دلزار إسماعيل رسول
الجزء الخمسون
على اعتاب الخمسين …
في الخمسين من عمري، لا تتبخر السنين، بل تترقرق كقطراتِ الشهدِ النقيّ في كأس الأيام لتزداد مع الوقت حلاوة… أقفُ اليوم على أطراف هذه اللحظة، لا لأحصي ما مضى، بل لألثم ما أتى… شبابي الذي أودعته بين يديكِ لم يكن قرباناً، بل كان استغراقاً في ملكوت عينيكِ، أستجدي فيها رقة نظراتكِ، وأصغي إلى همسكِ كمن يستمع إلى أولى زخات المطر على أرضٍ أضناها الجفاف…
هل الحبُّ إلا هذا الذوبان الشفيف… لم أعد أشتهي تمادياً ولا عتاباً، ولا أمعن النظر في الهفوات لأقيم عليها سياجاً من الجفاء؛ بل صرتُ أرى في كل نظرةٍ منكِ صياغةً جديدة لرغد عيشي… إن كنتُ صائداً يوماً، فما كُنتُ إلا صائداً للفتات الفرح من شفتيكِ، وإن كنتُ فريسة، فأجمل ما في أسرِكِ أن السجان هو العافية، والأسر هو الخلاص…
دعيهم يتهامسون عن “سن الخمسون “، ويقلبون أكفّهم حول عمرٍ مرّ أو عتبةٍ تُخُطّيَت… ما حاجتي لأجوبتهم وارتفاع حواجبهم، وأنا أمتلك القول الفصل… لم أنتظر فارغاً، بل كنتُ أصنع من كل عامٍ مضى جسراً يصلني بأرضكِ… الحبُّ معكِ ليس أسطورةً غابرة تُروى في الكتب، بل هو النهار حين يشرق في روح رجلٍ عرف كيف يختار وطنه…
سأترك الأبواب مشرعةً لخطوكِ الناعم، لا أستعجل الوقت ولا أستبطئه، بل أستمتع برنين السكون حين تكونين في المدى… حبكِ ليس كعاصفةٍ تصطدم بصخر الجبل لتمزقه، بل هو السيل الحنون الذي ينحدر من قمم الحياء ليبلل العطش في السهول…أعلنتُ لكِ طوعاً هذا الانقياد، مفرغاً قلبي من كل وحشةٍ سابقة، فلا ضباب يغطيني، ولا أطر تحبسني… سوى أنني رجلٌ اختار بكامل شغفه أن تظل روحُه هائمة حول حماكِ إلى الأبد…