حوار”عطا درغام
“ثمة كتابات تشبه الأوطان، تسكنها لتكتشف أنك تسكن في جوهر نفسك؛ وفي حضرة الأديب أحمد عزيز الدين، نجد أنفسنا أمام تجربة إبداعية عابرة للتصنيف، ترفض الثبات وتتمرد على الأشكال الشعرية والسردية التقليدية. هو المبدع الذي جعل من ‘المكان’ بطلاً، ومن ‘الجنوب’ بروحها النوبية العذبة منطلقاً لأسئلة كونية كبرى، محولاً الجغرافيا من مجرد حدود إلى هوية حية تنبض بالثبات والجمال.
في هذا الحوار، نقتفي أثر أحمد عزيز الدين في محطات رحلته الفنية؛ لنحلل تنقله الأسلوبي بين القوالب الأدبية، ونغوص معه في أعماق الفلسفة الوجودية حيث الألم الإنساني هو المحرك الأول للدهشة. ولا نتوقف عند الذات، بل نفتح معه نوافذ النقد الاجتماعي والرمز السياسي الذي يعيد قراءة قضايا الوطن برؤية ثاقبة.
وفي الختام، نرتحل إلى البُعد الوجداني والصوفي في تجربته، حيث الكلمة تصبح صلاة، والكتابة تتحول إلى رحلة ذاتية نحو النور. حوارنا اليوم مع الأديب أحمد عزيز الدين هو محاولة جادة لقراءة مشروع أدبي يُعيد للإنسان توازنه بين صخب الحاضر ونداء الروح..”
1. تتنقل في نصوصك بين القصيدة العمودية الفصيحة، وشعر التفعيلة، وقصيدة النثر الحديثة، والمربعات العامية؛ كيف يحدد الشاعر الشكل الموسيقي الذي يستوعب تجربته قبل البدء في الكتابة؟
أنا لا أتعامل مع الشكل باعتباره قالبًا أضع التجربة فيه قسرًا، بل أراه كأنه الوعاء الذي تختاره التجربة لنفسها. أحيانًا تأتي الفكرة إليّ وهي تحمل إيقاعها منذ اللحظة الأولى؛ فأشعر أنها تريد العمود بما فيه من انضباط وموسيقى وامتداد تراثي، وأحيانًا تكون التجربة قلقة، متشظية، لا تقبل انتظام البحر، فتذهب بي إلى التفعيلة أو قصيدة النثر. أما المربع العامي، فهو ابن البيئة والذاكرة والشارع؛ فيه شيء من الحكمة الشعبية والسخرية والاحتكاك المباشر بالحياة.لذلك لا أسأل نفسي: أي شكل أريد أن أكتب؟ بل أسأل: أي شكل تستطيع هذه الفكرة أن تتنفس داخله؟ وحين أجد الإجابة يبدأ النص.
2. في قصيدتك «ظلالٌ تخرج من ظهري» نلمح لغة نثرية مكثفة ومشبعة بالفلسفة والسريالية؛ كيف تخدم قصيدة النثر أفكارك الوجودية مقارنة بالشعر الموزون؟
قصيدة النثر تمنحني مساحة واسعة لملاحقة الفكرة وهي في حالتها الأولى، قبل أن تستقر في نظام موسيقي محدد. وفي التجارب الوجودية تحديدًا، يكون الإنسان أحيانًا أمام أسئلة لا تسير في خط مستقيم؛ سؤال يقود إلى سؤال، وصورة تستدعي صورة، وذاكرة تنقض على حاضرها. في «ظلال تخرج من ظهري» لم أكن أريد أن أصف الألم فقط، بل أردت أن أجعل القارئ يدخل إلى منطقة الألم نفسها؛ حيث يصبح الجسد سؤالًا، والظل كائنًا، والرماد ذاكرة. أما الشعر الموزون، فهو يمنحني شيئًا آخر: يمنح الفوضى الداخلية نظامًا موسيقيًا، وكأن الروح المضطربة تحاول أن تجد اتزانها عبر الإيقاع.
