عندما يضيع مفهوم الوطنية

مهند محمود شوقي

تلك الشعوب التي عانت الاحتلالات، وما زالت تدفع ثمن حدود رُسمت سلفاً، لم تتوقف عن البحث عن تعريف الوطن. وطن حاضر في الخرائط، لكنه قد يغيب في الشعور، وموجود في الدساتير والقوانين، لكنه لا يكون دائماً حاضراً في حياة الناس. وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فالوطن ليس حدوداً مرسومة على الخرائط فقط، وإنما إحساس بأن هذا المكان لنا، وأن ما يحدث فيه يعنينا، وأن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الآخرين الذين يعيشون معنا.
الدول تستطيع أن ترسم حدودها، وتضع دستوراً، وتبني مؤسسات، وترفع علماً، لكن كل ذلك لا يكفي وحده لصناعة وطن. الوطن يحتاج إلى شعور مشترك، وهذا الشعور لا يولد بالأوامر ولا بالخطابات الرسمية، بل يتشكل مع الوقت من خلال العدالة والثقة والذاكرة والثقافة وطريقة تعامل الناس مع بعضهم.
الديمقراطيات الحديثة حاولت أن تجد صيغة تسمح للجميع بالعيش داخل دولة واحدة رغم اختلافهم في الدين والقومية واللغة والسياسة. ولهذا جاءت التعددية وحقوق المواطنة ونبذ العنصرية والطائفية. لكن الديمقراطية لا تنجح بمجرد إجراء الانتخابات، كما أن التعددية لا تنجح بمجرد الاعتراف بها في الدستور. يبقى السؤال الأصعب: هل يشعر المواطن أن الدولة تخصه مثلما تخص غيره؟
عندما لا يجد الإنسان جواباً مقنعاً، يبدأ بالبحث عن انتماء آخر أكثر قرباً منه. طائفته، قوميته، مدينته، عشيرته، حزبه أو جماعته. ولا تكون المشكلة في هذه الانتماءات بحد ذاتها، فالإنسان لا يستطيع أن يمحو تاريخه ولغته وثقافته. المشكلة تبدأ عندما يشعر أن هويته الصغيرة هي الحماية الوحيدة المتاحة له، وأن الدولة لا تستطيع أن تمنحه ما يحتاج إليه.
العراق يقدم مثالاً واضحاً على ذلك. فقد اختار دستور عام 2005 النظام الاتحادي، واعترف بإقليم كوردستان إقليماً اتحادياً، ووضع قواعد للعلاقة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمحافظات، كما تناول الصلاحيات والثروات والمناطق التي تحتاج إلى معالجة دستورية.
لكن سنوات طويلة مرت، وما زالت ملفات أساسية في العلاقة بين بغداد وأربيل تنتقل من أزمة إلى أخرى. الصلاحيات، والموارد المالية، وإدارة الثروات، والمادة 140، والمناطق المشمولة بها، وغيرها من القضايا، لم تجد كلها طريقاً مستقراً إلى التطبيق.
وهنا لا نتحدث عن خلاف قانوني فقط. عندما يبقى جزء من الدستور معلقاً بين التفسير والتفاوض والسياسة، فإن المواطن يشعر بأن الدولة نفسها لم تحسم بعد شكل العلاقة بين مكوناتها. الدولة الاتحادية تحتاج إلى قواعد واضحة يعرفها الجميع ويلتزم بها الجميع. لا يمكن أن تصبح كل أزمة مالية أو سياسية مناسبة لإعادة فتح السؤال عن صلاحيات هذا الطرف أو ذاك.
الفيدرالية ليست تفكيكاً للدولة، والمركزية ليست دليلاً على قوتها. الدولة تكون قوية عندما يعرف المركز صلاحياته، ويعرف الإقليم والمحافظة صلاحياتهما، ويعرف المواطن إلى من يلجأ عندما يختلف مع أي طرف. أما عندما تبقى الحدود بين الصلاحيات ضبابية، فإن الخلاف السياسي سرعان ما يتحول إلى خلاف على الدولة نفسها.
