عرفان الداوودي
كوردستان واحة الأمن والأمان.. ورسائل سياسية من الأسواق والكنائس ومضايف الشيوخ
لم تكن زيارة السيد عمار الحكيم إلى أربيل ودهوك مجرد زيارة سياسية تقليدية، ولا محطة بروتوكولية تقتصر على لقاءات المسؤولين. فقد حملت الزيارة مشهداً مختلفاً لفت أنظار المواطنين والمتابعين، حين ظهر الحكيم وهو يتجول في شوارع وأسواق المدينتين، ويلتقي المواطنين ويتحدث معهم بصورة مباشرة، بعيداً عن مظاهر الحماية المشددة والحواجز التي اعتاد العراقيون رؤيتها حول كبار الشخصيات السياسية.
المشهد بحد ذاته يحمل دلالة تتجاوز تفاصيل الزيارة؛ فأن يتجول سياسي عراقي بارز بين الناس في مدينتي أربيل ودهوك، ويتوقف في الأسواق والأماكن العامة، ويلتقي المواطنين بصورة عفوية، يعكس جانباً من حالة الأمن والاستقرار التي تتمتع بها مدن إقليم كوردستان.
كوردستان بلد الأمن والأمان؛ عبارة لم تعد مجرد شعار، بل مشهد يمكن رؤيته في تفاصيل الحياة اليومية، وفي قدرة المسؤول والضيف والزائر على الحركة بين الناس بعيداً عن أجواء القلق والخوف.
من الشارع إلى طاولة السياسة
وراء المشهد الشعبي والإنساني للزيارة، كانت هناك ملفات سياسية مهمة حاضرة في اللقاءات التي أجراها الحكيم مع قيادة الحزب الديمقراطي الكوردستاني، وفي مقدمتها موضوع استكمال الكابينة الحكومية، وضرورة استمرار الحوار والتنسيق بين القوى السياسية العراقية والكوردستانية.
كما حضرت قضية حصر السلاح بيد الدولة، وهي من الملفات التي تشكل محوراً أساسياً في النقاش العراقي، إلى جانب موضوع انسحاب القوات الأمريكية ومستقبل الوجود الأجنبي في العراق، فضلاً عن العلاقات بين الحكومة الاتحادية وإقليم كوردستان، والبحث عن آليات أكثر فاعلية لمعالجة الملفات العالقة بين بغداد وأربيل.
هذه الملفات لا تحتاج إلى مزيد من التصعيد بقدر ما تحتاج إلى تفاهم سياسي جاد وإرادة مشتركة؛ فالتجربة العراقية أثبتت أن الحوار، مهما طال، يبقى أقل كلفة من الخلاف المفتوح.
دهوك.. السياسة تدخل المضيف الكوردي
في دهوك، أخذت الزيارة بعداً اجتماعياً أكثر وضوحاً. فقد كان لافتاً أن يكون السيد عمار الحكيم إماماً لصلاة الجماعة في مضيف أحد شيوخ العشائر الكوردية.
المشهد لم يكن دينياً فحسب، بل كان رسالة عراقية بامتياز: اختلاف القومية أو المذهب لا ينبغي أن يتحول إلى جدار يفصل العراقيين عن بعضهم.
وفي مدينة مثل دهوك، التي تجمع الكورد والعرب والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم، تبدو رسائل التعايش أكثر حضوراً في الحياة اليومية من كثير من الخطابات السياسية.
وهنا تبرز قيمة الزيارة؛ فالتقارب الحقيقي لا يصنعه السياسيون في قاعات الاجتماعات فقط، وإنما تصنعه أيضاً المجالس والمضايف والأسواق ودور العبادة والجامعات واللقاء المباشر مع الناس.
أربيل وبغداد.. التفاهم مخرج الأزمات
من أبرز القضايا التي تتكرر في العلاقة بين المركز والإقليم أهمية تنسيق المواقف والحوار المستمر بين بغداد وأربيل.
فالزيارات المتبادلة والوفود السياسية قد تفتح أبواب الحوار، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الملفات الخلافية. فبعد انتهاء الزيارات تعود أحياناً الخلافات إلى الواجهة، ويعود معها الحديث عن التفاهم بوصفه المخرج الوحيد للأزمات.
ولهذا فإن أهمية مثل هذه الزيارات لا تكمن في الصور واللقاءات فقط، وإنما في قدرتها على تحويل الحوار السياسي إلى تفاهمات عملية تحفظ حقوق الجميع، وتدعم استقرار العراق الاتحادي.
