عزيز ملا هذال
تُشكل المرونة التربوية الواعية الممتص السيكولوجيالذي يحمي الطفل من الانكسار، إذ توازن بين الحزموالعاطفة وتمنح الأبناء حدوداً تحميهم دون مساسبالقيم. إنها الفن الذي يزرع الصلابة النفسيةوشجاعة المحاولة بعد كل إخفاق، ليبني جيلاً متزناًقادراً على مواجهة تحديات المستقبل بثقة…
التربية من العمليات المعقدة التي تحتاج إلى درايةوخبرة واقعية وليس اتباعاً بغير علم، فمواقع التواصلمليئة بالمقاطع التي يريد أصحابها الحصول علىالمشاهدات والإعجابات والتفاعل بكل صنوفه، فمايجب أن يذهب الوالدان صوب ما يريحهم وفقالأسس السليمة المعتمدة من المختصين في التربيةوليس اتباع كل من هب ودب.
ومما يجب معرفته في التربية الحديثة، إذ يبرز مفهومالمرونة التربوية كأحد أهم الركائز السيكولوجيةالحديثة لإدارة العلاقة بين الوالدين والطفل، وصياغةبيئة أسرية قادرة على تفريخ شخصيات متزنةومستقرة نفسياً. يُعرّف علم نفس النمو المرونة بأنهاأسلوب قيادة أسري يتميز بالاستجابة العاليةلمتغيرات الطفولة والمراهقة، مع الحفاظ على أطرعامة وواضحة للسلوك المقبول.
ومما يجب الإشارة إليه هو أن المرونة في التربية لاتعني الضعف أو التخلي عن القيم والمبادئالأساسية التي تشكل الهوية الأخلاقية للأسرة، إنهاتمثل القدرة على التكيف بشكل واعٍ مع احتياجاتالطفل المتغيرة، وإدارة المواقف التربوية بحكمة تمزجبين العاطفة والحزم والابتعاد عن السلطوية والفرضعلى الطفل؛ لأن نتائجه في المستقبل وخيمة علىالعلاقة بين الأبوين وأبنائهم.
كما يجب معرفة حقيقة مفادها أن المرونة لا تعنيالتساهل، ففي النمط التربوي المتساهل تختفيالحدود تماماً وتلبي العائلة كل رغبات الطفل دونضوابط، مما يحرمه من تطوير مهارات ضبط الذات،وهذه كارثة تربوية يقوم بها الأبوان والمربون.
الممتص السيكولوجي والذكاء الموقفي
تؤدي المرونة دور الممتص السيكولوجي للصدماتالذي يحمي البناء النفسي للطفل من الانكسار تحتوطأة الضغوط، ويضمن له نمواً متزناً قادراً علىمواجهة المستقبل بصحة نفسية عالية وبثقة بالنفسوفهم للحياة ومعرفة حقيقية لدوره في الحياة، علىعكس ذلك حتماً سننتج أبناء منقادين ضعيفيالشخصية يطبقون فقط من دون تفكير أو قدرة علىاتخاذ القرار.
وحين تتصف الشخصية بالمرونة فإن ذلك يعنيبالضرورة امتلاكها للذكاء الموقفي الذي يتمثل في:
القدرة على تعديل الأدوات والوسائل التعليمية وفقاًلعمر الطفل ومرحلة نموه.
التكيّف مع احتياجات كل مرحلة عمرية، فالإجراءاتالمناسبة لطفل في الثالثة من العمر قد تعيق نموه إذااستمرت بالشكل نفسه حتى يبلغ العاشرة.
التركيز على المرحلة المبكرة من الطفولة بوصفهاالأكثر حاجة للمرونة التربوية.
الآثار النفسية والسلوكية للمرونة على الطفل
أولى فوائد هذا النهج هي بناء الصلابة والمرونةالنفسية؛ فالطفل الذي ينشأ بتربية مرنة يدرك أنالحياة ليست مساراً ثابتاً، وأن الأخطاء والفشلليسا صفات دائمة، بل محطات طبيعية في رحلةالتعلم، وبالتالي يكون مستعداً لتقبل الخسارة كماالربح ولا يتعرض لأزمات نفسية حين يفشل.
وعندما ينشأ الطفل في بيئة مرنة تربوياً، تنعكسهذه المرونة بشكل مباشر على بنيته النفسية العميقة،وتتشكل لديه مجموعة من المهارات والمناعاتالسلوكية التي تؤهله للاندماج المجتمعي الناجح، فيمقابل الانزواء والابتعاد عن المحيط الاجتماعي فيحالات الجمود.
وعلى صعيد الدراسة، عندما يظهر الوالدان مرونةفي التعامل مع درجات الطفل المدرسية المنخفضة أوصعوبته في مهارة رياضية معينة، فإنهما يساهمانفي:
1. تعزيز قدرته على التعافي النفسي.
2. منحه شجاعة التجريب والمحاولة مرة أخرى بعدكل إخفاق بدلاً من الاستسلام للإحباط.
كما تلعب المرونة دوراً جوهرياً في تعزيز تقدير الذاتوالثقة بالنفس؛ فالتقييد والجمود اللذان يظهران منالوالدين يشعران الطفل بأنه مراقب طوال الوقت تحتمجهر التقييم، وأن أي هفوة قد تكلفه خسارة المحبةالوالدية أو تعرضه لعقوبات قاسية، وهذا التوجسالدائم يجعل مفهوم الذات لديه هشاً وقائماً علىشروط خارجية.
إن المرونة التربوية ليست خياراً ثانوياً، بل هيضرورة سيكولوجية لبناء شخصية متزنة؛ فهي الفنالحكيم الذي يمنح الأبناء حدوداً تحميهم دون أنتحرمهم شجاعة التجربة، وقِيماً تثبتهم دون أنتسلبهم قدرة التفكير، وبها فقط نصنع جيلاً صلباًنفسياً، قادراً على مواجهة الحياة بثقة وأمان.