بعد 2323 سنة رسالة فرقد الأغا وإعادة بناء معضلة أبيقور

حكيم الساعدي

ليست قيمة الأفكار الفلسفية في طول بقائها، بل في قدرتها على الصمود أمام النقد، فمنذ أن صاغ أبيقور معضلته الشهيرة قبل أكثر من 2323 سنة، ظل سؤال الشر يتصدر أعقد الإشكاليات الفلسفية، واستحال إلى أحد أكثر الاختبارات صعوبةً أمام الميتافيزيقا واللاهوت وفلسفة الدين، وخلال هذه القرون الطويلة تعاقبت مدارس فلسفية ولاهوتية لا تُحصى وقدمت تأويلات وتبريرات ودفاعات متنوعة، إلا أن المعضلة بقيت حاضرة لا بوصفها سؤالاً عابراً بل باعتبارها بنية فكرية فرضت شروطها على كل من حاول الاقتراب منها.
غير أن التاريخ الفلسفي يكشف حقيقة كثيراً ما تغيب عن الأذهان وهي أن بعض الإشكاليات لا تستمد قوتها من صحة نتائجها، بل من سلامة البناء الذي قامت عليه مقدماتها، إذا كانت المقدمات غير مفحوصة إبستمولوجياً فإن كل محاولة للإجابة ستظل أسيرة الإطار المفاهيمي ذاته مهما بلغت دقتها المنطقية.
من هنا تنبثق رسالة فرقد الأغا لا باعتبارها جواباً جديداً على السؤال الأبيقوري فقط، بقدر ماهي مراجعة جذرية للأساس المعرفي الذي منح هذا السؤال سلطته طوال أكثر من ثلاثة وعشرين قرناً. إنها لا تدخل إلى المعضلة من باب الدفاع أو التبرير وإنما من باب النقد الإبستمولوجي الذي يعيد النظر في البُنية المفاهيمية التي نشأت منها.
فالطرح الأغاوي يرى أن معضلة أبيقور لم تصبح معضلة إلا لأنها افترضت منذ البداية أن “الشر” حقيقة مستقلة أو جوهر قائم بذاته، وأن العلاقة بين الخير والشر علاقة تضاد بين ماهيتين متقابلتين ، وهذا الافتراض في نظره ليس حقيقة فلسفية، بل بناء تجريدي صاغه العقل ثم تعامل معه كما لو كان معطىً أنطولوجيًا.
وهنا تقع القفزة الفلسفية الحاسمة فبدل الانطلاق من المفاهيم المجردة، يعيد فرقد الأغا الفلسفة إلى الوجود العيني، حيث لا يوجد “شر” بوصفه كياناً مستقلاً ينافس الخير، كون توجد وقائع وأحداث وصيرورات تحكمها قوانين الطبيعة وتتداخل فيها حدود المعرفة الإنسانية، وبنية الإدراك والتكوين النفسي والاجتماعي للإنسان. وبهذا المعنى يصبح الشر وصفاً إنسانياً لنتائج معينة لا جوهراً قائماً في بنية الوجود.
وعند هذه النقطة يتغير المشهد الفلسفي بأكمله، فالسؤال الذي حيّر الفلاسفة لم يعد يحتفظ بالبنية نفسها؛ لأن أحد أركانه الأساسية قد أُعيد تفكيكه. حيث إذا كان مفهوم الشر ذاته قد أُعيد بناؤه فإن المعضلة التي تأسست عليه تفقد إلزامها المنطقي، لا لأنها أُجيب عنها داخل إطارها القديم، بل لأن الإطار نفسه لم يعد صالحا بوصفه أساسا للاستدلال.
إن القيمة الفلسفية لهذا المشروع لا تكمن في استبدال جواب بآخر، وانما في الانتقال من فلسفة الإجابات إلى فلسفة نقد الأسئلة، إذ أن التاريخ يعلمنا أن أعظم التحولات الفكرية لم تبدأ بإنتاج أجوبة جديدة، وإنما بإعادة تعريف المشكلة ذاتها وحين تتغير بنية السؤال تتغير بالضرورة طبيعة الجواب.
لهذا تمثل رسالة فرقد الأغا محاولة لتأسيس مرحلة جديدة في التفكير الفلسفي، تجعل النقد الإبستمولوجي سابقاً على الجدل الميتافيزيقي وتعيد الاعتبار لتحليل المفاهيم قبل تشييد النظريات، فهي لا تدعو إلى الهروب من معضلة أبيقور ولا إلى الالتفاف عليها بقدر ما تسعى إلى إخضاعها للنقد ذاته الذي أخضعت هي له غيرها طوال أكثر من ألفي عام.
فإذا كان أبيقور قد فرض على الفلسفة سؤالًا هيمن على التفكير الإنساني أكثر من ثلاثة وعشرين قرنًا، فإن رسالة فرقد الأغا تسعى إلى تحرير العقل من سلطة ذلك السؤال، عبر إعادة بناء أسسه المفاهيمية، وإثبات أن بعض المعضلات لا تستمد خلودها من عمقها، بل من استمرار التسليم بمقدماتها دون مساءلة.
وهكذا، فإن القيمة الحقيقية لهذا المشروع لا تُقاس بادعائه أنه قدّم جوابًا جديدًا لمعضلة قديمة، بل بجرأته على مساءلة الافتراضات التي منحت تلك المعضلة حياتها التاريخية. فحين يُعاد بناء السؤال، لا تتغير الإجابة وحدها، بل يتغير أفق التفكير الفلسفي بأسره.

