شيركو حبيب
الانسحاب العسكري، مهما كانت أسبابه أو مبرراته، لا ينهي تلقائياً الدور الذي كانت تؤديه القوات المنسحبة. وعندما يغادر طرف خارجي يمتلك قدرات عسكرية واستخبارية وسياسية مؤثرة، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: هل أصبحت مؤسسات الدولة العراقية قادرة فعلاً على تحمّل المسؤولية كاملة، أم أن الفراغ الذي قد يتركه الانسحاب سيفتح الباب أمام قوى أخرى لملئه؟
هذه ليست مسألة مرتبطة بالولايات المتحدة وحدها. إنها مسألة تتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها، وبقدرتها على إدارة الأمن والسياسة والسلاح والعلاقات الخارجية ضمن إطار واحد.
العراق اليوم ليس عراق عام 2011، كما أن المنطقة ليست المنطقة نفسها التي كانت عليها آنذاك. فقد تطورت قدرات القوات العراقية، واكتسبت خبرة كبيرة في مواجهة الإرهاب، وأصبح العراق يمتلك مؤسسات أمنية أكثر خبرة مما كان عليه قبل سنوات.
لكن قوة المؤسسات لا تُقاس فقط بقدرتها على مواجهة تنظيم إرهابي أو تنفيذ عملية أمنية. الدولة القوية هي التي تمتلك قراراً أمنياً موحداً، وتكون قادرة على حماية حدودها ومجالها الجوي، وتفرض القانون على الجميع، وتمنع وجود مراكز متعددة للقرار العسكري والسياسي.
وهنا تبدأ الأسئلة الصعبة.
من يملك القرار الأمني في العراق؟ هل القرار العسكري موحد بالفعل؟ هل تستطيع الحكومة منع أي طرف من استخدام الأراضي العراقية لتنفيذ عمليات ضد دول أخرى؟ وهل تستطيع الدولة في الوقت نفسه حماية العراق من أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية؟
هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية بعد الانسحاب الأميركي، لأن وجود القوات الأميركية والتحالف الدولي كان، بصرف النظر عن المواقف المختلفة منه، يمثل عاملاً من عوامل الردع والدعم الاستخباري والعسكري والسياسي. والآن، بعد الانسحاب، تنتقل المسؤولية بصورة أكبر إلى مؤسسات الدولة العراقية.
لكن هناك فرق بين امتلاك القوات والسلاح، وبين امتلاك القرار. قد تمتلك الدولة جيشاً وأجهزة أمنية وحشداً ومؤسسات عسكرية متعددة، لكن السؤال الأهم هو: هل تتحرك هذه المؤسسات جميعاً ضمن رؤية وطنية واحدة وقرار سياسي وأمني موحد؟
إذا كانت الإجابة غير واضحة، فإن المشكلة لا تكون في نقص السلاح، وإنما في تعدد مراكز القرار. وهذا هو جوهر المسألة، حيث إن العراق لا يحتاج فقط إلى دولة تمتلك القوة، بل إلى دولة تحتكر القرار الشرعي باستخدام القوة.
وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن الانسحاب الأميركي لا ينبغي أن يتحول إلى نقاش ثنائي بين مؤيد للولايات المتحدة ومعارض لها. فالمسألة أكبر من ذلك بكثير. الولايات المتحدة ليست العراق، والقوات الأجنبية ليست بديلاً عن الدولة العراقية، لكن وجود شراكة أمنية وسياسية مع الولايات المتحدة والتحالف الدولي كان جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي والدولي التي ساعدت العراق في مواجهة داعش، خصوصاً بعد عام 2014.
لذلك، فإن انتهاء الوجود العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء الحاجة إلى العلاقات الأمنية والسياسية والدبلوماسية مع الولايات المتحدة والدول الأخرى.
العراق يحتاج إلى علاقات متوازنة، لا إلى تبعية، ويحتاج إلى السيادة، لكن السيادة لا تعني العزلة، ويحتاج إلى قرار وطني مستقل، لكن الاستقلال لا يعني رفض التعاون مع المجتمع الدولي.
المشكلة تبدأ عندما يصبح العراق ساحة لصراع الآخرين بدلاً من أن يكون صاحب قرار في تحديد مصالحه، وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية عن الأمن، وهي السياسة، ولا يمكن فصل الأمن عن الاستقرار السياسي، فإذا كانت القوى السياسية غير قادرة على التوصل إلى تفاهمات واضحة حول شكل الدولة، وحدود الصلاحيات، والعلاقة بين المركز والأقاليم، ودور القوى المسلحة، فإن أي فراغ أمني يمكن أن يتحول بسرعة إلى أزمة سياسية، والعكس صحيح أيضاً.
الأزمة السياسية يمكن أن تنتج أزمة أمنية.
