حين قرأ الشيخ عبد الواحد بارزاني حنين البيتوشي إلى بغداد

عرفان الداوودي

رحيل الجسد وبقاء الكلمة والذاكرة

هناك لحظات لا تكون فيها الصورة مجرد صورة، ولا يكون الصوت مجرد صوت، بل تتحول إلى ذاكرة كاملة تختصر سيرة إنسان ومكان وزمن.

ومن بين هذه اللحظات، ذلك المشهد المؤثر للراحل الشيخ عبد الواحد إبراهيم عبد السلام بارزاني، وهو يقرأ أبياتاً من شعر العلامة الكوردي عبد الله البيتوشي، في حنينه إلى العراق وبغداد.

لم يكن اختيار الشيخ عبد الواحد لهذه الأبيات عابراً؛ فالبيتوشي، وهو العالم والأديب الكوردي الذي عاش في بغداد وارتبط بها وجدانياً، ترك في شعره ورسائله صورة نادرة عن المحبة الصادقة للعراق، حتى قال في قصيدته الشهيرة:

«إني أحنُّ إلى العراقِ ولم أكن
لا من رصافتِهِ ولا من كرخه»

وهي أبيات تكشف كيف استطاعت بغداد أن تسكن قلب رجل جاء إليها من خارجها، فأصبحت بالنسبة إليه أكثر من مدينة؛ أصبحت ذاكرةً وعلماً وأهلاً ووطناً.

وهنا تزداد قيمة المشهد الذي يظهر فيه الشيخ عبد الواحد وهو يستعيد هذه الكلمات بصوته ووجدانه؛ وكأن الماضي يلتقي بالحاضر، وكأن بغداد التي أحبها البيتوشي تعود من خلال صوت رجلٍ من عائلة بارزاني العريقة، ليؤكد أن المحبة الحقيقية للعراق لا تعرف حدوداً قومية أو جغرافية.

فالشيخ عبد الواحد إبراهيم عبد السلام بارزاني، الذي عُرف بمكانته الرفيعة وتقواه وعبادته وفعل الخير، ترك برحيله أثراً عميقاً في نفوس من عرفوه. وقد وصفه الرئيس مسعود بارزاني، في نعيه، بأنه حفيد القائد الوطني والديني الشيخ عبد السلام بارزاني، ومثال للتقوى والعبادة وفعل الخيرات.

ولذلك فإن استذكار هذا المشهد اليوم، بعد رحيله، يحمل معنى مختلفاً.

إننا لا نستعيد فقط صوت الشيخ عبد الواحد وهو يقرأ الشعر، بل نستعيد روحاً كانت ترى في الكلمة جسراً بين الإنسان ووطنه، وبين الكوردي والعربي، وبين الماضي والحاضر.

فالبيتوشي كان كردياً، لكنه أحب بغداد والعراق وكتب عنهما بشوق بالغ، والشيخ عبد الواحد بارزاني كان كوردياً أصيلاً، لكنه يحمل في وجدانه مساحة واسعة للعراق بكل مكوناته ومدنه وذاكرته.

وهذه هي الرسالة الأجمل التي يمكن أن تبقى من ذلك المشهد:

أن العراق أكبر من الخلافات، وأعمق من السياسة، وأبقى من الصراعات العابرة.

العراق وطنٌ يسكن في الشعر، وفي ذاكرة العلماء، وفي قلوب أبنائه، مهما اختلفت قومياتهم ومذاهبهم ومناطقهم.

رحم الله الشيخ عبد الواحد إبراهيم عبد السلام بارزاني، الذي رحل جسداً وبقيت كلماته ومواقفه وذكرياته حاضرة في وجدان محبيه.

ورحم الله العلامة عبد الله البيتوشي، الذي ترك لنا من حنينه إلى بغداد دليلاً على أن المدن العظيمة لا يسكنها أهلها فقط، بل تسكن هي أيضاً في قلوب من أحبوها.

وبين صوت الشيخ عبد الواحد وأبيات البيتوشي، تبقى بغداد حاضرة… ويبقى العراق جامعاً لأبنائه.

قد يعجبك ايضا