ولعل أكثر ما يميز المشروع الفلسفي لفرقد الأغا أنه لا يكتفي بتقديم أطروحة جديدة داخل النسق الفلسفي القائم، بل يسعى إلى إعادة بناء الأسس الإبستمولوجية التي قامت عليها جملة من الإشكاليات التاريخية الكبرى. فمن خلال نظرياته المعاصرة في المعرفة، ونقده للمفاهيم المجردة، وإعادة تأسيس العلاقة بين الواقع والإدراك والحقيقة، يطرح الأغا رؤية تتجاوز منطق الترقيع الفلسفي إلى منطق التأسيس الفلسفي.
ويبدو أن هذا المشروع اثبت قدرته على الصمود أمام النقد الفلسفي، واستطاع أن يؤسس لمدرسة فكرية متماسكة تتجاوز حدود الاجتهاد الفردي إلى التأثير في مسار البحث الفلسفي، وإننا أمام واحدة من أهم القفزات الإبستمولوجية في الفكر المعاصر؛ قفزة تمثل مفترق طريق في تاريخ الفلسفة وتؤذن بولادة أفق معرفي جديد.
وعندئذ لن يكون من المبالغة النظر إلى هذا المشروع بوصفه بداية مرحلة فلسفية مختلفة، يصبح معها تاريخ الفكر الفلسفي قابلًا للقراءة من زاويتين، مرحلة سبقت ولادة الفكر الأغاوي ومرحلة بدأت مع تشكل المدرسة الأغاوية، بما تحمله من إعادة بناء لمفاهيم المعرفة والحقيقة والوجود، وبما تفتحه من آفاق جديدة لإعادة النظر في المعضلات التي ظلت تؤرق العقل الإنساني لأكثر من ألفي عام.
إن الأفكار الكبرى لا تُقاس بضجيج لحظة ميلادها، إنما بقدرتها على تغيير طريقة التفكير. واننا نرى بارقة نجاح المشروع الفلسفي الذي يقدمه فرقد الأغا في ترسيخ أسسه العلمية والإبستمولوجية، كما لا يُعد مجرد إضافة إلى تاريخ الفلسفة، بل هو بداية فصل جديد من فصولها.

قد يعجبك ايضا