خطاب السودان أمام الأمم المتحدة: رؤية السلام والسيادة وإصلاح النظام الدولي

سعد محمد عبدالله

حمل خطاب وزير الخارجية والتعاون الدولي، السفير محيي الدين سالم، أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، مضامين سياسية ودبلوماسية دقيقة عكست مقاربة الحكومة السودانية للحرب والسلام ومستقبل العلاقات الدولية، وقد ركز على أن الوصول إلى سلام شامل وعادل يقتضي معالجة العوامل التي أطالت أمد النزاع، وفي مقدمتها التدخلات الخارجية وتدفق السلاح والذخائر والمقاتلين، إلى جانب أهمية إنهاء مظاهر التسلح خارج مؤسسات الدولة؛ كما شدد الوزير على ضرورة وقف الإعتداءات على المدنيين والمنشآت والبنية التحتية، وتوفير الحماية للمتضررين، وضمان إنسياب المساعدات الإنسانية دون عوائق، مع الدفع نحو إعتماد آليات قانونية واضحة لمساءلة المسؤولين عن الإنتهاكات التي وقعت في أجزاء واسعة من السودان، ويتضح من مسار الخطاب السوداني السعي إلى وضع الأزمة السودانية ضمن إطار قانوني ودولي يربط بين وقف الحرب، وحماية السكان، وإحترام القانون الدولي الإنساني، وتعزيز مسؤوليات المجتمعين الإقليمي والدولي في التعامل مع تداعيات الصراع.

في محور السيادة الوطنية، وكما توقعنا تمامًا، وضع وزير الخارجية قضية التدخلات الإقليمية والدولية في صدارة العوامل المؤثرة في إستمرار الحرب وتصاعد حدتها، مشيرًا إلى أن تدفق الدعم العسكري والسياسي من الخارج يزيد من تعقيد المشهد ويضعف فرص التسوية، وينبغي للمجتمع الدولي أن يتحرك اليوم بصورة أكثر فاعلية تجاه الجهات التي تسهم في إمداد مليشيا الدعم السريع بالسلاح أو المقاتلين، بالتوازي مع تفعيل المسارات القانونية المعتمدة بشأن الإنتهاكات المرتكبة في دارفور وكردفان والنيل الأزرق وغيرها من مناطق السودان؛ وفي المقابل، أكد أن معالجة الأزمة لا يمكن إختزالها في الحلول العسكرية، بل تحتاج إلى تفكيك أسباب عدم الإستقرار، ومعالجة جذور النزاع، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترسيخ مبدأ حصر السلاح في أيدي المؤسسات الوطنية؛ كما ربط الخطاب بين إستقرار السودان وأمن البحر الأحمر وباب المندب والخليج ككل، مؤكدًا أهمية الإلتزام بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي، وإحترام وحدة الدول وسيادتها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، أو إستخدام القوة والتهديد بها وسيلةً لفرض المواقف السياسية وإستلاب قرارها الوطني.

لقد أبرز الخطاب كذلك مسألة عدم مشاركة رئيس مجلس السيادة الإنتقالي، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، في إجتماعات الجمعية العامة، على خلفية عدم صدور تأشيرة الدخول اللازمة له من الدولة المضيفة، وفقًا لما أعلنته الحكومة السودانية، وطالب وزير الخارجية الأمين العام للأمم المتحدة، وأجهزة الجمعية العامة، والجهات المختصة بالعلاقات مع الدولة المضيفة، بالتعامل مع هذه الواقعة عبر الأطر القانونية والمؤسسية ذات الصلة، بما في ذلك صون إتفاقية المقر وتوثيق ملابسات القضية، ومن هذا المدخل، جدد السودان طرحه بشأن إصلاح النظام الدولي، بما يشمل تطوير آليات عمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، وتعزيز المشاركة الأفريقية في مراكز صناعة القرار الدولي، إلى جانب إعادة النظر في النظام المالي العالمي بما يوسع فرص الدول النامية والأقل نموًا في الحصول على التمويل ودعم التنمية؛ كما طرح الخطاب ضرورة معالجة الخلافات الدولية بالحوار والوسائل السلمية، والإحتكام إلى القانون الدولي، والحد من إستخدام العقوبات والتدابير القسرية لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية، بما يعكس إنخراط السودان في النقاش المتنامي حول مستقبل النظام العالمي متعدد الأطراف، ومدى عدالة مؤسساته وتمثيله لمصالح الدول والشعوب.

على صعيد التسوية السياسية، أكد وزير الخارجية أن الحوار السوداني ـ السوداني، القائم على مبدأ الملكية الوطنية، يمثل إحدى الركائز المطروحة لإنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة، مع ضرورة توفير بيئة تساعد على إنجاحه عبر حماية المدنيين، وخفض التصعيد، وبناء الثقة بين الأطراف، وشدد على أهمية تنفيذ الإلتزامات الواردة في إعلان جدة، خاصة ما يتصل باحترام القانون الدولي الإنساني، وتسهيل وصول المساعدات، وضمان الممرات الآمنة للمدنيين الراغبين في مغادرة مناطق القتال بصورة طوعية، وتستند هذه الرؤية إلى أن السلام العادل والمستدام لا يتحقق بتوقيع الإتفاقيات وحدها، بل يحتاج إلى معالجة الأسباب البنيوية للنزاعات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وضمان إحتكارها المشروع للسلاح، ثم الإنتقال إلى عملية سياسية شاملة تنتهي إلى إنتخابات حرة ونزيهة؛ ومن ثم، جمع الخطاب السوداني أمام الأمم المتحدة بين قضايا وقف الحرب، وحماية المدنيين، وصون السيادة، والحوار الوطني، وإصلاح النظام الدولي؛ وهي مسارات متداخلة تتطلب دبلوماسية نشطة قادرة على عرض الموقف السوداني والدفاع عن مصالحه، مع الحفاظ على مساحة الإنفتاح على المبادرات الإقليمية والدولية التي يمكن أن تساعد في عملية إنهاء الحرب وبناء سلام مستدام يحفظ وحدة السودان وإستقراره، ويمهد لإنتقال سياسي شامل.

قد يعجبك ايضا
∧