3. تعتمد في قصائدك الغزلية الفصيحة مثل «تراتيل الهوى» و«نشيد العشق» على البحور الخفيفة والرقيقة مع إيقاع متدفق؛ كيف تصنع هذه السيولة الموسيقية دون الإخلال بمتانة اللفظ ورصانته؟
الغزل بالنسبة لي ليس مجرد اختيار كلمات جميلة، وإنما بناء حالة شعورية كاملة. ولذلك أبحث عن البحر الذي يستطيع أن يحمل النبض دون أن يبدو كأنه يستعرض عضلاته. أحاول أن أجعل الكلمة خفيفة على الأذن، عميقة في المعنى، وأحرص على أن تكون الموسيقى نابعة من اللغة نفسها لا مفروضة عليها. وأرى أن الرصانة لا تعني الثقل؛ فاللغة العربية قادرة على أن تكون فصيحة وعذبة في الوقت ذاته. وأحيانًا تكون أصعب مهمة للشاعر أن يقول شيئًا عميقًا بلغة تبدو سهلة.
4. تنشر مقاطع زجلية تحت عنوان «وعجبي» على طريقة المربعات؛ ما الذي تمنحه لك المربعات الشعبية من حرية ونقد لا تمنحك إياه القصيدة العمودية؟
المربع يمنحني شيئًا قريبًا من نبض الشارع. إنه شكل يستطيع أن يضحك وهو غاضب، وأن يسخر وهو يحمل وجعًا حقيقيًا. في العمودي أشعر بمسؤولية البناء والبحر والقافية والتراث، أما في المربع الشعبي فأشعر أنني أجلس وسط الناس، أسمع حديثهم، وألتقط المفارقة من أفواههم. والسخرية هنا ليست هروبًا من الجدية؛ أحيانًا تكون السخرية أشد أشكال الاحتجاج وجعًا.
5. تدمج في أحيان كثيرة بين المفردة الفصيحة الجزلة والمفردة الجنوبية الصريحة؛ كيف توازن في بناء معجمك اللغوي ليكون قريبًا من الشارع وفي الوقت نفسه حافظًا للبلاغة؟
أنا ابن لغتين متجاورتين في داخلي: لغة الفصحى التي تعلمت منها الشعر، ولغة المكان التي تعلمت منها الحياة. لا أريد أن أضع بين النص والقارئ جدارًا من الكلمات الصعبة، كما لا أريد أن أفقد جمال العربية الفصيحة. لذلك أبحث عن المفردة التي تكون صحيحة في موضعها، صادقة في دلالتها، وقادرة على حمل روح المكان.وأؤمن أن اللهجة الجنوبية ليست نقيض الفصحى؛ إنها إحدى الينابيع التي يمكن أن تغذيها إذا أحسن الشاعر الإصغاء إليها.
6. تحمل لقب «شاعر الجنوب» وتستحضر البيئة الصعيدية والنوبية بوضوح؛ كيف تشكّل هذه الجغرافيا وعيك الإبداعي وذاكرتك الشعرية؟
الجنوب بالنسبة لي ليس موقعًا على الخريطة؛ إنه طريقة في رؤية العالم. في الجنوب تعلمت أن الأشياء البسيطة يمكن أن تحمل تاريخًا كاملًا: باب قديم، أغنية، امرأة تجلس أمام بيتها، شيخ يحكي، طفل يركض في التراب، ونهر يعرف وجوه الذين مروا به.
أنا لا أكتب الجنوب باعتباره ديكورًا شعريًا؛ أكتبه لأنه جزء من تكويني. وحين أكتب عن النوبة أو الصعيد أو النيل، فإنني في الحقيقة أكتب عن ذاكرتي الشخصية وذاكرة المكان معًا.
