أنس الشيخ مظهر
أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه أي قارئ للمشهد العراقي هو أن ينظر إلى الدولة من نافذة بغداد وحدها. صحيح أن العاصمة هي مركز القرار ومقبض السلطة الاتحادية، لكنها ليست المعيار الوحيد الذي يُقاس به وزن العراق في محيطه. فثمة جغرافيا أخرى، داخل الحدود نفسها، تمنح البلاد ثقلاً إقليمياً يفوق بكثير ما تعكسه مؤسساتها السياسية، وفي صدارة هذه الجغرافيا يقف إقليم كوردستان.
الإقليم ليس مساحة إدارية ذات حصة فيدرالية، ولا مجرد طرف متكرر في سجالات الموازنة والنفط والرواتب. إنه يقف عند مفترق طرق نادر الحساسية، تتقاطع عنده مصالح أنقرة وطهران ودمشق وواشنطن في آن واحد، وتمر عبره خطوط التجارة والطاقة والأمن التي يصعب لأي جزء آخر من العراق أن يوفر بديلاً عنها. من هنا، فإن التعامل مع كوردستان بوصفه ملفاً داخلياً يُراد إخضاعه بالضغط المالي أو السياسي، هو أحد أكثر الحسابات كلفةً على الدولة العراقية نفسها، قبل أن يكون كلفة على الإقليم.
المنطق الجغرافي هنا أقوى من أي حسابات موسمية. فكوردستان هو الجزء الوحيد من العراق الذي يطل عملياً على أكثر من معادلة إقليمية حاسمة في الوقت ذاته. ولذلك فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح بجدية في بغداد هو “كيف نحوّل موقع الإقليم إلى رافعة تعظّم نفوذ العراق كله في المنطقة والعالم؟”.
الإجابة عن هذا السؤال تتضح حين نفكك المكاسب الاستراتيجية التي يمنحها موقع الإقليم للدولة الاتحادية، وهي مكاسب تتجاوز ما هو متداول في الخطاب السياسي المعتاد، وتمتد إلى أبعاد اقتصادية وديموغرافية وثقافية نادراً ما تُطرح معاً.
1- يمتلك الإقليم قدرة استثنائية على ممارسة دبلوماسية مرنة، مكّنته من بناء شبكة علاقات متينة مع دول الجوار والمجتمع الدولي في آن واحد. فلم يكتفِ بإدارة علاقة معقدة مع محيطه المباشر، بل نجح في مد جسور ممتازة مع العواصم العربية والغربية على حد سواء، دون أن يسقط في فخ الاستقطابات الحادة التي أنهكت أطرافاً إقليمية أخرى. هذه المرونة ليست رصيداً حصرياً لأربيل، بل هي احتياطي استراتيجي للدولة العراقية بأكملها، يمنحها منافذ خلفية للتواصل والتأثير لا توفرها أدوات الدبلوماسية الرسمية في بغداد وحدها.
2- تركيا ليست مجرد دولة جوار، بل بوابة العراق البرية نحو أوروبا، وشريك استراتيجي في الطاقة والتجارة والنقل. وبدل النظر إلى العلاقة التركية-الكوردية بعين الريبة، تستطيع بغداد أن تستثمر أربيل كجسر اتحادي يعزز اندماج العراق في الشبكة الدولية للنقل والطاقة، ويضمن نجاح مشاريع كبرى مثل “طريق التنمية”، التي لن تكتمل جدواها الاقتصادية من دون تفعيل حقيقي لدور الإقليم بوصفه محطة عبور وربط، لا مجرد نقطة على الخريطة.
3- لا يستطيع العراق تجاهل الثقل الإيراني في معادلاته الداخلية والخارجية، لكنه في المقابل لا يمكن أن يبني سياسة خارجية متوازنة إذا ظلت تحركاته حبيسة نطاق نفوذ واحد. انفتاح الإقليم على واشنطن والعواصم الغربية وأنقرة والعواصم العربية يمنح بغداد نفسها هامشاً أوسع للمناورة والصمود أمام الضغوط الخارجية، ويحول العراق من دولة محكومة بثنائية الخيارات إلى فاعل قادر على التوازن بين أكثر من محور في آن واحد.
4- بحكم الجغرافيا والامتداد الاجتماعي والسياسي، يمتلك الإقليم قدرة على قراءة تحولات الشمال السوري والتفاعل معها تفوق ما تملكه مساحات واسعة من العراق. دمج هذا النفوذ ضمن السياسة الخارجية لبغداد لا يمنح الدولة موطئ قدم إضافياً فحسب، بل دوراً فاعلاً في رسم أمن المنطقة ومكافحة الإرهاب، في لحظة تعيد فيها سوريا الجديدة تشكيل خرائط النفوذ على طول الحدود المشتركة.
5- تتميز البيئة الاستثمارية والإدارية في الإقليم بمرونة قانونية وقدرة أسرع على الجذب المالي والأتمتة الحكومية. يمكن لبغداد أن تستثمر هذه التجربة كحقل تجارب حي للسياسات العامة، تُختبر فيه القوانين الحديثة والإجراءات الرقمية على نطاق محدود، ثم تُعمَّم تدريجياً على بقية المحافظات بعد تصحيح أخطائها، بدلاً من فرض تجارب غير مختبرة على الدولة بأكملها دفعة واحدة.
