هاتف الثلج
مفكر عراقي كبير وطاقة خلاقة في مجال العلم والسياسة، وهب عمره للمعرفة حتى غدت الوثيقة عنده وطناً آخر، وصار التاريخ بين يديه كائناً حياً يتنفس بالحقيقة، ويستنطق ما خفي من أسرار الأمم والشعوب. إنه الدكتور مؤيد إبراهيم أدهم كاظم الونداوي، واحد من أولئك الذين لا تكتبهم السير الذاتية بقدر ما تكتبهم منجزاتهم العلمية، ولا تختصرهم المناصب مهما علت، لأنهم يتركون في الوعي العراقي أثراً أبقى من الألقاب وأعمق من المناصب، فهم أبناء المشاريع الفكرية الكبرى التي تمتد من جيل إلى جيل.
لقد أدرك باكراً أن الأمم لا تحفظ حدودها بالجغرافيا وحدها، وإنما تحفظها أيضاً بذاكرتها الوطنية، وأن العراق الذي أهدى العالم أولى الشرائع وأولى الحروف لا يستحق أن يكون مجهولاً في وثائقه وتاريخه، فحمل هذا الهم العلمي والوطني منذ شبابه وحتى يومنا هذا، ليكون شاهداً على التاريخ لا راوياً له فحسب.
ولد الدكتور مؤيد إبراهيم أدهم كاظم الونداوي في بغداد عام 1949، المدينة التي علمت أبناءها أن الحضارة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون امتيازاً تاريخياً، فنشأ عربياً عراقياً مسلماً يحمل في وجدانه انتماءً عميقاً لوطنه، متزوجاً وأباً لثلاث بنات، حمل إليهن كما حمل إلى طلبته إرث المعرفة وفضيلة العلم، لتبقى بغداد عنوان سكنه الدائم وإن حملته الأيام إلى المملكة الأردنية الهاشمية مقيماً في عمان، فالعلماء لا تغادرهم أوطانهم وإن غادروها، لأن الوطن الحقيقي يسكن الذاكرة والضمير معاً.
كانت بداياته العلمية تعبيراً عن شخصية لا تؤمن بالحدود بين العلوم، فاختار أن يجمع بين القانون والسياسة والأمن والتاريخ والعلاقات الدولية، فنال شهادة بكالوريوس العلوم الشرطوية من كلية الشرطة العراقية عام 1970، ثم حصل على شهادة البكالوريوس في القانون من الجامعة المستنصرية عام 1975، قبل أن يتوج رحلته العلمية بشهادة الماجستير في العلاقات الدولية من كلية القانون والسياسة بجامعة بغداد عام 1984، لتأخذه رحلته العلمية إلى المملكة المتحدة حيث نال شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة ريدنغ البريطانية عام 1989، وليقضي عامين علميين في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أكسفورد، هناك حيث التقت خبرته العراقية العميقة بالمنهجية العلمية الغربية، فكان مشروعه الفكري أكثر اتساعاً وقدرة على قراءة التاريخ العراقي في ضوء الوثائق الدولية الكبرى.
لم يكن الدكتور الونداوي من أولئك الذين يغادرون الجامعة بعد الحصول على الشهادات العليا، بل جعل من العلم مشروع حياة متواصلاً، فانتقل بين المؤسسات العلمية والدولية مستشاراً وخبيراً وباحثاً ومحللاً سياسياً وأمنياً. فقد عمل مستشاراً سياسياً في وحدة تحليل المعلومات التابعة للأمم المتحدة في العراق (UNOPS)، كما عمل باحثاً ومستشاراً سياسياً في الأمم المتحدة لشؤون العراق، ومستشاراً لدى دائرة الأزمات الدولية (OCHA) الخاصة بالأزمة السورية.
وعمل مستشاراً علمياً في المعهد العربي للبحوث والدراسات الإستراتيجية في عمان، فضلاً عن عمله مستشاراً إقليمياً للفدرالية الدولية للمصالحة والمساعدات في الشرق الأوسط، ومستشاراً سابقاً للشؤون العراقية في شبكة الأخبار الأمريكية CBS، ومستشاراً قانونياً ودولياً في الشؤون العراقية، ومعلقاً سياسياً وأمنياً معتمداً لدى كبريات الفضائيات ووكالات الأنباء الدولية في الشرق الأوسط.
لقد كان العراق بالنسبة إليه مشروعاً بحثياً لا ينتهي، لذلك انشغل مبكراً بقراءة الوثائق البريطانية الخاصة بتاريخ العراق الحديث والمعاصر، حتى أصبح واحداً من أبرز الخبراء العراقيين والعرب المعتمدين في الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث لتقييم واستخدام الوثائق البريطانية المتعلقة بالعراق والشرق الأوسط. ولعل القيمة العلمية لهذا المشروع تكمن في أنه لم يكن يسعى إلى إعادة كتابة التاريخ بقدر ما كان يسعى إلى تحريره من النسيان، وإعادة بناء ذاكرته الوطنية وفقاً لمصادرها الأصلية.