7. ترسم في نص «حضن الجنوب» صورة الأمان البسيط وأحاديث الجدات والنغم الصافي؛ هل الكتابة عن الجنوب هي محاولة لاستعادة الفردوس المفقود وسط ضجيج الحياة الحديثة؟
ربما هي محاولة لاستعادة شيء لم نفقده بالكامل، لكننا بدأنا ننساه. الجنوب الذي أكتب عنه ليس فردوسًا بلا ألم، لكنه عالم كانت فيه العلاقات أكثر دفئًا، وكانت الحكاية تُروى وجهًا لوجه، وكانت الجدة تحمل في ذاكرتها ما لا تحمله مكتبة كاملة. حين أكتب عن ذلك العالم، فأنا لا أهرب من الحاضر، بل أحاول أن أسأل الحاضر: ماذا خسرنا ونحن نتقدم!
8. في النص الجنوبي تظهر الحبيبة والجدة والأرض كرموز متداخلة للدفء والأصل؛ كيف تتجلى صورة المرأة في وجدان شاعر صعيدي؟
المرأة في وجداني الشعري ليست صورة واحدة. قد تكون أمًّا، أو جدة، أو حبيبة، أو ذاكرة وطن، أو أرضًا تحمل أبناءها. أحيانًا تصبح المرأة في القصيدة رمزًا للأمان الأول؛ ذلك المكان الذي نعود إليه حين تتعب المدن داخلنا. ولهذا لا أرى الجمال الحقيقي في المرأة باعتباره جمال الملامح فقط، بل في ما تتركه من أثر إنساني: الحنان، الوفاء، الصبر، والقدرة على أن تجعل للحياة معنى.
9. يتردد في قصائدك حضور النيل والجداول وعطش الأراضي والغيطان؛ إلى أي مدى تؤثر طبوغرافيا الوادي والماء على صورك وأخيلتك الشعرية؟
النيل عندي ليس مجرد نهر؛ إنه ذاكرة تتحرك. الماء في الجنوب يملك مفارقة شديدة الخصوبة شعريًا: هو قريب، ومع ذلك هناك عطش؛ يمنح الحياة، لكنه يذكّرنا دائمًا بحاجتنا إليه. لذلك تأتي صور الماء في شعري مرتبطة بالإنسان: العطش قد يكون عطش الأرض، وقد يكون عطش القلب، وقد يكون عطش الروح إلى معنى.أظن أن الجغرافيا حين تسكن الشاعر طويلًا تتحول في النهاية إلى لغة داخلية.
10. كيف يستفيد أحمد عزيز الدين من السير الشعبية والأغاني التراثية بالجنوب في تطعيم قصائده المكتوبة؟
أستفيد منها من حيث الروح والإيقاع والصورة وطريقة بناء الحكاية، لا بمجرد النقل. السيرة الشعبية علمتني أن البطل يمكن أن يكون إنسانًا من لحم ودم، وأن الحكمة قد تختبئ في جملة بسيطة، وأن الأغنية قادرة على حمل الذاكرة الجماعية. أستمع إلى التراث باعتباره معلمًا، لا باعتباره مادة جاهزة للاستهلاك. وأحاول أن أعيد اكتشاف روحه في لغة معاصرة.
11. تقول في نصوصك: «ظهره شجرة لا تكتمل بل تتقيأ أغصاناً محترقة»؛ كيف تحول اللحظة الذاتية المجرحة بالخيبة إلى نص فلسفي كوني؟
الخيبة تبدأ شخصية، لكنها لا تبقى شخصية إذا استطاع الشاعر أن يجد الإنسان المشترك داخلها. حين أتألم لا أريد أن أقول للقارئ: «انظروا إلى ألمي»، بل أريد أن أقول: «ألا تعرفون هذا الألم؟ ألم تمروا يومًا من هنا؟» الصورة الشعرية عندي هي الجسر بين التجربة الخاصة والتجربة الإنسانية العامة. لذلك قد تبدأ القصيدة من ظهري، لكنها في النهاية تتحدث عن ظهر الإنسان الذي حمل أكثر مما يحتمل.