ومن هنا نصل إلى الإعلام، لأنه أحد أكثر المجالات تأثيراً في تشكيل هذا الشعور.
الإعلام الذي يفترض أن يجمع الناس حول الحقيقة يمكن أن يتحول إلى وسيلة لضرب الوطنية. الخبر يصبح منحازاً، والصورة تصبح سلاحاً، والضيف لا يُستدعى دائماً لإقناع المشاهد، وإنما أحياناً لإثارة غضبه. ومع الوقت يصبح لكل جماعة إعلامها، ولكل جمهور روايته، ويعيش الناس داخل شاشات مختلفة رغم أنهم يعيشون في البلد نفسه.
حتى الخطاب التحليلي لم يسلم من ذلك. المفترض أن يساعد التحليل الناس على فهم ما يجري، وأن يشرح لهم خلفيات الأحداث ومصالح الأطراف ونتائج القرارات. لكنه يتحول أحياناً إلى رصاصات مدفع بين الجماهير. المحلل لا يشرح الحدث بقدر ما يحاول تسجيل هدف على الطرف الآخر، والجمهور لا ينتظر المعلومة بقدر ما ينتظر من ينتصر لمعسكره.
وهنا تفقد السياسة معناها، ويتحول الإعلام من مساحة للنقاش إلى جزء من المعركة.
والفن ليس بعيداً عن هذه الحالة.
الفن يستطيع أن يجمع الناس بطريقة لا تستطيع السياسة أن تفعلها. أغنية واحدة قد تحفظ ذاكرة مدينة، وفيلم قد يجعل الإنسان يرى حياة شخص يختلف عنه، ورواية قد تعيد فتح صفحة من التاريخ لم يعد أحد يتحدث عنها. لكن عندما يدخل منطق المحاصصة إلى الفن، يصبح السؤال عن هوية الفنان أهم من عمله، وعن الجهة التي يمثلها أهم من قيمة ما يقدمه.
عندها يخسر الفن حريته.
أما الثقافة، فالمشكلة فيها أكبر. الثقافة يفترض أن تكون المكان الذي يتسع للجميع، وأن يكون الاختلاف فيها أمراً طبيعياً. لكنها عندما تخضع لمنطق القوة، تتحول إلى نظرية غاب؛ الأقوى يفرض روايته، والأعلى صوتاً يطرد الصوت الآخر، والأكثر نفوذاً يحصل على المساحة الأكبر.
وهكذا تتغير الأشياء من حولنا بالتدريج: الإعلام يتحول إلى وسيلة للانقسام، والتحليل إلى تعبئة، والفن إلى محاصصة، والثقافة إلى صراع على من يملك حق الكلام.
ثم نسأل بعد ذلك: لماذا تراجعت الوطنية؟
الوطنية لا تختفي فجأة. تبدأ من فقدان الثقة. المواطن الذي يشعر أن القانون لا يحميه مثل غيره، وأن الفرص مرتبطة بالانتماء، وأن صوته لا يسمع إلا في موسم الانتخابات، لن يكون من السهل إقناعه بأن الوطن فوق كل شيء.
الوطنية الحقيقية لا تعني أن يتخلى الكوردي عن كوردستانيته، ولا العربي عن عروبته، ولا المسيحي عن مسيحيته، ولا المسلم عن دينه. المطلوب ليس محو الهويات، وإنما منعها من التحول إلى جدران تفصل الناس عن بعضهم.
الدولة التي تحترم مواطنيها لا تحتاج إلى مطالبتهم كل يوم بحبها. يكفي أن يشعر المواطن أن كرامته محفوظة، وأن القانون فوق الجميع، وأن اختلافه لا يجعله مواطناً من الدرجة الثانية.
لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس سقوط الدولة، بل بقاء الدولة بينما ينسحب الوطن من قلوب الناس.
قد تبقى الحدود، والدستور، والمؤسسات، والأعلام، والانتخابات، لكن إذا أصبح المواطن يرى نفسه أولاً من خلال جماعته، ثم يرى الوطن بعد ذلك، فقد بدأ الخلل الحقيقي.
الوطنية ليست أن نتفق في كل شيء.
الوطنية أن نختلف ولا نخاف من بعضنا.
أن نختلف في السياسة ولا نختلف على حق الآخر في الوطن.
أن يحمل كل منا هويته، من دون أن يستخدمها لإلغاء هوية غيره.

قد يعجبك ايضا