل مع العالم يستطيعون أن يكونوا جسوراً بين كوردستان والاقتصاد العالمي الجديد.
وهنا تصبح مهمة الدولة والمجتمع توفير البيئة التي تسمح لهذه الطاقات بأن تعمل.
فالطاقة التي لا تجد مساحة للعمل قد تتحول إلى إحباط، بينما الطاقة التي تجد فرصة تتحول إلى إنتاج.
لا نكل ولا نيأس… ولكن نعمل
من السهل أن نقول: «لا نيأس».
لكن الأصعب أن نحول هذه العبارة إلى منهج عمل.
فالأمل الحقيقي ليس انتظاراً سلبياً للمستقبل، وإنما طاقة تدفع الإنسان إلى العمل.
أن لا نيأس يعني أن نعيد المحاولة.
أن نخطئ ثم نتعلم.
أن نفشل في مشروع ثم نبحث عن أسباب الفشل.
أن نواجه الأزمة بخطة، لا بالشكوى.
أن نختلف في الرأي من دون أن نختلف على الوطن.
أن نبحث عن الحلول بدلاً من البحث الدائم عن الأعذار.
وهنا يتحول التفاؤل من شعور نفسي إلى قوة تنموية.
فالدول التي تتقدم ليست تلك التي لا تواجه الأزمات، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على إدارة أزماتها والخروج منها أكثر قوة وخبرة.
الجبل لا يتوقف لأن الريح قوية
كوردستان أرض الجبال.
والجبل يعرف شيئاً لا يعرفه الكثيرون:
أن الريح مهما اشتدت لا تستطيع أن تغيّر قامته.
قد تضربه العواصف، وقد تغطي الثلوج قمته، وقد تحيط به السحب، لكنه يبقى في مكانه.
وهكذا يجب أن تكون الإرادة الوطنية.
لا تمنحوا الريح حق تحديد قامتكم.
لا تمنحوا الأزمة حق تعريف مستقبلكم.
لا تمنحوا الفشل حق كتابة قصتكم.
ولا تسمحوا لصوت الإحباط أن يكون أعلى من صوت العمل.
فالأمم العظيمة ليست تلك التي لم تسقط، بل تلك التي عرفت كيف تنهض كلما سقطت.
من الحلم إلى المشروع
لكن الإيمان بالمستقبل وحده لا يكفي.
الحلم يحتاج إلى خطة.
والخطة تحتاج إلى مؤسسة.
والمؤسسة تحتاج إلى كفاءة.
والكفاءة تحتاج إلى إنسان متعلم.
والإنسان يحتاج إلى بيئة تسمح له بالعمل.
لهذا فإن الرسالة الحقيقية وراء «سنمضي يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح» هي أن النجاح لا يأتي من الأمنيات، وإنما من تحويل الرؤية إلى سياسات، والسياسات إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج.
وهنا يظهر الفرق بين من يتحدث عن المستقبل ومن يصنعه.
فالمستقبل لا يُبنى في الخطب وحدها، وإنما في المدارس والجامعات والمصانع والشركات والمختبرات والدوائر الحكومية والحقول ومراكز التكنولوجيا.
إنه يُبنى في التفاصيل التي قد لا تراها الكاميرات، لكنها تصنع الفرق الحقيقي في حياة الناس.
مسؤولية الجيل الجديد
الجيل الذي يتخرج اليوم يحمل مسؤولية مضاعفة.
فهو يدخل إلى عالم أكثر تعقيداً، لكنه في الوقت نفسه أكثر فرصاً.
وعليه أن يسأل نفسه:
ماذا سأضيف؟
ما المشكلة التي أستطيع حلها؟
ما المشروع الذي يمكن أن أبنيه؟
ما المعرفة التي يمكن أن أنتجها؟
كيف يمكن أن أخدم مدينتي ومجتمعي؟
كيف يمكن أن أحول تخصصي إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية؟
هذه الأسئلة هي التي تصنع الإنسان الفاعل.
كوردستان لا تحتاج فقط إلى المزيد من حملة الشهادات؛ إنها تحتاج إلى صنّاع المعرفة، وصنّاع المشاريع، وصنّاع الفرص، وصنّاع المستقبل.
