استراتيجية البقاء والشراكة القوية ما بعد الانسحاب: فرصة تاريخية لإعادة تموضع إقليم كردستان في المعادلة الجيوسياسية الجديدة

✍️ گرميان صلاح الدين

مرحلة التحول من “المظلة العسكرية” إلى “براغماتية المصالح”

يواجه إقليم كردستان العراق اليوم اختبارًا تاريخيًا وحساسًا؛ حيث تُجبر الأوضاع الجيو-ستراتيجية المعقدة الكيان السياسي للإقليم على الانتقال من مرحلة الاعتماد المباشر على مظلة الحماية الخارجية، والعبور نحو مرحلة أكثر نضجًا تتمثل في: «الاعتماد المنهجي على الذات، والتمسك الدستوري الصلب، والتكامل الاستراتيجي القائم على تبادل المصالح المشتركة»، وهو ما عمل عليه الإقليم لسنوات طويلة وأرسى له دعائم متينة.
إن فكرة تغيير طبيعة الوجود العسكري الأمريكي وقوات التحالف في المنطقة أو انسحابها لا تعني بأي حال من الأحوال إهمال الإقليم أو التخلي عنه، بل تُعد انعكاسًا لتطور جوهري في طبيعة الشراكة مع العالم الغربي. فهذه العلاقة تنتقل تدريجيًا من منطق طوارئ الحماية الإنسانية والأمنية التي فرضتها مرحلة التسعينيات وما بعد إسقاط النظام، إلى منطق التحالف المستقر، طويل المدى، والبراغماتي المبني على محور المصالح العليا المتبادلة.
ومن منظور الواقعية السياسية، فإن مكانة إقليم كردستان كبوابة وركيزة أساسية للغرب في الشرق الأوسط تُقرأ من خلال خمسة محاور وركائز رئيسية:
1. حصن للاستقرار وقوة برية أثبتت جدارتها في المعادلة الأمنية الغربية
على مدى العقود الثلاثة الماضية، لم يكن إقليم كردستان مجرد مستفيد سلبي من المظلة الدولية، بل أثبت في المحطات الحسم أنه الشريك الأهم والأكثر استقرارًا وموثوقية للغرب في منطقة تعصف بها الاضطرابات.
* المؤشرات الواقعية: خلال الحرب ضد تنظيم “داعش”، لعبت قوات البيشمركة الكردستانية دور الدِكّ والقوة البرية الموثوقة كدرع فولاذي؛ حيث قدمت أكثر من ألف وثمانمائة شهید وآلاف الجرحى، وحمت العالم الغربي من تهديد عالمي داهم.
* البيئة الاستراتيجية: تدرك مراكز صنع القرار في واشنطن والعواصم الأوروبية بوضوح أن الحفاظ على شراكة متينة مع الإقليم يمثل ضمانة أمنية حتمية لمنع إعادة بروز التطرف العابر للحدود، وهو ما يجعل الإقليم عنصرًا أصيلاً لا يتجزأ من الاستراتيجية طويلة المدى للأمن القومي للتحالف.
2. تبادل المصالح: اقتصاد الطاقة وبوابة التجارة الدولية
لا تُبنى السياسة الدولية المعاصرة على العواطف، بل تدور حول مبدأ “المصالح المشتركة (رابح – رابح)”. وهنا يبرز إقليم كردستان كلاعب إقتصادي وجيوسياسي واعد في المجالات التالية:
* قطاع الطاقة والأمن الاقتصادي العالمي: إن احتياطيات الغاز والنفط في الإقليم، إلى جانب الخطوات المستقبلية نحو تطوير الطاقة المتجددة والبنية التحتية الرقمية، تجعل من الإقليم بيئة جاذبة للشركات الأمريكية والأوروبية العملاقة للاستثمار طويل الأمد، وتكامل معادلة الكنفدرالية الطاقوية.
* المركز اللوجستي الإقليمي: أصبحت مدن أربيل، والسليمانية، ودهوك حاضنة لمئات الشركات الدولية الراغبة في توسيع أعمالها في العراق والمنطقة. وتُشكل هذه الشبكة الاقتصادية المترابطة درعًا حقيقيًا يحمي الكيان الدستوري للإقليم من أي ضغوط خارجية.