ديوان محافظة دهوك.. حديث آخر مع الإدارة المحلية
كما شملت زيارة الحكيم ديوان محافظة دهوك، حيث التقى المحافظ والمسؤولين في الإدارة المحلية، في لقاء يفتح نافذة أخرى على واقع المحافظة وتجربتها في الإدارة والتنمية والخدمات.
دهوك اليوم ليست مجرد محافظة حدودية، بل واحدة من الواجهات التي تقدم صورة مختلفة عن العراق من حيث الاستقرار والتعايش والحركة الاقتصادية والسياحية.
من السياسي إلى الإنسان.. لقاء المسيحيين
وفي محطة ذات دلالة إنسانية، التقى الحكيم أبناء المكون المسيحي في كنيسة المشرق الآشورية.
الرسالة هنا تتجاوز حدود المجاملة؛ فالعراق الذي عانى من الإرهاب والانقسام يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين مكوناته، وإلى التأكيد بأن المسيحي والكوردي والعربي والتركماني والإيزيدي، والمسلم والمسيحي، جميعهم شركاء في الوطن.
وكانت زيارة الحكيم للكنيسة جزءاً من صورة أوسع أرادتها الزيارة: العراق وطن متعدد، وقوة هذا التنوع في التعايش لا في الصراع.
الجامعة.. لقاء مع المستقبل
ومن الكنيسة إلى الجامعة، انتقلت الزيارة إلى فضاء آخر يمثل مستقبل العراق.
فلقاء رئيس الجامعة يحمل في رمزيته حديثاً عن التعليم والعلم ودور الجامعات في بناء الدولة، خصوصاً في مرحلة يحتاج فيها العراق إلى الاستثمار في الإنسان بقدر حاجته إلى الاستثمار في البنى التحتية.
وفاء لشهداء البيشمركة
لكن ربما كانت أكثر محطات الزيارة تأثيراً تلك التي حملت بعداً إنسانياً ووطنياً واضحاً، عندما زار السيد عمار الحكيم عوائل شهداء البيشمركة الذين استشهدوا في الحرب ضد تنظيم داعش في مدينة دهوك.
كما زار مقهى الشهداء، وكتب رسالة استذكار وتقدير لشهداء البيشمركة ولأهالي دهوك، مؤكداً أن التضحيات التي قدمها هؤلاء الشهداء كانت من الأسباب التي جعلت العراق ينعم بالأمن والاستقرار.
وهنا تتوقف السياسة لحظة أمام الشهادة.
فالحرب ضد داعش لم تكن معركة تخص منطقة أو مكوناً بعينه؛ كانت معركة العراقيين جميعاً، وكان لدماء البيشمركة والقوات الأمنية العراقية والمتطوعين دور حاسم في مواجهة الإرهاب.
الخلاصة.. زيارة بلا حواجز
قد تكون الصورة الأبرز من زيارة السيد عمار الحكيم إلى أربيل ودهوك هي تلك التي لم تظهر خلف مكاتب المسؤولين، وإنما في الشارع والسوق والمضيف والكنيسة والجامعة ومقهى الشهداء.
سياسي عراقي يتجول بين الناس، يصلي في مضيف شيخ كوردي، يلتقي المسيحيين، يجلس مع المسؤولين المحليين، يزور عوائل الشهداء، ويتذكر تضحيات البيشمركة.
إنها صورة تختصر رسالة أكبر: الأمن يصنع مساحة للسياسة، والتعايش يصنع مساحة للوطن.
ومن أربيل إلى دهوك، بدت الرسالة واضحة: لا يمكن للعراق أن يبني مستقبله بالخلاف الدائم بين المركز والإقليم، ولا بالتصعيد بين مكوناته، وإنما بالحوار والتفاهم والشراكة واحترام الدستور.
فحين يستطيع السياسي أن يترك الحواجز خلفه، وينزل إلى الشارع، ويجلس مع الناس، فإن السياسة تستعيد شيئاً من معناها الحقيقي؛ أن تكون قريباً من المواطن، لا بعيداً عنه.
وكوردستان، بما شهدته من تضحيات في مواجهة الإرهاب وما تتمتع به من استقرار، تستطيع أن تكون جسراً للحوار لا ساحة للخلاف، وأن تبقى أربيل ودهوك عنواناً للأمن والتعايش والتآخي في عراق متعدد القوميات والمذاهب والأديان.