نبيل عبد الأمير الربيعي
مع اقتراب الموعد المعلن لإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي في العراق، في الثلاثين من أيلول، يعود سؤال يتجاوز الاحتفال بخروج القوات الأجنبية: هل أصبحت الدولة العراقية قادرة فعلاً على حماية أمنها ومنع عودة تنظيم داعش؟
هذا السؤال لا ينتقص من قدرات القوات العراقية التي خاضت حرباً طويلة ضد التنظيم وتمكنت من استعادة المدن التي سيطر عليها، كما لا يعني أن التاريخ سيكرر نفسه. لكنه يستحضر تجربة عام 2011، حين انسحبت القوات الأميركية، قبل أن يشهد العراق بعد سنوات انهياراً أمنياً واسعاً مكن داعش من السيطرة على الموصل ومساحات كبيرة من البلاد عام 2014.
في هذا السياق، جاء تحذير السيد مسعود بارزاني من أن انسحاب القوات الأميركية من دون ضمانات أمنية كافية قد يعيد إنتاج بعض الظروف التي ساعدت سابقاً على صعود الإرهاب. وهو تحذير يستحق النقاش بعيداً عن المواقف الحزبية، لأن أمن العراق لا ينبغي أن يكون موضوعاً للمزايدات السياسية.
لكن العراق اليوم ليس عراق عام 2011. فالقوات الأمنية اكتسبت خبرة واسعة في مواجهة الإرهاب، وتطورت قدراتها الاستخبارية والعسكرية، كما أن تنظيم داعش لم يعد يمتلك الأرض والموارد التي كانت تحت سيطرته عام 2014. ومع ذلك، فإن انتهاء سيطرته المكانية لا يعني انتهاء خطره؛ فما زالت الخلايا النائمة قادرة على استغلال المناطق الرخوة والثغرات الأمنية والانقسامات الاجتماعية والسياسية.
لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس كما يقال: هل نريد القوات الأميركية أم لا؟ بل: هل تمتلك الدولة العراقية اليوم من القدرات والمؤسسات ما يكفي لحماية البلاد بعد انتهاء المهمة العسكرية للتحالف؟ الإجابة يجب أن تظهر في الميدان، لا في البيانات. في قدرة القوات العراقية على حماية الحدود، وملاحقة الخلايا الإرهابية، وتطوير منظومة الاستخبارات، وتأمين المناطق النائية، وحماية الأجواء، وتعزيز التنسيق الأمني بين بغداد وأربيل.
في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول الخوف من داعش إلى مبرر دائم للاعتماد على القوات الأجنبية. فالدولة التي تريد امتلاك قرارها الأمني مطالبة ببناء قدراتها الوطنية، مع استمرار التعاون الدولي في التدريب وتبادل المعلومات والخبرات وفق ما تقتضيه مصالح العراق.
هنا تبرز أيضاً ضرورة التعامل مع انتهاء مهمة التحالف باعتباره مساراً رسمياً بين الحكومة العراقية وشركائها الدوليين، لا انتصاراً حصرياً لفصيل أو جماعة. فالتحالف الدولي جاء إلى العراق عام 2014 بطلب من الحكومة العراقية لمواجهة داعش، وإنهاء مهمته جاء كذلك عبر تفاهمات وقرارات رسمية. ومن ثم فإن احتكار الإنجاز أو إعادة كتابة الوقائع لخدمة خطاب سياسي معين لا يخدم الحقيقة ولا الدولة.
السيادة، في جوهرها، ليست مجرد خروج القوات الأجنبية من البلاد، وإنما قدرة الدولة على اتخاذ قرارها الأمني والعسكري، وحماية مواطنيها، وضبط حدودها، وإخضاع السلاح للقانون. وهنا تكمن المسألة الأكثر حساسية: من يضمن أمن العراق إذا تعددت مراكز القوة والقرار؟ فالعراق لا يواجه خطر الإرهاب وحده، بل يواجه أيضاً تحديات التوتر الإقليمي، وتداخل المصالح الخارجية، وضعف المؤسسات، والانقسامات السياسية، واستمرار وجود سلاح خارج الإطار الرسمي للدولة. وكل ذلك يجعل بناء مؤسسة أمنية مهنية وموحدة ضرورة لا تحتمل التأجيل.
كما أن مواجهة الإرهاب لا تكون عسكرية فقط. فالتهميش، وضعف العدالة، وانعدام الثقة بالمؤسسات، والبطالة، والبيئات الاجتماعية الهشة، كلها عوامل يمكن أن يستغلها التطرف. ولذلك فإن الأمن المستدام يبدأ من دولة عادلة وقادرة، لا من العمليات العسكرية وحدها.
إن الثلاثين من أيلول ليس مجرد موعد لخروج القوات الأجنبية، بل بداية اختبار حقيقي للدولة العراقية. فإذا استطاعت مؤسساتها حماية المواطنين، ومنع عودة الإرهاب، وإدارة علاقاتها الأمنية مع الخارج من موقع المصلحة الوطنية، فإن انتهاء المهمة العسكرية يمكن أن يكون بداية مرحلة جديدة. أما إذا بقيت مراكز القوة متعددة، واستمر السلاح خارج الإطار القانوني، وظلت المؤسسات الأمنية عرضة للتجاذبات السياسية، فإن مغادرة القوات الأجنبية لن تكون وحدها كافية لصناعة الاستقرار.
العراق لا يحتاج إلى أبطال جدد في البيانات، ولا إلى احتكار سياسي للانتصارات؛ إنه يحتاج إلى دولة واحدة، وقرار أمني واحد، ومؤسسات مهنية قادرة على حماية شعبها وسيادتها ومصالحها الوطنية. فالسؤال بعد انسحاب التحالف ليس: من انتصر؟ بل: هل أصبحت الدولة العراقية قادرة على حماية العراق؟
إن الثلاثين من أيلول ليس مجرد موعد لخروج القوات الأجنبية، بل موعد لسقوط آخر الذرائع. بعده لن يكون مقبولاً أن تُعلَّق إخفاقات الأمن على وجود قوات أجنبية، كما لن يكون مقبولاً أن تتحول السيادة إلى شعار يُرفع في البيانات بينما تتوزع القوة والقرار بين أكثر من جهة.
إذا كانت الدولة قد أصبحت قادرة على حماية حدودها ومواطنيها، وملاحقة الإرهاب، وضبط السلاح، وإدارة علاقاتها الأمنية مع الخارج، فعليها أن تثبت ذلك على أرض الواقع. أما إذا بقي القرار الأمني موزعاً، والسلاح خارج سلطة الدولة، والمؤسسات عرضة للتجاذبات السياسية، فإن المشكلة لن تكون في انسحاب التحالف، بل في عجز الدولة عن ملء الفراغ الذي تركه.
العراق لا يحتاج بعد اليوم إلى خطابات انتصار ولا إلى أبطال يصنعون المجد في البيانات. يحتاج إلى دولة تتحمل مسؤولياتها كاملة، وتحتكر قرار الحرب والسلم، وتحمي مواطنيها بلا وصاية خارجية ولا وصاية داخلية.
فبعد انسحاب التحالف، لن يبقى السؤال: من حمى العراق؟ بل سيكون السؤال الأصعب: هل تملك الدولة العراقية القدرة والإرادة لكي تحميه بنفسها؟ وإذا عجزت، فعليها أن تواجه الحقيقة كما هي: المشكلة لم تكن يوماً في وجود الأجنبي وحده، بل في دولة لم تستكمل بعد شروط قوتها وسيادتها.