6- التوازنات المعقدة التي تديرها أربيل، إلى جانب انفتاحها الدولي والعربي، تتيحان للعراق استضافة حوارات غير رسمية بين قوى متنافسة في المنطقة، تحت مظلة السيادة الاتحادية. بهذا المعنى يتحول العراق من ميدان لتصفية الحسابات الإقليمية إلى منصة لا غنى عنها لإدارتها، وهو دور نادراً ما يُلتفت إليه رغم قيمته الاستراتيجية العالية.
إلى جانب هذه المكاسب المعروفة، ثمة أبعاد أخرى أقل حضوراً في النقاش العام، لكنها لا تقل أهمية، بل ربما تكون أكثر حسماً في تحديد مستقبل العلاقة بين المركز والإقليم.
7- استوعب الإقليم على مدى عقود موجات متتالية من النازحين الفارّين من الحروب والانهيارات الأمنية في مناطق أخرى من العراق وسوريا، دون أن ينهار نسيجه الاجتماعي أو تهتز بنيته الخدمية بالقدر نفسه الذي حدث في مناطق أخرى. هذه القدرة على الاستيعاب لم تُقرأ يوماً كأصل استراتيجي، رغم أنها خففت الضغط عن بغداد ومدن أخرى في لحظات حرجة، وحمت الدولة من انفجارات ديموغرافية وأمنية كان يمكن أن تُعيد رسم خريطة العراق السكانية بالكامل.
8- المستثمر الدولي الحذر، الذي يتردد في الدخول مباشرة إلى بيئة عراقية يراها محفوفة بالمخاطر، غالباً ما يجد في استقرار الإقليم النسبي وبيئته القانونية الأكثر وضوحاً نقطة دخول أكثر أماناً. هذا الدور، وإن بدا محصوراً بأربيل ظاهرياً، ينعكس فعلياً على نظرة المؤسسات المالية والوكالات الدولية إلى العراق بمجمله، بوصفه دولة تحتضن نموذجاً استثمارياً واعداً، لا دولة محكومة بالمخاطر وحدها. إضعاف هذا النموذج لا يضر أربيل فقط، بل يسحب من العراق كله واجهة عرض كان يمكن البناء عليها لجذب رساميل أوسع.
9- يملك الإقليم بنية تحتية وعقوداً في مجالي الغاز والكهرباء يمكن، إذا أُحسن توظيفها ضمن استراتيجية اتحادية موحدة، أن تشكل رافعة حقيقية لتنويع مصادر الطاقة العراقية، بدلاً من بقاء البلاد رهينة لخطوط إمداد محدودة ومصادر خارجية متقلبة. هذا التنويع لا يخدم استقرار الشبكة الكهربائية فحسب، بل يمنح بغداد ورقة تفاوضية إضافية في ملفات الطاقة الإقليمية الحساسة، ويقلل من هشاشة موقعها التفاوضي كلما اشتد الخلاف مع أي طرف مورّد.
10- لقد ارتبطت صورة العراق في الإعلام العالمي لعقود بالحرب والصراع الطائفي والانفجارات. في المقابل، نجح الإقليم في تقديم نموذج مختلف نسبياً، من مدن أكثر انفتاحاً على السياحة والاستثمار الثقافي إلى فعاليات ومهرجانات جذبت اهتماماً دولياً متجدداً. توظيف هذه الصورة ضمن سردية وطنية جامعة، لا كاستثناء منفصل عن بقية العراق، يمنح الدولة فرصة نادرة لإعادة تسويق نفسها أمام العالم بصورة تتجاوز إرث العقود الماضية.
المعادلة في النهاية لا تحتمل اللبس , فقوة بغداد لا تزداد تلقائياً كلما ضعفت أربيل، بل إن أبسط قواعد التفكير الاستراتيجي تؤكد أن إضعاف أحد المفاصل الأساسية داخل جسد الدولة يقلل من قدرة الجسد كله على الحركة والفعل. والعراق، بموقعه المركّب بين جيران نافذين وصراعات دولية متشابكة، لا يملك رفاهية التفريط بأي ورقة من أوراقه.
فبغداد قد تستطيع أن تضغط على الإقليم، أو تعطّل اتفاقاً، أو تؤجل استحقاقاً مالياً إلى إشعار آخر، لكنها لا تستطيع نقل جغرافية كوردستان إلى مكان آخر، ولا استنساخ شبكة علاقاته الحيوية في أي بقعة أخرى من العراق. وإذا اختارت الدولة العراقية إضعاف هذا الموقع بدلاً من استثماره، فلن تكون قد خسرت أربيل وحدها، بل ستكون قد اقتطعت جزءاً أصيلاً من وزنها وقيمتها في المنطقة، في لحظة إقليمية لا تسمح لأي طرف بالتفريط في أوراقه الرابحة.