عصر التقلب المناخي..عندما ينتقل العالم من العطش إلى الغرق

 

متابعة ـ التآخي

صيف يحرق الأرض وشتاء يغرقها.. كيف يحول تغير المناخ شكل الطقس؟

لم يعد تغير المناخ يظهر فقط في ارتفاع درجات الحرارة عاما بعد آخر، أو في موجات حر أطول وأكثر شدة. ففي مناطق عدة من العالم، بدأت الصورة تبدو أكثر اضطرابا: جفاف قاسٍ يعقبه هطول غزير، ونقص حاد في المياه يتبعه خطر الفيضانات، ومواسم تتأرجح بين طرفي النقيض بوتيرة متسارعة.

هذا التذبذب الحاد، الذي يصفه بعض العلماء بـ«التقلب المناخي»، يقدم صورة جديدة لأزمة المناخ؛ فالمشكلة لم تعد فقط في أن الطقس أصبح أكثر حرارة، بل في أن الأنماط المناخية نفسها أصبحت أكثر تقلبا وصعوبة في التنبؤ.

صيف شديد الجفاف وشتاء مهدد بالأمطار الغزيرة، تقدم بريطانيا انموذجا واضحا لهذا التحول. فقد شهدت إنجلترا في صيف 2026 موجات متتالية من الحرارة والجفاف، بالتزامن مع تراجع مستويات المياه وارتفاع الضغوط على مصادر الإمداد. وأصبحت أجزاء واسعة من إنجلترا وويلز تحت تأثير الجفاف، فيما تراجعت مستويات الخزانات وفرضت قيود على استخدام المياه في عدد من المناطق. لكن المفارقة أن الجفاف الشديد في الصيف لا يعني بالضرورة شتاء أكثر اعتدالا.

على العكس، تشير التوقعات المناخية إلى أن ارتفاع حرارة الغلاف الجوي يمكن أن يجعل أنماط هطول الأمطار أكثر تطرفا، بحيث تتجه بعض المناطق نحو فترات أطول من الجفاف، تتبعها أمطار غزيرة خلال فترات قصيرة. وهنا تظهر معادلة شديدة الخطورة: مياه قليلة عندما نحتاج إليها، ومياه كثيرة عندما تصبح مصدرا للخطر.

يشير مصطلح التقلب المناخي Climate Whiplash إلى الانتقال السريع أو المتكرر بين ظروف مناخية متناقضة، مثل الجفاف الشديد ثم الأمطار الغزيرة، أو موجات الحرارة الشديدة ثم موجات البرد، أو فترات طويلة من الجفاف يعقبها هطول متطرف. والتشبيه بـ«السوط» ليس اعتباطيا؛ فالمناخ يتحرك بين حالتين متطرفتين بصورة تشبه الحركة المفاجئة للسوط، ما يجعل المجتمعات والبنية التحتية والزراعة والموارد المائية أقل قدرة على التكيف.

وفي المناخ التقليدي، يمكن للمدن والمزارعين وشبكات المياه والطاقة أن تعتمد إلى حد ما على أنماط موسمية معروفة. لكن عندما تصبح المواسم أكثر اضطرابا، تتراجع قيمة الخبرة التاريخية وحدها في التخطيط.

يؤدي ارتفاع درجة حرارة الأرض إلى تغيير الطريقة التي يتحرك بها الماء داخل النظام المناخي، فالهواء الأكثر دفئا يستطيع الاحتفاظ بكميات أكبر من بخار الماء، ما يعني أنه عندما تتوافر الظروف المناسبة لهطول الأمطار، يمكن أن تسقط كميات كبيرة في مدة زمنية قصيرة، وفي الوقت نفسه، يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر وجفاف التربة والنباتات، ما يمكن أن يزيد حدة فترات الجفاف في بعض المناطق.

