الشيخ دلشاد محمد احمد النقشبندي
هناك مؤسسات تولد من حاجة المجتمع، وهناك مؤسسات تولد من رؤيةٍ بعيدة للمستقبل. ومنذ أكثر من نصف قرن، ارتبط تأسيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان برؤية الزعيم الكوردي ملا مصطفى البارزاني الخالد، الذي أدرك أهمية العلماء ودورهم في بناء المجتمع، وأن الكلمة الدينية الواعية يمكن أن تكون قوةً في الإصلاح، وجسراً للتقارب، وسنداً للتعايش والسلام.
وفي الذكرى السادسة والخمسين لتأسيس الاتحاد، لا نستعيد مجرد تاريخٍ مضى، بل نستحضر رسالةً ما زالت حاضرة: رسالة العلم الذي يهدي، والمنبر الذي يجمع، والعالم الذي يصلح بين الناس ويزرع في المجتمع قيم الأخوة والتسامح والاعتدال.
لقد كان علماء كوردستان جزءاً أصيلاً من حياة مجتمعهم، وحملوا عبر الأجيال مسؤولية دينية وأخلاقية واجتماعية، خصوصاً في مجتمعٍ متنوعٍ يحتاج دائماً إلى خطابٍ حكيم يحترم الاختلاف ويعزز التعايش السلمي، ويضع وحدة المجتمع وكرامة الإنسان فوق الخلافات.
وفي امتداد هذه المسيرة، يبرز اليوم دور العالم الجليل الدكتور عبدالله ملا ويسي، رئيس اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان، الذي تقع على عاتقه مسؤولية كبيرة في رعاية العلماء والأئمة والخطباء، والاهتمام بشؤونهم، والاستماع إلى احتياجاتهم، وتعزيز مكانتهم العلمية والاجتماعية.
وتتجلى أهمية هذه المسؤولية في الاهتمام بتثقيف العلماء وتأهيلهم من خلال الدورات والبرامج العلمية والدعوية، بما يساعدهم على تطوير أدواتهم، وفهم تحديات العصر، والاقتراب أكثر من قضايا المجتمع والشباب، وتقديم خطابٍ ديني يجمع بين أصالة العلم وحكمة التعامل مع الواقع.
فالعالم في عصرنا لا يكفيه أن يمتلك المعرفة، بل يحتاج أيضاً إلى القدرة على إيصالها، والحكمة في توظيفها، والوعي بتحديات المجتمع؛ لأن المنبر مسؤولية، والكلمة أمانة، وتأثير العالم يمكن أن يمتد إلى أجيال كاملة.
ومن هنا، فإن دور اتحاد علماء الدين الإسلامي في كوردستان، ودور الدكتور عبدالله ملا ويسي في رعاية مسيرة العلماء، يمثلان امتداداً لمسؤوليةٍ بدأت مع تأسيس الاتحاد، ورسالةٍ جوهرها خدمة الدين والمجتمع، وتعزيز ثقافة التعايش والسلام.
٥٦ عاماً مضت، لكن الرسالة لم تنتهِ؛ فالعلماء كانوا وما زالوا جزءاً من قوة المجتمع، والمنبر يمكن أن يكون جسراً بين القلوب، والعلم حين يقترن بالحكمة يصبح طريقاً للإصلاح والسلام.
وفي هذه الذكرى، نستذكر بكل تقدير مؤسس الاتحاد ملا مصطفى البارزاني الخالد، ونحيّي علماء كوردستان وأئمتها وخطباءها، ونثمّن جهود الدكتور عبدالله ملا ويسي في رعاية جالعلماء والاهتمام بتثقيفهم وتأهيلهم، سائلين الله أن يوفقهم لمواصلة هذه الرسالة، وأن يحفظ كوردستان وأهلها بالأمن والتعايش والوئام.