12. يظهر في نصوصك شعور بالغربة ومحاكمة الأوهام والذنوب والمصير؛ كيف تشكلت لديك هذه الرؤية الفلسفية للاغتراب الروحي؟
الاغتراب بالنسبة لي ليس أن تكون بعيدًا عن وطنك فقط؛ يمكن للإنسان أن يكون وسط أهله، ومع ذلك يشعر بأنه غريب عن نفسه.وهذا النوع من الاغتراب هو الأكثر إلحاحًا في كتابتي. أسأل دائمًا: من نحن عندما تسقط عنا الأسماء؟ ماذا يبقى من الإنسان حين يصمت العالم من حوله؟ ربما لهذا تتحول قصائدي أحيانًا إلى محاكمات داخلية؛ فالإنسان لا يهرب دائمًا من الآخرين، وإنما قد يقضي حياته هاربًا من صورته الحقيقية أمام نفسه.
13. تستخدم رموزًا حادة كالخفافيش والذئاب والشهيق في الحلق؛ هل ترى أن وظيفة الشعر الصادق هي مواجهة القارئ بالحقائق المرة بدلًا من تخديره بالجماليات؟
الجمال ليس أن نخفي الألم، بل أن نمنحه شكلًا يستطيع الإنسان احتماله والتفكير فيه. أنا لا أريد للشعر أن يكون مخدرًا، لكنني أيضًا لا أريده أن يتحول إلى منشور قاتم. الشعر الحقيقي في رأيي هو الذي يجعل القارئ يرى الحقيقة، ثم يترك له مساحة ليتساءل. قد تكون الصورة قاسية، لكن الغاية ليست الصدمة؛ الغاية أن نوقظ شيئًا نائمًا في الداخل.
14. بالرغم من وجود مساحات سوداوية في قصيدة النثر، نجد في قصائد أخرى «فجر الروح» و«نبضة يضيء بها المسير»؛ كيف يتعايش الضدان داخل عالمك الشعري؟
لأن الإنسان نفسه يحمل النقيضين.في داخلي ظلام، لكنني لا أكتب من أجل الظلام. أفتش دائمًا عن نافذة في الجدار.قد أكتب عن الموت الرمزي، والخوف، والاغتراب، والخذلان، ثم أترك في نهاية النص شعاعًا صغيرًا. ليس لأنني أريد نهاية سعيدة مصطنعة، وإنما لأنني أؤمن أن الإنسان الذي ما زال يكتب عن ألمه لم يفقد تمامًا رغبته في النجاة والمعنى.
15. تكتب: «أنا فكرة ظلت في عقل الله ثم نسيها هناك»؛ ما حجم التساؤل والشك والبحث عن الذات في مسيرتك الأدبية والروائية؟
التساؤل عندي ليس رفضًا للإيمان، وإنما محاولة لفهم الإنسان وموقعه في هذا الوجود.أنا مفتون بالأسئلة الكبرى: من نحن؟ لماذا نتألم؟ ما معنى أن نعيش؟ وما الذي يجعل لحياتنا قيمة؟والأدب بالنسبة لي ليس دفتر إجابات، بل مختبر للأسئلة.وربما لهذا تتقاطع عندي الكتابة الشعرية والروائية؛ فالشعر يستطيع أن يطلق السؤال كشرارة، بينما تستطيع الرواية أن تلاحقه طويلًا عبر الشخصيات والأحداث والمصائر.
16. في قصيدتك «شريعة الحيوان» تطرقت لرمزية الحمار والنهيق وإدارة الأمور بالجهل؛ ما الرسالة التي أردت إيصالها حول نقد الواقع العربي والاجتماعي؟
كنت أستخدم المفارقة والسخرية لكي أقول شيئًا جادًا جدًا: حين يصبح الجهل معيارًا للحكم، يصبح العقل هو الغريب. الحيوان في النص ليس هو المقصود الحقيقي؛ المقصود الإنسان الذي يتنازل عن عقله، والمجتمع الذي يسمح للصوت الأعلى أن ينتصر على الصوت الأصح.السخرية هنا قناع، وما وراء القناع سؤال مؤلم: ماذا يحدث عندما تختل معايير القيمة؟
17. في مربعاتك تتحدث عن «مناضل جوه القفص محبوس.. قام بثورة في فك رموز ترابيس»؛ كيف يقرأ الشاعر التحولات السياسية والاجتماعية في الوطن العربي ومصير ثورات الحلم؟
الشاعر لا يملك آلة تنبؤ، لكنه يملك ذاكرة وأسئلة. الثورات لا تبدأ في الشوارع فقط؛ تبدأ في الوعي، حين يشعر الإنسان أن الواقع لم يعد مقبولًا. لكن التغيير الحقيقي أصعب من لحظة الانفجار؛ لأنه يحتاج إلى وعي، ومؤسسات، وعدالة، وإرادة جماعية. ولهذا أرى أن دور الشاعر ليس أن يصدر أحكامًا على التاريخ، بل أن يحفظ في شعره نبض الإنسان الذي حلم بالتغيير، وأن يسأل لماذا نجح الحلم أحيانًا ولماذا تعثر أحيانًا أخرى.
