نبيل عبد الأمير الربيعي
ليست الحلة مدينة عابرة في خارطة الثقافة العراقية، بل هي حاضنة عريقة للشعر والمعرفة، أنجبت أجيالاً من الأدباء والمفكرين، وظلت ذاكرتها الثقافية متصلة بأسماء تركت أثراً في تاريخ الأدب العراقي. ومن بين أبنائها الذين واصلوا هذا الامتداد الشعري، يبرز اسم الشاعر جبار الكواز، الذي جمع في تجربته بين أصالة الموروث، ورحابة التجديد، والارتباط العميق بمدينة الحلة.

وُلد جبار عبد الحسين رضا الكواز عام 1948 في محلة المهدية بمدينة الحلة، ونشأ في أسرة ذات جذور شعرية راسخة، فهو حفيد الشاعرين الشيخين صالح الكواز وحمادي الكواز، اللذين عرفا في العراق، وأسهما في بواكير النهضة الأدبية خلال أواخر القرن التاسع عشر.
وقد تلقى علومه الأولى في مدارس الحلة، حيث بدأت موهبته الشعرية تتشكل منذ المرحلة الابتدائية. فكان يشارك في النشاطات المدرسية بإلقاء النصوص الشعرية، ومحاولة كتابة القصائد ومحاكاتها، وقد ساعده حفظ القرآن الكريم قبل دخوله المدرسة على امتلاك رصيد لغوي أسهم في صقل ذائقته العربية.
وفي إعدادية الحلة للبنين، واصل اهتمامه بالأدب، وحظي بتشجيع أساتذته الذين أدركوا مبكراً ميله إلى الشعر، فاختار دراسة اللغة العربية وآدابها في كلية التربية بجامعة بغداد، ونال شهادة البكالوريوس عام 1970.
كان عام 1967 محطة مهمة في مسيرة جبار الكواز، حين نشر أول نص شعري له بعنوان (يا ليلنا الساري) في جريدة (كل شيء) البغدادية، وهو في التاسعة عشرة من عمره. وخلال سنواته الجامعية، اتسعت تجربته الأدبية، فنشر قصائده في الصحف والمجلات الثقافية العراقية، وشارك في مهرجانات طلابية وشبابية في العراق وسوريا والأردن عام 1970.
لم يكن الشعر عنده مجرد هواية عابرة، بل تحول إلى مشروع حياة، يقوم على القراءة والكتابة والتجربة، وعلى البحث الدائم عن لغة قادرة على التعبير عن الإنسان ومشاغله وتحولات عصره.
بدأ الكواز كتابة الشعر العمودي، ونشر مئات النصوص العمودية والدراسات النقدية، ثم انتقل إلى قصيدة التفعيلة، فقصيدة النثر، التي اتجه إليها بوعي واضح منذ بداية تسعينيات القرن الماضي. وقد رأى في قصيدة النثر فضاء مفتوحاً يمنح الشاعر قدرة أوسع على التعبير عن تجاربه بقوة اللغة وعمق الرؤيا، بعيداً عن الجمود الذي قد يصيب بعض القوالب التقليدية.
هذا التحول يكشف عن تجربة لا تتوقف عند شكل واحد، بل تسعى إلى تطوير أدواتها، والتفاعل مع التحولات التي شهدها الشعر العربي الحديث. فالشاعر الذي يحترم التراث لا يعني أنه يرفض التجديد، بل يستطيع أن يجعل من الموروث منطلقاً لا قيداً، ومن الحداثة وسيلة لتوسيع أفق القصيدة. وإلى جانب الشعر، كتب جبار الكواز الأغنية والنشيد والأوبريت الغنائي، ونشر نتاجه في الصحف المحلية والعربية، وأسهم في مهرجانات المربد الشعرية وغيرها من المهرجانات والأمسيات والندوات الأدبية.
ارتبطت المسيرة الأدبية للكواز بمسيرة مهنية في ميدان التعليم. فقد عمل مدرساً في الجزائر بين عامي 1970 و1974، ثم في محافظة بابل بين عامي 1974 و1986، ومارس الإشراف الاختصاصي التربوي في اللغة العربية بين عامي 1986 و1997، قبل أن يعمل في التدريس بليبيا بين عامي 1997 و1999. وقد أسهم هذا المسار في تعميق صلته باللغة العربية، وفي الجمع بين المعرفة الأكاديمية والممارسة الأدبية. فالمعلم الذي ينقل اللغة إلى الأجيال، والشاعر الذي يعيد تشكيلها في القصيدة، يلتقيان في الإيمان بأن الكلمة قادرة على بناء الوعي وتهذيب الذائقة. واليوم، بعد تقاعده عن العمل الوظيفي، يواصل حضوره في المشهد الثقافي، مؤمناً بأن الإبداع لا يرتبط بعمر وظيفي، وأن الكتابة الحقيقية تستمر ما دامت الأسئلة حاضرةً في وجدان صاحبها.
لم يقتصر دور جبار الكواز على كتابة الشعر، بل كان له حضور في العمل الثقافي والمؤسسي. فقد ترأس اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين في بابل لسبع دورات انتخابية، وكان من المؤسسين الأوائل للاتحاد في المحافظة.
كما شغل عضوية المجلس المركزي للاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق لخمس دورات انتخابية، وعضوية المكتب التنفيذي للاتحاد في دورتي 2016–2019 و2019–2022، وتولى أمانة العلاقات الداخلية فيه. وهو عضو في اتحاد الأدباء والكتاب العرب، ونادي الكتاب العراقي، وهيئة تحرير جريدة (الجنائن البابلية). وتعكس هذه المسؤوليات إسهامه في رعاية النشاط الأدبي، وتعزيز التواصل بين الأدباء، والمشاركة في الفعاليات التي تمنح الثقافة العراقية حضورها المستحق.
ترجمت نصوص من أعمال جبار الكواز إلى لغات متعددة، منها الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والإسبانية والصينية والتركية والفارسية والعبرية. كما وردت معلومات عن أعماله الأدبية في (معجم أعلام العراق). إن وصول النص الشعري إلى لغات أخرى يمنحه فرصة للقاء قراء جدد، ويؤكد أن التجربة الأدبية، حين تمتلك صدقها الفني، تستطيع أن تتجاوز حدود المكان واللغة. غير أن قيمة الشاعر لا تقاس بالترجمات أو المناصب وحدها، وإنما بما يتركه من أثرٍ في ذاكرة القارئ، وبقدرته على أن يجعل من القصيدة مساحةً للإنسان، ومن اللغة أداةً لاكتشاف الحياة.
إن استحضار تجربة جبار الكواز هو استحضار جانب من ذاكرة الحلة الأدبية، وتأكيد أن المدن التي أنجبت الشعراء لا تتوقف عن تجديد أصواتها، وأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تواصل حضورها، مهما تغيرت الأزمنة والأشكال.