وفي بيت الحكمة ببغداد، ترك بصماته العلمية عضواً في الفريق الاستشاري السياسي، وعضواً في لجنة الوثائق التاريخية، وعضواً في هيئة تحرير مجلة الدراسات السياسية وسلسلة الكتب الوثائقية، كما كان عضواً في هيئة الخبراء الاستشاريين لمشروع كتابة تاريخ العراق الجمهوري الذي صدر في سبعة أجزاء، فضلاً عن عضويته في الجمعيات العلمية العراقية والعربية، واتحاد الأدباء والكتاب العراقيين، وجمعية حقوق الإنسان العراقية، ومجالس إدارة عدد من المؤسسات العلمية والبحثية.
أما الجامعة فقد كانت وطنه الآخر، إذ وقف أستاذاً ومحاضراً في جامعة بغداد وجامعة النهرين والجامعة المستنصرية وجامعة القادسية وكلية الدفاع الوطني، فدرس التاريخ السياسي العراقي المعاصر والعلاقات الدولية والنظم السياسية وتأريخ الأحزاب السياسية العراقية وتهديدات الأمن الوطني والقومي والثقافة القومية، كما حاضر في فن قراءة الوثائق الرسمية البريطانية واستخدامها في كتابة التاريخ المعاصر، ليكون واحداً من أبرز المتخصصين العراقيين في هذا الحقل العلمي النادر.
لم تتوقف محاضراته عند حدود العراق، بل امتدت إلى الجامعات الأمريكية ومنها جامعة بيركلي وجامعة بريدج ووتر، حيث تناول الشؤون العراقية ومستقبلها السياسي والأمني، مؤكداً أن الباحث الحقيقي هو الذي يجعل المعرفة جسراً للحوار بين الأمم. ولأن الأمم تحفظ تاريخها في كتب علمائها، فقد تجاوزت مؤلفات الدكتور مؤيد الونداوي الثلاثين كتاباً، شكلت بمجملها موسوعة متكاملة للتاريخ السياسي العراقي الحديث والمعاصر، ومن أبرزها كتابه عن انقلاب الرابع عشر من تموز عام 1958 في ملفات الحكومة البريطانية، وكتابه الموسوعي عن العراق في التقارير السنوية للسفارة البريطانية في بغداد عبر مراحل زمنية متعددة، وكتابه عن بريطانيا وسياسة فصل الكويت عن العراق، وأطروحته المهمة عن العلاقات العراقية البريطانية للفترة 1945-1958، فضلاً عن كتاب الاتحاد العربي بين العراق والأردن، وموسوعتي أعلام الشخصيات السياسية العراقية في الوثائق البريطانية، وكتبه عن قوات الليفي العراقية، والدولة العراقية الحديثة، والعراق من الاحتلال إلى الانتداب، وشخصيات عراقية كوردية في الوثائق البريطانية، وبريطانيا وقضايا الأقليات والطوائف والحدود، فضلاً عن عشرات الكتب والدراسات التي لا تزال تشكل مرجعاً علمياً للباحثين والمؤرخين.
لم يكتفِ بالإنتاج العلمي التأريخي، بل كتب عشرات الدراسات السياسية والأمنية المتعلقة بمستقبل العراق بعد عام 2003، تناول فيها الانتخابات العراقية والمؤسسات الدستورية والأمن الوطني والعلاقات العربية العراقية والأزمة السورية وتأثيراتها على العراق ومستقبل الدولة العراقية بعد تنظيم داعش، مقدماً بذلك نموذجاً للعالم الذي لا يفصل بين قراءة الماضي واستشراف المستقبل. كما أشرف على العديد من رسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه في الجامعات والمعاهد العراقية والعربية، وناقش العشرات منها بصفة أستاذ ممتحن داخلي وخارجي، وأسهم في تخريج أجيال من الباحثين والمؤرخين والسياسيين، ليؤكد أن العلم الحقيقي لا يكتمل إلا حين يتحول إلى رسالة إنسانية ومعرفية تتجاوز صاحبها إلى الآخرين.
إن ما يميز الدكتور مؤيد إبراهيم الونداوي ليس كثرة المناصب ولا وفرة المؤلفات وحدها، وإنما ذلك الإصرار النادر على أن يكون العراق محور مشروعه العلمي بأكمله. فهو لم يقرأ الوثائق البريطانية بوصفها أوراقاً سياسية صامتة، وإنما قرأ فيها وجوه العراقيين وأصواتهم وذاكرتهم الوطنية، وأعاد إلى التاريخ العراقي كثيراً من حقائقه الغائبة، ولذلك استحق أن يكون حارساً أميناً لوثيقة العراق الحديثة، وسادناً لذاكرته السياسية التي امتدت من زمن الانتداب إلى تحولات القرن الحادي والعشرين. سيبقى اسم الدكتور مؤيد الونداوي علامة فارقة في مسيرة البحث العلمي العراقي، لأن بعض العلماء يكتبون التاريخ، وبعضهم يحللون السياسة، أما هو فقد جعل من الوثيقة وطناً، ومن الوطن رسالة، ومن المعرفة ضميراً لا يشيخ مع الزمن، ليبقى العراق حاضراً في كتبه كما بقي حاضراً في قلبه، ولتبقى رحلته العلمية شاهداً على أن الأمم العظيمة إنما تُعرف أيضاً بعلمائها الذين نذروا أعمارهم من أجل أن تبقى الحقيقة أكثر خلوداً من النسيان.