رنج باراوي
الاحتلال لا يحتاج إلى جيوش أو قصف، بل يتسلل بصمت من خلال تلويث الهواء، وتجفيف التربة، وتدمير التوازن البيئي تحت وطأة أزمة المناخ والتراخيص غير القانونية. في فلسفة الدستور المعاصر، لم يعد العقد الاجتماعي مقتصراً على تنظيم السلطة وتوزيع الحصص وتحديد تخوم الحقوق السياسية. فحين ننظر إلى الدستور بوصفه مجرد أداة لإدارة الحكم، فإننا نقزّم دوره عن غايته الوجودية الأساسية. الدستور، في المقام الأول، هو الوثيقة الضامنة للوجود الفعلي للمواطنين؛ إذ إن الحقوق والواجبات ومرتكزات المواطنة تفقد معناها الحقيقي إن لم يكن العيش الآمن على هذا الكوكب مضموناً. وفي عصر بات فيه التغير المناخي يمثل تهديداً وجودياً، تحتم على الدساتير تبني بُعد جديد اصطلح الفقه القانوني على تسميته بـ«الدستور الأخضر». وللغوص في هذا المفهوم، نفصله على النحو الآتي:
أولاً: ماهية الدستور الأخضر ومرتكزاته:
يُعدّ هذا المفهوم فرعاً من فروع الفقه الدستوري المعاصر الذي تبلور في أواخر القرن العشرين. ويعني من الناحية العملية إدماج مبادئ الاستدامة وحماية الطبيعة في صلب الوثائق الدستورية، بحيث لا تعود البيئة والنظم الإيكولوجية مجرد موارد مستباحة أو سلع اقتصادية عابرة، بل تحظى بمركز قانوني مصان ومستقل.
١. التجربة الدولية (الإكوادور وكولومبيا):
تجسد هذا التوجه في البنى الدستورية للعديد من الدول؛ فعلى سبيل المثال، أقرّ دستور الإكوادور لعام 2008 «حقوق الطبيعة» وأضفى عليها شخصية قانونية اعتبارية. وعلى الصعيد ذاته، منحت كولومبيا -عبر قرار قضائي دستوري بارز كمقاضاة حماية نهر الأمازون عام 2018- الطبيعة صفة الحق القانوني، وفرضت عقوبات صارمة على الشركات المنتهكة.
٢. على مستوى العراق وإقليم كوردستان (الآلية الدستورية والواقع):
على الرغم من وجود تشريعات نافذة مثل «قانون حماية وتحسين البيئة» رقم (27) لسنة 2009، فإن الخلل الجوهري لا يكمن في غياب النصوص، بل في شلل التطبيق وافتقار المنظومة لغطاء دستوري حازم. وفي ظل التعقيدات التي تكتنف مسألة تعديل الدستور الاتحادي حالياً، تتلخص المعالجة الفورية في «إصدار قانون اتحادي خاص بحقوق الأجيال القادمة والبيئة النظيفة»، إلى جانب «تضمين هذه المبادئ في دستور إقليم كوردستان المرتقب». واستناداً إلى التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ومؤشر جودة الهواء (IQAir):
ٲ: على مستوى العراق: يتصدر العراق مراتب متقدمة عالمياً في مؤشرات تلوث الهواء. إذ يتجاوز متوسط تركيز الجسيمات السامة الدقيقة (PM2.5) في سماء بغداد الحدود الآمنة بأضعاف مضاعفة، مما يتسبب سنوياً في حالات وفاة مبكرة لآلاف المواطنين جراء اعتلال الجهاز التنفسي.
ب: على مستوى إقليم كوردستان: تشير بيانات هيئة حماية البيئة في الإقليم إلى أن جودة الهواء في المدن الكبرى ومحيط المصانع والمصافي تخطت عتبة الخطر، وذلك نتيجة الانبعاثات الكثيفة للمولدات الأهلية والمصافي غير المرخصة.
ثانياً: العدالة البيئية، المسؤولية المدنية، والإثبات العلمي:
إن التدهور البيئي ليس مجرد معضلة فنية، بل هو في صميمه أزمة «عدالة اجتماعية»؛ لأن الفاتورة الباهظة للتلوث الناجم عن المصافي والمعامل تدفعها غالباً الشرائح الفقيرة والمهمشة القاطنة في تخوم المناطق الصناعية. ويقتضي المنظور القانوني السليم ترسيخ مبدأ المسؤولية المدنية وحق التعويض (Compensation)، بحيث يُكفل لأي مواطن أو مجتمع تعرض لأضرار صحية أو مادية جراء التلوث الصناعي، حق اللجوء إلى القضاء لمقاضاة الشركات والجهات المسببة بغية نيل التعويضين المادي والمعنوي.
وتذليلاً للعقبات التي تواجه القضاء في مسألة إثبات الأضرار ورابطة السببية، يتحتم على الحكومة تأسيس مختبرات بيئية رسمية ومستقلة تتولى تزويد المواطنين بتقارير علمية معتمدة تسند دعاويهم أمام المحاكم. وتبرز الإشكاليات الجوهرية الأخرى في الآتي:
١. تداخل المصالح السياسية: تعمل جُلّ المشاريع والمصافي غير المرخصة تحت مظلة النفوذ الحزبي والسياسي، مما يشلّ فاعلية القوانين البيئية ويجعلها عاجزة أمام سطوة المخالفين.
