قاليباف والدولة الكوردية: تحوّل إيراني أم ورقة في صراع المحاور؟

فيصل اسماعيل اسماعيل

أثار تصريح رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف بشأن إمكانية قيام دولة كوردية، وأنها قد لا تكون بالضرورة ضد مصالح إيران، اهتماماً واسعاً. لكن أهمية التصريح لا تكمن في مضمونه فقط، بل في توقيته والظروف الإقليمية التي جاء فيها.
فهل نحن أمام تحول حقيقي في الموقف الإيراني من القضية الكوردية، أم أن التصريح رسالة سياسية إلى تركيا والسعودية وباكستان وحلفائها، في ظل إعادة تشكيل التحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط؟
يصعب فصل التصريح عن التاريخ الطويل للعلاقة بين إيران والحركة الكوردية. فقد اتبعت طهران لعقود سياسة أمنية صارمة تجاه المطالب الكوردية، وشهدت هذه المرحلة ملاحقة واعتقال واغتيال وإعدام معارضين كورد، وعمليات استهدفت قيادات وشخصيات كوردية، إضافة إلى استهداف أحزاب كوردية إيرانية خارج حدود إيران.
لذلك، فإن الحديث المفاجئ عن الدولة الكوردية يحتاج إلى أكثر من تصريح لكي يتحول إلى سياسة جديدة.
لماذا الآن؟
تأتي تصريحات قاليباف في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة ترتيب للتحالفات، مع تنامي التعاون بين تركيا والسعودية وباكستان، في مقابل تصاعد الضغوط على إيران.
ومن هنا يمكن قراءة التصريح كرسالة إلى خصوم طهران: إذا أصبحت القضية الكوردية ورقة للضغط على إيران، فإن إيران تستطيع هي أيضاً إعادة تعريف علاقتها بالكورد.
لكن هذا لا يعني أن إيران قررت دعم قيام دولة كوردية. فهناك فرق بين استخدام القضية الكوردية كورقة سياسية وبين الاعتراف بحق الكورد في تقرير مصيرهم.
الاختبار الحقيقي لإيران
المشكلة الأساسية أمام الخطاب الإيراني الجديد هي المصداقية.
فالكورد سيحكمون على طهران من خلال أفعالها لا تصريحاتها. وإذا كانت إيران قد وصلت فعلاً إلى قناعة بأن الاعتراف بحقوق الكورد يخدم الاستقرار، فإن الاختبار الأول يجب أن يكون داخل إيران نفسها: الاعتراف بالحقوق السياسية والثقافية والقومية للكورد، وتوسيع مشاركتهم السياسية، والتعامل مع القوى الكوردية باعتبارها طرفاً سياسياً لا ملفاً أمنياً.
عندها فقط يمكن الحديث عن تحول حقيقي.
ماذا يجب أن تفعل تركيا وحلفاؤها؟
تركيا أمام اختبار مهم أيضاً. فالكورد أصبحوا لاعباً أساسياً في معادلات الشرق الأوسط، ولم يعد من الممكن التعامل مع قضيتهم أمنياً فقط.
ولا يعني ذلك أن تتبنى تركيا مشروع الدولة الكوردية، بل أن تنتقل إلى الحوار ومعالجة القضية سياسياً، واحترام الحقوق الثقافية والسياسية للكورد.
كما أن السعودية وباكستان، في ظل علاقاتهما المتنامية مع تركيا، تستطيعان دعم الاستقرار الإقليمي من خلال تشجيع الحوار والحلول السياسية، بدلاً من التعامل مع القضية الكوردية كورقة في صراع المحاور.
وماذا يجب على الكورد؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأهم.
على الكورد ألا يتحولوا إلى أداة في صراع تركيا وإيران أو السعودية وإيران أو الولايات المتحدة وإيران.
المطلوب هو بناء مشروع سياسي كوردستاني واقعي، يقوم على وحدة الموقف في القضايا المصيرية، والعلاقات المتوازنة مع جميع الأطراف، والفصل بين القضية الكوردية وبين الأحزاب والتنظيمات.
فالقضية الكوردية أكبر من أي حزب أو قيادة، ولا ينبغي اختزالها في تنظيم أو محور إقليمي.
من ورقة إلى طرف
الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة، وقد تفتح التحولات الحالية نافذة مهمة أمام الكورد. لكن الاستفادة منها تتوقف على قدرتهم على الانتقال من موقع الورقة التي تستخدمها الدول عند الحاجة إلى موقع الطرف السياسي الذي يشارك في صناعة القرار.
لذلك لا ينبغي للكورد رفض تصريح قاليباف ولا تصديقه فوراً.
نرحب بأي تغيير إيجابي، لكننا ننتظر الأفعال.
فإذا ترجمت إيران تصريحها إلى حقوق حقيقية للكورد داخل إيران، فقد نكون أمام تحول استراتيجي مهم. أما إذا بقيت السياسة كما هي، فسيبقى التصريح أقرب إلى رسالة في صراع المحاور.
وفي المقابل، فإن المطلوب من الكورد ليس اختيار محور ضد آخر، بل بناء مشروع سياسي متكامل يكونالقضية الكوردية عامل اساسي للاستقرار في الشرق الاوسط، يجعل جميع المحاور مضطرة إلى التعامل معهم.
فالقضية الكوردية تصبح قوة عندما يمتلك أصحابها مشروعاً موحداً، لا عندما يختار الآخرون موقعها في صراعاتهم.

قد يعجبك ايضا