فالبلد لا يتقدم بعدد الأوراق التي يحملها أبناؤه، وإنما بما يصنعونه بهذه المعرفة.
المستقبل لا يُبنى بالخوف
الخوف مفهوم إنساني، لكن لا ينبغي أن يتحول إلى نظام تفكير.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع أن يصبح الخوف من المستقبل أقوى من الرغبة في صناعته.
أما الأجيال التي تؤمن بقدرتها على التغيير، فإنها تنظر إلى الغد باعتباره مساحة للفرص، لا مجرد مساحة للمخاطر.
وهنا تأتي أهمية الرسالة الموجهة إلى الخريجين.
فأن تقول لشاب يقف أمام مستقبل مجهول: «لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس»، يعني أنك تمنحه، قبل أن تمنحه وظيفة أو منصباً، شيئاً أكثر أهمية:
الثقة بقدرته على صناعة الطريق.
والثقة ليست غروراً.
الثقة هي أن تعرف أن الطريق صعب، ولكنك قادر على السير فيه.
يوماً بعد آخر… نصنع التاريخ
في نهاية المطاف، فإن العبارة التي قيلت في حفل تخرج قد تكون أوسع من الحفل نفسه.
«لا تسمحوا لأي طارئ بأن يزرع في نفوسكم اليأس.»
هي دعوة إلى حماية الإرادة من الانكسار.
«لن نكل، ولن نيأس.»
هي دعوة إلى الاستمرار وعدم تحويل العثرات إلى نهاية.
«وسنمضي يوماً بعد آخر نحو قمم جديدة من النجاح.»
هي دعوة إلى الإيمان بفلسفة التراكم، وإلى بناء المستقبل خطوة بعد خطوة.
وهكذا تتحول الكلمات إلى خريطة:
إرادة لا تنكسر،
وعمل لا يتوقف،
ومستقبل يُبنى بالتراكم.
إن كوردستان المستقبل لن تُبنى بضربة واحدة، ولن تأتي من أمنية عابرة.
ستُبنى في كل جامعة تخرّج عقلاً جديداً.
وفي كل مشروع يخلق فرصة عمل.
وفي كل مؤسسة تصبح أكثر كفاءة.
وفي كل شاب يقرر أن يكون صانعاً للمستقبل لا متفرجاً عليه.
وفي كل أسرة تؤمن بأن تعليم أبنائها هو استثمار في الغد.
وفي كل مسؤول يدرك أن المنصب مسؤولية، لا امتياز.
وفي كل مواطن يختار أن يكون جزءاً من الحل.
ذلك هو المعنى الأعمق لعبارة «يوماً بعد آخر».
فالتاريخ لا يأتي إلينا جاهزاً.
نحن الذين نصنعه.
والمستقبل لا ينتظرنا.
نحن الذين نبنيه.
وكوردستان، التي وقفت طويلاً في وجه الرياح، قادرة على أن تجعل من صمودها طاقة للبناء، ومن تجربتها التاريخية رؤية للمستقبل، ومن جامعاتها ومؤسساتها وشبابها جسوراً نحو مرحلة جديدة.
ولذلك، ربما لا تكون الرسالة الأهم التي ينبغي أن يحملها خريجو جامعة دهوك معهم بعد مغادرة قاعة التخرج هي أنهم أنهوا مرحلة من التعليم، بل أنهم دخلوا مرحلة أكبر من المسؤولية.
مسؤولية أن يؤمنوا بأن الطريق، مهما طال، يبدأ بخطوة.
وأن النجاح، مهما كبر، يبدأ بعمل صغير.
وأن النهضة، مهما بدت بعيدة، تبدأ بعقل يؤمن بها.
وأن الوطن، مهما كانت تحدياته، يستحق أن نمنحه أفضل ما لدينا.
لا تسمحوا لأحد أن يُحبطكم.
لا تكلّوا.
لا تيأسوا.
وامضوا يوماً بعد آخر.
فحين تتراكم الخطوات، تصبح مسيرة.
وحين تتراكم المسيرة، يصبح الإنجاز تاريخاً.
وحين يتحول الإنجاز إلى مؤسسات، يصبح المستقبل أكثر أمناً.