18. تتناول كثيرًا الفوارق بين القريب والغريب، والدم والمال، وتحول بعض المبادئ إلى رقيق؛ كيف تترجم الانحياز للبسطاء والمهمشين في شعرك؟
أحاول أن أمنح من لا يملك المنبر منبرًا من الكلمات. الفقير، والمهمش، والعامل، والفلاح، والغريب، والإنسان الذي لا يعرف كيف يدافع عن نفسه؛ هؤلاء ليسوا عندي موضوعات شعرية، بل بشر لهم أحلام وخوف وكرامة. ولا أؤمن بأن الانحياز للبسطاء يعني أن نكتب عنهم من برج عاجي؛ بل أن نقترب منهم حتى نسمع أصواتهم، ثم نحاول أن نمنح تلك الأصوات شكلًا أدبيًا يحفظ إنسانيتها.
19. هل تعتقد أن الشاعر يجب أن يكون «ضمير الأمة» والمواجه الأول للفساد والجهل، أم أن الشعر يجب أن يبتعد عن المباشرة السياسية؟
لا أريد أن أضع الشاعر في وظيفة رسمية اسمها «ضمير الأمة»، لأن الشعر أكبر من الوظائف. لكنني أؤمن أن الشاعر حين يرى الظلم لا يستطيع أن يتظاهر بأنه لم يره. وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحول الشعر إلى بيان سياسي مباشر. الشعر ليس خطبة سياسية، لكنه يستطيع أن يكون أخطر من الخطبة حين ينجح في تحويل القضية إلى تجربة إنسانية.أنا مع شعر يقول موقفه، لكنني أفضل أن يقوله عبر الفن والصورة والرمز، لا عبر الشعارات وحدها.
20. رغم مرارة النقد الاجتماعي في نصوصك، يلمح القارئ إصرارًا على عدم تسليم العقود للظلم؛ كيف تجدد الأمل في كتاباتك؟
لأنني لا أرى الأمل شيئًا جاهزًا؛ أراه فعل مقاومة. حين أكتب عن الظلام وأترك في نهايته نافذة، فأنا أقول إن الظلام ليس قدرًا أبديًا. وحين أكتب عن الإنسان المكسور، أحاول أن أذكره بأنه ما زال قادرًا على النهوض. ربما لهذا أعود دائمًا إلى الضوء، حتى بعد أن أقضي صفحات طويلة في العتمة.
21. في قصيدتك «رحلة شوق» ننتقل مع رحلة الحج والشوق لرسول الله ﷺ والتطهر من الذنوب؛ كيف تعيد الروحانية الصوفية ترتيب ذواتنا وجروحنا عبر الشعر؟
التجربة الروحية بالنسبة لي ليست زينة للنص، وإنما محاولة للعودة إلى المعنى الأول للإنسان.حين يبتعد الإنسان عن الضجيج ويقف أمام أسئلته الكبرى، يكتشف أن كثيرًا مما أثقله لم يكن يستحق كل ذلك العناء. والشعر الروحي يمنحني فرصة لأحوّل الشوق إلى رحلة داخلية؛ رحلة من ثقل النفس إلى صفائها، ومن الضياع إلى الرجاء.أما محبة رسول الله ﷺ، فهي عندي مساحة من النور والاقتداء والرحمة، وليست مجرد موضوع شعري.