٢. تهميش المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR): تكتفي الشركات النفطية والمجمعات الصناعية الكبرى بمراكمة الأرباح دون أدنى التزام فعلي بتخصيص جزء من عائداتها لإنشاء أحزمة خضراء أو دعم المرافق البيئية.
٣. وهن المسؤولية الإدارية: تتراخى الأجهزة الرقابية والبلديات في ملاحقة الشركات الملوثة قانونياً، وتتقاعس عن فرض الجزاءات الإدارية الرادعة بحقها.
ثالثاً: منصة «الإعلام الأخضر» وخطة العمل (Action Plan):
لانتشال الوضع من حالة الانهيار والمضي نحو الحلول الجذرية، يتعين على هذه المنصة النهوض بالمهام الميدانية التالية:
١. التوعية المتبصرة: تبسيط المصطلحات والبيانات البيئية المعقدة، وإعادة صياغتها في قالب معرفي سلس يلامس وعي المواطن البسيط.
2. الرقابة الميدانية الحازمة: الرصد الدقيق للمنشآت المخالفة للمعايير البيئية، وفضح ممارساتها أمام الرأي العام.
٣. الضغط على صناع القرار: الاضطلاع بدور جماعة ضغط مدنية (لوبي) تدفع الحكومة نحو التنفيذ الجاد للخطط الاستراتيجية.
المقترحات والمعالجات العقلانية للمستقبل:
ٲولا: تأسيس «صندوق الطوارئ البيئية الوطنية» بغطاء تشريعي يضمن اقتطاع نسبة محددة من العائدات النفطية وتخصيصها لتنقية الهواء ومعالجة التلوث.
ثانیا: فرض قيود بيئية صارمة كشرط مسبق لمنح الإجازات الاستثمارية، مع تفعيل مبدأ المسؤولية المجتمعية للشركات (CSR)، وحظر استخدام التكنولوجيا المتقادمة.
ثالثا: الارتقاء بالمكانة الإدارية والمالية للخبراء البيئيين، وضمان إشراكهم بفاعلية في دوائر صنع القرار.
رابعا: استحداث «شرطة بيئية» متخصصة ترتبط مباشرة بالسلطة القضائية لضمان إنزال أشد العقوبات بحق المتجاوزين.
وفي الختام اقترح خطة عمل عاجلة (Action Plan) لوزارة البيئة والجهات ذات الصلة:
الخطوة الأولى: إرساء دعائم «شبكة وطنية للرصد والإنذار المبكر لجودة الهواء» لتزويد دوائر القرار بالبيانات اللحظية.
الخطوة الثانية: تشكيل «لجنة قانونية مشتركة» بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم لتوحيد المعايير والجزاءات البيئية، وتمهيد الطريق لتعويض المتضررين مدنياً.
الخطوة الثالثة: توفير قروض ميسرة وبنى تحتية مالية وتقنية (خضراء) لمساعدة أصحاب المصافي على تحديث منظوماتهم وتزويدها بمرشحات حديثة ومطابقة للمواصفات.
_______________________________________________________________________________________________________________________
المصادر والمراجع الأساسية:
١. دستور جمهورية العراق لعام 2005: المادة (33)، الاستفتاء الدستوري (15/ 10/ 2005)، الوقائع العراقية، العدد (4012)، بغداد، العراق.
٢. قانون حماية وتحسين البيئة العراقي: رقم (27) لسنة 2009، الصادر بتاريخ (09/ 11/ 2009)، الوقائع العراقية، العدد (4132)، بغداد، العراق.
٣. دستور جمهورية الإكوادور: استفتاء (28/ 09/ 2008)، باب حقوق الطبيعة، كيتو، الإكوادور.
٤. القرارات القضائية الكولومبية (قضية حماية الأمازون): القرار (STC4360-2018)، الصادر بتاريخ (05/ 04/ 2018)، بوغوتا، كولومبيا.
٥. المعايير الدولية لنظام الإدارة البيئية (ISO 14001): الإصدار الرسمي (15/ 09/ 2015)، جنيف، سويسرا.
٦. التقارير الرسمية لمنظمة الصحة العالمية (WHO) والوكالة العالمية لمراقبة جودة الهواء (IQAir): المقر الرئيسي، جنيف، سويسرا (التقرير السنوي العام لإحصاءات جودة الهواء والتداعيات الصحية، منشور رسمي للفترة من كانون الثاني 2024 لغاية كانون الثاني 2026).
٧. بيانات وتقارير هيئة حماية البيئة في إقليم كوردستان: منشورات رسمية وتقارير إدارية سنوية لهيئة بيئة الإقليم حول واقع المساحات الخضراء والرقابة على التراخيص الصناعية في إقليم كوردستان – العراق، تموز 2025