نبيل عبد الأمير الربيعي
ماذا يبقى من ثورة اندلعت قبل خمسة وستين عاماً، إذا لم نقرأ تضحياتها بوصفها درساً للمستقبل، لا مجرد ذكرى للماضي؟
ثورة أيلول الكوردية، التي اندلعت عام 1961، لم تكن مجرد مواجهة عسكرية في جبال كوردستان، بل كانت تجربة سياسية واجتماعية تركت أثراً عميقاً في تاريخ العراق الحديث، وأسهمت في تشكيل وعي جديد بالحقوق القومية والديمقراطية والهوية وبناء المؤسسات.
لم تولد القضية الكوردية مع ثورة أيلول، بل سبقتها عقود من المطالبة بالحقوق القومية والسياسية. فقد شهد العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة حركات وانتفاضات كوردية متعددة، وتزايد حضور القضية الكوردية بعد تأسيس المملكة العراقية، ثم برزت بصورة أوضح في أربعينيات القرن العشرين مع صعود الحركة السياسية الكوردية وظهور الحزب الديمقراطي الكوردستاني عام 1946 بقيادة الملا مصطفى بارزاني.
بعد ثورة 14 تموز 1958، برزت آمال جديدة بإمكانية بناء عراق يعترف بتعدده القومي، ولا سيما أن الدستور المؤقت أقر الشراكة بين العرب والكورد. غير أن الخلافات السياسية وتعثر تنفيذ المطالب الكوردية أدت إلى تصاعد التوتر بين بغداد والحركة الكوردية، وصولاً إلى اندلاع ثورة أيلول عام 1961.
ومنذ ذلك التاريخ دخلت القضية الكوردية مرحلة جديدة من الصراع السياسي والعسكري، تخللتها فترات من الحرب والمفاوضات والاتفاقات، كان أبرزها اتفاق 11 آذار 1970 الذي مثل محاولة مهمة لإيجاد تسوية سياسية والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي.
لم تكن البندقية غاية الثورة، بل وسيلة في صراع حمل مشروعاً سياسياً ارتبط بالديمقراطية للعراق والاعتراف بالحقوق القومية للشعب الكوردي ضمن عراق تعددي. ومن هنا، فإن اختزال الثورة في المعارك العسكرية وحدها يضيق من دلالتها التاريخية، لأنها كانت أيضاً تجربة في التنظيم السياسي والاجتماعي والثقافي.
خلال سنوات الثورة الطويلة، شهد المجتمع الكوردستاني تحولات مهمة في بنيته الاجتماعية. فقد برز إلى جانب الزعامات التقليدية جيل جديد من الكوادر السياسية والميدانية، ضم الفلاحين والمثقفين والطلبة وأصحاب المهن والبيشمركة.
كما أسهمت الثورة في توسيع مفهوم الهوية الكوردستانية، عندما جمعت أبناء مناطق وشرائح اجتماعية مختلفة في تجربة مشتركة، فتجاوز الانتماء تدريجياً حدوده المحلية إلى شعور أوسع بقضية وذاكرة ومصير مشترك.
كان اتفاق 11 آذار 1970 محطة مهمة في مسار القضية الكوردية، لأنه فتح الباب أمام الاعتراف الرسمي بالحقوق القومية للشعب الكوردي، وأتاح مساحة أوسع للعمل السياسي العلني وبناء الكوادر والمؤسسات. لكن التجربة تركت درساً بالغ الأهمية: أن الاتفاقات السياسية لا تصنع الحلول بمفردها ما لم تتوافر إرادة حقيقية لتنفيذها وضماناتها القانونية والسياسية. وهذا الدرس لا يخص القضية الكوردية وحدها، بل يمثل درساً عراقياً عاماً في العلاقة بين النصوص السياسية وواقع التطبيق.
أدركت الحركة الكوردية مبكراً أن القضية لا يمكن أن تبقى محصورة في الجبال، ولذلك أولت اهتماماً بالإعلام والدبلوماسية والنشاط الثقافي. فقد أصبحت الصحافة والإذاعة وسيلتين لنقل الأخبار والمواقف، ومواجهة الرواية الرسمية، وربط المناطق المتباعدة. كما أسهم النشاط الثقافي والفني والشعري في تشكيل ذاكرة جماعية للثورة. فبعض ما بقي في وجدان الناس عن تلك المرحلة لم تحفظه الوثائق السياسية والعسكرية وحدها، وإنما حفظته الأغنية والقصيدة والصورة والحكاية الشعبية.
من الثورة إلى تجربة الحكم
من الخطأ النظر إلى تجربة الحكم في إقليم كوردستان بعد انتفاضة عام 1991 وكأنها بدأت من نقطة الصفر؛ فقد سبقتها خبرات سياسية وتنظيمية وإدارية تراكمت خلال عقود. لقد تعلمت الحركة الكوردية، عبر تجربتها، أن إدارة المجتمع تختلف عن مقاومة السلطة؛ فالمقاومة تحتاج إلى تنظيم وصمود، أما الحكم فيحتاج إلى مؤسسات وقوانين وكفاءات وخدمات ومساءلة.
وهنا تكمن إحدى أهم التحولات التي انتقلت فيها القضية من ساحات المواجهة إلى ميادين السياسة والإدارة والدبلوماسية وبناء المؤسسات.
بعد خمسة وستين عاماً، لا يكفي أن نقرأ ثورة أيلول من خلال معاركها وتضحياتها فقط. الأهم أن نقرأ ما تركته من دروس في السياسة والمجتمع والدولة. لقد أثبتت التجربة أن أي قضية سياسية لا يمكن حلها بالقوة وحدها، وأن الحقوق تحتاج إلى اعتراف دستوري ومؤسسات وضمانات، وأن الاتفاق السياسي لا يكتسب قيمته الحقيقية إلا عندما يتحول إلى ممارسة وواقع.
كما أثبتت أن قوة أي حركة لا تقوم على المقاتلين وحدهم؛ فهي تحتاج إلى السياسي والمثقف والمعلم والطبيب والإعلامي والدبلوماسي والإداري، وإلى مؤسسات قادرة على تحويل التضحيات إلى منجزات مستدامة.
إن الوفاء لثورة أيلول لا يكون باستعادة ذكراها في المناسبات فقط، وإنما بفهم أسبابها ونتائجها، واستخلاص دروسها، وحماية ما تحقق من مكتسبات، وتقوية المؤسسات، واحترام التعدد، وترسيخ سيادة القانون. فالثورات لا تقاس فقط بعدد سنواتها أو حجم تضحياتها، وإنما بما تتركه في وعي الأجيال وبما تفتحه من أبواب للمستقبل.
بعد خمسة وستين عاماً، تبقى ثورة أيلول أكثر من ذكرى كوردية؛ إنها فصل مهم من تاريخ العراق الحديث، وتجربة تؤكد أن الشعوب تستطيع، بالصمود والتنظيم والوعي السياسي، أن تحول سنوات المحنة إلى خبرة سياسية واجتماعية، وأن تنقل قضيتها من الجبل إلى فضاءات السياسة والمؤسسات. ويبقى السؤال الذي ينبغي أن تطرحه ذكراها اليوم: هل نستطيع أن نحول ذاكرة التضحيات إلى مشروع للمستقبل، بحيث تكون الدولة والمؤسسات والعدالة وكرامة الإنسان هي الثمرة الحقيقية لكل تلك السنوات؟