3. دبلوماسية البقاء ومواجهة الضغوط الجيوسياسية الإقليمية
يقع الإقليم في قلب تجاذبات وتوازنات إقليمية حادة بين تركيا وإيران والعراق الاتحادي. ولذلك، فإن أي انسحاب أو تغيير في طبيعة التواجد العسكري الدولي يُعد اختبارًا لمدى قدرة القيادة السياسية للإقليم ومؤسساته الشرعية على المناورة السياسية.
* درع الأمان الإقليمي: بفضل الاستقرار الاستراتيجي والتحالفات العملاقة، يمتلك إقليم كردستان القدرة على تحويل الضغوط إلى فرص؛ إذ يرفض الهيمنة الإقليمية ويحافظ على التوازنات المعقدة دون أن يسمح لجغرافيته بأن تكون ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وعلى سبيل المثال، استطاع الإقليم الحفاظ على توازنه بحياد وحذر تجاه الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران.
4. الصلابة الداخلية وترسيخ الاستقرار الدستوري والمؤسسي
إن مكانة الإقليم الخارجية هي الانعكاس الحقيقي لأوضاعه الداخلية؛ فالقوة الحقيقية للإقليم أمام العالم تنبع بالأساس من جبهته الداخلية:
* الوحدة الوطنية والتوافق السياسي: إدارة العلاقات بين القوى الرئيسية في الإقليم بحكمة وتوافق.
* إعادة ترتيب الملفات المشتركة مع بغداد: حسم الخلافات الأساسية المتعلقة بالطاقة، والموازنة، والرواتب على أسس دستورية، إلى جانب توحيد قوات البيشمركة تحت مظلة وزارة وطنية مهنية؛ إذ يُعد الاستقرار المؤسسي والشفافية الشرط الأول لاستمرار أي شراكة دولية قوية.
5. التحول نحو “الواقعية السياسية والتعاون الاستخباري المشترك”
في مرحلة ما بعد انسحاب القوات العسكرية البرية الكبيرة، يتطور نظام التعاون إلى مستوى أعلى من الثقة يُعرف بـ “الدبلوماسية الفاعلة وتبادل المعلومات الاستخبارية والمراقبة”:
* غرف المراقبة المشتركة: يتحول الوجود العسكري المباشر إلى تقديم الاستشارات الأمنية، والدعم اللوجستي، وتبادل المعلومات لمواجهة فلول الإرهاب والتطرف العابر للحدود، مما يجعل الإقليم “عقدة أمنية” فريدة في الاستراتيجية الأمنية الغربية.
* الدبلوماسية الناعمة واللوبي السياسي: تعزيز دور ممثليات الإقليم في واشنطن، وبروكسل، والعواصم الأوروبية لتكون بمثابة “سفارات اقتصادية وثقافية”، وتوسيع شبكة العلاقات مع مراكز البحوث وصناع القرار، بدلاً من انكماشها في مجرد تسيير أعمال سفارة.
إن هناك العديد من المجالات والقطاعات القوية الأخرى في الإقليم التي تضمن أن مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأمريكية ليست نهاية لمرحلة، بل هي بداية لعصر جديد من الاعتماد المنهجي على الذات والشراكة البراغماتية. إن إقليم كردستان لا يطلب دعمًا مجانيًا، بل يقدم نفسه كشريك أمني واقتصادي وسياسي ناضج قادر على حماية المصالح الغربية بالقدر نفسه الذي يحمي به مصالحه الخاصة. وفي هذه المعادلة الجديدة، لم يعد انسحاب القوات العسكرية المجردة مصدر قلق، لأن شبكة المصالح المشتركة المتشابكة هي التي تحمي كيان إقليم كردستان وتتسامى فوق مجرد الوجود العسكري.

قد يعجبك ايضا
∧