ولهذا، فإن مرحلة ما بعد الانسحاب يجب ألا تُقرأ فقط من خلال عدد الجنود الذين غادروا العراق، وإنما من خلال قدرة النظام السياسي العراقي على إدارة المرحلة الجديدة، هل توجد شراكة حقيقية بين القوى السياسية؟ هل تُحترم الاتفاقات التي تُبنى عليها الحكومات؟ هل تُطبّق أحكام الدستور بصورة متساوية؟ وهل تستطيع مؤسسات الدولة أن تتعامل مع الخلافات السياسية قبل أن تتحول إلى أزمات أمنية؟
هذه الأسئلة تقودنا بالضرورة إلى العلاقة بين بغداد وأربيل.
فاستقرار العراق لا يمكن أن يكون كاملاً من دون استقرار العلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كوردستان. الملفات العالقة بين الطرفين ليست ملفات إدارية فقط. النفط، والموازنة، والرواتب، والمناطق المتنازع عليها، والصلاحيات الدستورية، والعلاقة الأمنية، كلها قضايا لها تأثير مباشر على الاستقرار السياسي والأمني للعراق.
وفي مقدمة هذه الملفات تأتي كركوك. فكركوك ليست مجرد منطقة جغرافية متنازعاً عليها، وإنما تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة بغداد وأربيل على إدارة الخلافات بطريقة سياسية ودستورية تمنع تحولها إلى توتر أمني، ولهذا، فإن المرحلة التي تلي الانسحاب الأميركي تحتاج إلى تفاهم أكبر بين بغداد وأربيل، لا إلى مزيد من الأزمات.
العراق أمام فرصة، لكنه أمام خطر في الوقت نفسه.
الفرصة تتمثل في أن تتحمل مؤسسات الدولة مسؤوليتها بصورة أكبر، وأن تتطور العلاقة مع المجتمع الدولي من علاقة عسكرية إلى علاقة تقوم على التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، أما الخطر، فيكمن في أن يتحول الانسحاب إلى فراغ تستفيد منه القوى المسلحة أو الأطراف الإقليمية، أو أن تعود الخلافات السياسية الداخلية إلى إنتاج الانقسام الأمني.
وهنا أتذكر دائماً درس عام 2011، لم يكن السؤال في ذلك الوقت مجرد: هل تغادر القوات الأميركية أم تبقى؟ كان السؤال الأهم: ماذا سيحدث بعد المغادرة؟ واليوم، بعد مرور سنوات على ذلك التحذير، يجب ألا نكرر الخطأ نفسه، ولكن بصورة مختلفة، لا ينبغي أن نفترض أن التاريخ سيكرر نفسه حرفياً، كما لا ينبغي أن نفترض أن العراق هو عراق 2011، لكن التاريخ يقدم لنا درساً واضحاً: الفراغ لا يبقى فارغاً إذا لم تملأ الدولة الفراغ، فإن قوى أخرى ستفعل. وقد تكون هذه القوى سياسية، أو عسكرية، أو إقليمية، أو حتى جماعات مسلحة، ولهذا، فإن نجاح العراق بعد الانسحاب لن يُقاس بغياب القوات الأجنبية، وإنما بوجود دولة قادرة على منع أي فراغ من التحول إلى أزمة.
العراق بحاجة إلى جيش قوي، وأجهزة أمنية قوية، ودفاع جوي قادر على حماية أجوائه، وحدود مؤمّنة، وقرار عسكري موحد، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى توافق سياسي حول معنى الدولة نفسها.
فلا يمكن بناء دولة قوية في ظل تعدد مراكز القرار، ولا يمكن بناء شراكة سياسية حقيقية إذا أصبحت الاتفاقات التي تُنتج الحكومات قابلة للتنفيذ في جانب والتجاهل في جانب آخر، ولا يمكن حماية السيادة إذا كان العراق عاجزاً عن منع استخدام أراضيه لتصفية صراعات الآخرين، وفي النهاية، فإن السؤال الذي يواجه العراق بعد الانسحاب الأميركي ليس: من سيحل محل الأميركيين؟ بل: هل تستطيع الدولة العراقية أن تكون هي البديل؟
إذا استطاعت مؤسسات الدولة أن توحّد القرار الأمني، وتحمي الدستور، وتضمن الشراكة السياسية، وتنظم علاقتها مع القوى المسلحة، وتحافظ على توازن علاقاتها الخارجية، فقد يتحول الانسحاب إلى مرحلة جديدة من بناء الدولة العراقية، أما إذا بقيت الخلافات السياسية أعمق من قدرة المؤسسات على احتوائها، وبقي السلاح موزعاً بين مراكز مختلفة، واستمرت الخلافات بين بغداد وأربيل دون حلول دستورية وسياسية، فإن خطر الفراغ سيبقى قائماً، حتى لو لم يكن هناك انسحاب عسكري آخر.
فالفراغ ليس دائماً مكاناً خالياً. أحياناً يكون الفراغ هو غياب القرار الموحد، وهنا تكمن المسألة الحقيقية التي يواجهها العراق اليوم.