وهكذا يمكن أن يجتمع الجفاف والأمطار الغزيرة ضمن النظام المناخي نفسه، لكن في أوقات مختلفة. وهذه إحدى أكثر المفارقات تعقيدا في عالم أكثر دفئا. وقد عدت المياه في كثير من الدول الأوروبية موردا متاحا بصورة شبه دائمة. لكن تغير المناخ يعيد صياغة هذه العلاقة. فعندما تتراجع الأمطار لفترات طويلة وتنخفض مستويات الخزانات، تصبح المياه موردا محدودا بحاجة إلى إدارة دقيقة. وتزداد المنافسة على المياه بين قطاعات متعددة، من بينها الزراعة والصناعة والاستخدامات المنزلية، ومع توسع الاقتصاد الرقمي تظهر منافسة جديدة مرتبطة بمراكز البيانات التي تحتاج إلى المياه في عمليات التبريد. وهنا لا تعود أزمة المياه قضية بيئية فقط، وإنما تتحول إلى قضية اقتصادية وأمنية واجتماعية.

المشكلة لا تتوقف عند توفر المياه. فالبنية التحتية التي صُممت اعتمادا على مناخ الماضي قد لا تكون مناسبة لمناخ المستقبل. شبكات الصرف، ومحطات معالجة المياه، والخزانات، والطرق، والجسور، وشبكات الكهرباء، والمباني، كلها تعتمد في تصميمها على تقديرات تاريخية لمستويات الأمطار والحرارة والفيضانات. لكن ماذا يحدث عندما تتجاوز الظروف الفعلية تلك الحدود؟ قد تتعرض شبكات الصرف للضغط بسبب أمطار غزيرة خلال ساعات، فيما تعجز خزانات المياه عن تعويض العجز الذي تراكم خلال أشهر من الجفاف، وبذلك تتحول البنية التحتية من خط دفاع أمام المخاطر إلى أحد أكثر القطاعات تعرضا لها. ان الجفاف الطويل يعني نقص المياه المطلوبة للري، وارتفاع الإجهاد الحراري على المحاصيل، وتراجع الإنتاجية. لكنالأمطار الغزيرة المفاجئة قد تأتي في توقيت غير مناسب، فتتسبب في غرق الأراضي الزراعية وتعرية التربة وفقدان المغذيات وتلف المحاصيل. كما أن الانتقال المفاجئ من الجفاف إلى الأمطار لا يعيد بالضرورة الموارد المائية إلى حالتها الطبيعية؛ فالتربة الجافة بشدة قد تصبح أقل قدرة على امتصاص كميات ضخمة من المياه خلال وقت قصير، ما يزيد الجريان السطحي ومخاطر الفيضانات.

المناخ الأكثر دفئا لا يعني فقط متوسط حرارة أعلى، وإنما يمكن أن يعني أيضا تغيرا في توقيت الأمطار، وزيادة شدة بعض الظواهر المتطرفة، وفترات جفاف أطول، وأمطارا أكثر غزارة عندما تهطل.وهذا يجعل التكيف المناخي أكثر تعقيدا.فالمجتمع الذي يستعد للجفاف وحده قد يجد نفسه أمام فيضانات، فيما المجتمع الذي يستعد للفيضانات فقط قد يواجه أزمة مياه بعد أشهر قليلة.

تكشف هذه الظاهرة عن مشكلة أعمق منتغير الطقس نفسه: مدى استعداد الدول لإدارة مواردها في ظل مناخ متغير.فوجود المياه في بلد ما لا يعني بالضرورة وجود نظام قادر على تخزينها وتوزيعها بكفاءة. وقد تمتلك الدولة بنية تحتية قوية، لكنها تظل معرضة للخطر إذا صُممت لمواجهة مناخ لم يعد موجودا.لذلك فإن التكيف الحقيقي لا يعني فقط بناء المزيد من السدود أو محطات التحلية أو شبكات الصرف، وإنما إعادة التفكير في النظام بأكمله. ويشمل ذلك تقليل فاقد المياه، وتحسين إدارة الطلب، وحماية أحواض الأنهار، وإعادة استخدام المياه، وزيادة كفاءة الري، وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحديث معايير تصميم البنية التحتية وفق المخاطر المناخية المستقبلية

قد يعجبك ايضا