22. في قصيدة «للجمال كيان» تضع مناظرة بين العقل والقلب في حضرة الجمال؛ من المنتصر في نهاية المطاف داخل قصيدتك، العقل أم الوجدان؟
لا أرى أن عليهما أن ينتصرا على بعضهما.العقل يرى ما يمكن تفسيره، والقلب يرى أحيانًا ما لا تستطيع اللغة المنطقية أن تحيط به. لكن المشكلة تبدأ حين يلغي أحدهما الآخر.لذلك ربما يكون المنتصر الحقيقي هو الإنسان حين يتصالح فيه العقل والوجدان.الجمال الحقيقي لا يعطل العقل، وإنما يجعله يكتشف أن العالم أوسع من حدوده.
23. تشير دائمًا إلى الحبيبة باعتبارها «أول نبضة وآخر بسمة بضميري»؛ ما فلسفة العشق والوفاء في زمن السرعة والعلاقات العابرة؟
أنا أنتمي إلى تصور للعشق يرى أن الحب ليس كثرة حضور، وإنما عمق أثر. في زمن السرعة يمكن أن تتعدد الوجوه، لكن ليس من السهل أن يتكرر الأثر نفسه. الوفاء عندي ليس قيدًا، بل اختيار. أن تقول للإنسان الذي أحببته: لقد تغيرت أشياء كثيرة حولنا، لكن ما كان صادقًا في داخلي لم يتحول إلى سلعة قابلة للاستبدال.الحب الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج؛ يكفي أن يبقى حيًا حين تهدأ كل الأصوات.
24. أنت كاتب وروائي إلى جانب كونك شاعرًا؛ متى تشعر أن الفكرة لا يكفيها بيت شعر وتستدعي بناءً روائيًا كاملًا؟
حين أشعر أن الشخصية بدأت تتنفس.القصيدة تستطيع أن تلتقط لحظة برق واحدة، أما الرواية فتحتاج إلى أن تعرف: من هذا الإنسان؟ ماذا حدث له؟ لماذا أصبح هكذا؟ وماذا سيفعل عندما يوضع أمام الاختبار؟
إذا جاءتني الفكرة في صورة سؤال مكثف كتبتها شعرًا، وإذا جاءتني ومعها شخصيات وماضٍ ومستقبل وصراع وتحولات، أعرف أن الرواية بدأت تطرق الباب. الشعر عندي هو فن التكثيف، والرواية فن التمدد داخل السؤال نفسه.
25. ما الذي يتمنى أحمد عزيز الدين أحمد أن يتركه في وجدان القارئ العربي، وهل يعتقد أن الحرف ما زال قادرًا على تغيير القلوب والعقول؟
أتمنى ألا يخرج القارئ من نصوصي كما دخلها.لا أبحث فقط عن أن يقول: «هذه قصيدة جميلة» أو «هذه رواية جيدة»، بل أتمنى أن تغادره جملة ما، صورة ما، سؤال ما، وتظل تعمل في داخله بعد أن يغلق الكتاب.أريد أن أترك شيئًا من الجنوب، والإنسان، والحب، والألم، والبحث عن المعنى، والأمل.وأؤمن أن الحرف ما زال قادرًا على تغيير القلوب والعقول، لكن ليس الحرف الذي يصرخ، بل الحرف الذي يدخل بهدوء ثم يستقر في المكان الذي لا تستطيع الضوضاء الوصول إليه. وفي النهاية، ربما لا يملك الكاتب أن يغيّر العالم كله، لكنه يستطيع أن يغيّر شيئًا صغيرًا في إنسان واحد؛ وإذا خرج ذلك الإنسان من الكتاب أكثر رحمة، وأكثر وعيًا، وأكثر قدرة على رؤية الآخر، فقد فعل الأدب شيئًا عظيمًا. أنا لا أريد أن أكتب لكي أترك وراءي كتبًا فقط؛ أريد أن أترك أثرًا. فالكتاب قد يُنسى، أما الأثر الصادق فيجد طريقه إلى الذاكرة..