زهير كاظم عبود
الدستور يعد القانون الاسمى واعلى مراتب التنظيم القانوني ويعلو على القوانين واللوائح الأخرى في الدولة ، ولايجوز مخالفة نصوصه او قواعده ، وهو الذي ينظم عمل الدولة العراقية ، وضمن النصوص التي تسري على الجميع دون استثناء ، حظر تكوين تشكيل عسكري خارج اطار القوات المسلحة ، وهو ما اشارت له الفقرة (ب) من المادة ٩| أولا منه ، وبهذا يصبح احتكار الدولة للقوة المسلحة وبوحدة القرار العسكري والأمني ، بالإضافة الى قيادة القوات المسلحة في العراق أصبحت خاضعة للسلطة التنفيذية ، وفقا لنص المادة (٧٨ ) من الدستور حيث يكون رئيس مجلس الوزراء هو القائد العام للقوات المسلحة ، ومن بين ابرز مهماته في قيادة القوات المسلحة الدفاع عن السياسة العامة الأمنية والوطنية للبلاد ، وبهذا الامر فان أي تشكيل عسكري خارج نطاق القوات المسلحة يعد خرقا دستوريا ومخالفا للقوانين .
وخلال الفترة الماضية تشكلت عدد من التشكيلات المسلحة التي تجد ان وجود القوات الأمريكية المسلحة في العراق يعد انتهاكا للسيادة ولمبدأ الاستقلالية، وطالبت هذه التشكيلات بخروج تلك القوات، وهي وجهة نظر بينما وجد عدد آخر من التشكيلات المسلحة عليها ان تنضوي تحت مظلة الحكومة العراقية التي عليها واجب الدفاع الموحد عن سيادة العراق واستقلاليته، وانخرطت ضمن تشكيلات تنظيم الحشد الشعبي الذي أصبح ضمن التشكيلات العسكرية للقوات المسلحة، في حين انخرط عدد آخر ضمن العملية السياسية المدنية.
وبقيت عدد من التشكيلات المسلحة خارج اطار القوات المسلحة ، ونشرت مطالبها في اخراج القوات الامريكية والتركية وبعض فصائل المعارضة الإيرانية المسلحة ، وإزاء هذا الاشكال قررت الحكومة العراقية متمثلة برئيس الوزراء دعوة كل تشكيل خارج اطار القوات المسلحة لتقويم وضعه القانوني خلال الفترة لغاية نهاية هذا الشهر ، ومثل هذا الامر يرتبط بمسؤولية الحكومة التنفيذية على انفاذ الدستور والقوانين ، وهذه المسؤولية يشترك بها جميع الأطراف بما فيها التشكيلات المسلحة التي لم تنضوي ضمن القوات المسلحة ، والتي لا يمنحها الدستور والقوانين حصانة من المسؤولية القانونية ، لان مسؤولية تنفيذ سياسة الامن الوطني واستقلال البلاد من مسؤولية السلطة الاتحادية عن طريق القوات المسلحة الوطنية ، وحيث لا يجوز ان يكون في الدولة مركزان للقرار العسكري .
وما يلفت النظر ان ليس كل تشكيل مسلح خارج القوات المسلحة بالضرورة غير قانوني، إذا كان قد تم أنشاءه بقانون وتم إدخاله ضمن المنظومة الرسمية للقوات المسلحة، واخضاعه للقيادة العسكرية والسيطرة عليه وفقا للقوانين العسكرية، حيث ان قانون هيئة الحشد الشعبي رقم ٤٠ لسنة ٢٠١٦ اعتبر هذا التشكيل عسكريا مستقلا وجزء تابع للقوات المسلحة العراقية، ويرتبط بالقائد العام للقوات المسلحة، وتخضع تشكيلاته للقوانين العسكرية، والمعيار هو تابعية هذا التشكيل ومن يصدر اليه الاوامر؟ ومن يعين قياداته؟ من يقوم بتمويله وامداده بالسلاح؟
الإشكالية الدستورية التي تتعارض مع النص لا تتحدث فقط عن سلاح خارج المؤسسة العسكرية ، انما عن عدم خضوع هذا التشكيل او غيره عن الدولة بصورة مستقلة ، وارتباطه بحزب او جهة سياسية وهو ما يتعارض مع الفقرة ( ج) من المادة ٩|أولا من الدستور ، وان السيادة للشعب ، والشعب هو مصدر جميع السلطات وتستمد شرعيتها منه ، لذلك فان الحل الدستوري والقانوني السليم ليس بتسليم السلاح وحل التشكيل المسلح فقط ، انما اخضاعه للقانون ، او دمجه قانونيا ومؤسساتيا في اطار القوات المسلحة العراقية ، لتوحيد القيادة والقرار والسلاح ، وانهاء وجوده خارج اطار القوات المسلحة وفقا للإجراءات القانونية التي اتخذتها الحكومة .
وإزاء المطالب التي رفعتها التشكيلات العسكرية وهم من أبناء شعبنا العراقي ، ومن اجل ان لا تتأزم القضية وتصل الى المواجهة التي يخسر بها العراق وليس غيره ، ومن اجل التوصل الى نتيجة واحدة وسلاح واحد وقرار امني واحد ان يكون حلا سياسيا وقانونيا بعيدا عن الحل العسكري ، حيث ان حصر السلاح بيد الدولة هو نص دستوري يوفر الأساس لهذا المسار ، وليس مشروعا للإقصاء ، والابتعاد عن عبارة ( نزع السلاح ) لإنها لا تتناسب مع الحلول السياسية للمشكلة القائمة ، وان يصار الى الدعوة الصريحة لانضواء هذه التشكيلات ضمن اطار القوات المسلحة او تشكيلات الحشد الشعبي ، وانه طلب يتناقض مع طلب الاستسلام ونزع السلاح .
ان الغاية التي تريد الحكومة تحقيقها بإنهاء ظاهرة السلاح خارج الدولة، بضمان الحقوق المدنية لمنتسبي تلك التشكيلات والعودة للعمل السياسي لمن يرغب بالعمل السياسي دون احتفاظه بالتشكيل المسلح، او بانضمام من يرغب منهم الى القوات المسلحة او الأمنية وفق المعايير المهنية والقانونية وإعادة دمجهم بتلك المؤسسات، وان تسليم السلاح لا يعني باي شكل من الاشكال اسقاط الحقوق، وبهذا نحفظ هيبة الدولة ونحقن الدم العراقي.