بقلم : شــــريف علي
في الذكرى الــ 80 لتأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني
الانتقال من الثورة إلى الدولة ليس مجرد توصيف، بل هو إطار يختصر مسار الحركة الكوردية منذ بداياتها وحتى تشكل مؤسساتها السياسية الحديثة، أي تحول الحركة الكوردية من ثورات محلية إلى مشروع قومي مؤسسي، والحديث عن – الدولة- لا يعني دولة قائمة، بل إشارة إلى مشروع سياسي طويل قد يطول مداه او يقصر .
إن ميلاد الحزبِ الديمقراطي الكوردستاني في السادس عشر من آب عام 1946 مثل نقطة انعطاف حاسمة في مسار تشكل الحركة القومية الكوردية الحديثة، إذ لم يكن مجرد إعلان تنظيمي أو إضافة جديدة إلى محاولات التعبير السياسي للكورد، بل كان تأسيسًا لبنية فكرية ومؤسسية أعادت صياغة الوعي السياسي، ونقلت الحركة من طور الثورات المحلية المتفرقة إلى مشروع قومي منظم يمتلك رؤية واضحة وأدوات عمل حديثة.
لقد جاء هذا التأسيس في لحظة إقليمية مضطربة أعقبت الحرب العالمية الثانية، حيث كانت المنطقة تعيد ترتيب موازين القوى، وكانت وثورات بارزان والتجربة الكوردية في مهاباد لا تزال حية، كلها تفتح أمام الكورد أفقا جديدا لفهم السياسة بوصفها فعلا مؤسسيا يتجاوز ردود الفعل التقليدية تجاه الدولة المركزية.
في هذا السياق، برز إدراك الزعيم مصطفى بارزاني بأن استمرار الحركة الكوردية لا يمكن أن يقوم على الثورة المسلحة وحدها، مهما بلغت قوتها ورمزيتها، وأن العمل العسكري يحتاج إلى إطار سياسي قادر على بلورة برنامج قومي، وإدارة العلاقات مع القوى الإقليمية والدولية، وتمثيل الكورد في المحافل السياسية، وبناء مؤسسات قادرة على الاستمرار.
هذا التحول في التفكير قاد الزعيم بارزاني إلى الانتقال من دور قائد الثورة إلى دور مؤسس المشروع القومي، واضعًا الأساس لانتقال الحركة من العفوية إلى التنظيم، ومن المحلية إلى القومية، ومن رد الفعل إلى الفعل السياسي الواعي. في تحول بنيوي واضح يشير إلى الانتقال من شكلٍ تقليدي أو ثوري للحركة السياسية إلى شكلٍ مؤسسيّ قائم على قواعد تنظيمية واضحة، وهياكل دائمة، ورؤية استراتيجية طويلة المدى. وهو مفهوم يصف لحظة يصبح فيها الفعل السياسي أقل اعتمادًا على الرمزية أو الزعامة الفردية، وأكثر ارتباطًا ببناء مؤسسات قادرة على إنتاج القرار، وإدارة الصراع، وصياغة البرامج، وتطوير أدوات العمل السياسي. بهذا المعنى، فإن التحول هذا شكل انتقال من الحركة بوصفها ثورة إلى الحركة بوصفها مشروعًا قوميًّا يمتلك القدرة على الاستمرار والتكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.
جاء الاجتماع التأسيسي بمشاركة نحو سبعين شخصية كوردية، ليضع الأسس الأولى لبرنامج سياسي يستند إلى الدفاع عن الحقوق القومية، واعتماد النضال السلمي والديمقراطي لتحقيق الحكم الذاتي، وبناء مؤسسات جماهيرية، وتطوير قوات البيشمركة كقوة منظمة، وتعزيز الروابط الاجتماعية والثقافية بين الكورد في مختلف المناطق.
لم يكن هذا البرنامج مجرد وثيقة سياسية، بل كان إعلانا عن دخول الكورد عصر التنظيم الحديث، وعن رغبتهم في بناء حركة قومية تمتلك أدوات الاستمرار والتطور، وتستطيع أن تتحرك ضمن بيئة سياسية إقليمية معقدة . ومع توسع الحزب في مدن وقصبات وقرى كوردستان ، اتسعت الرؤية من إطار قومي إلى إطار جغرافي–سياسي يعكس إدراكا أعمق لطبيعة القضية الكوردية بوصفها قضية شعب وأرض ومؤسسات . وقد أسهم هذا التحول في جعل الحزب القوة السياسية الأكبر في جنوب كوردستان والعراق، وقائد الحركة التحررية لعقود، وصاحب الدور المحوري في إنتزاع بيان الحادي عشر من آذار 1970 من الحكومة المركزية خلال مفاوضات الحكم الذاتي، وفي بناء مؤسسات إقليم كوردستان بعد عام 1991، في ظل قيادة الرئيس مسعود بارزاني ما عزز حضوره بوصفه الفاعل المركزي في صياغة المسار السياسي الكوردي .
إن أهمية هذا النهج تتجاوز تأسيس حزب سياسي، إذ تمثل في بناء نموذج فكري جديد للحركة القومية الكوردية، يجمع بين الواقعية السياسية والطموح القومي، وبين العمل المؤسسي والقدرة على التكيف مع التحولات الإقليمية والدولية.
لقد منح هذا النموذج الكورد موقعا فاعلا ليس في كوردستان فحسب بل في المعادلات الإقليمية والدولية، وكانت المشاركة الكوردستانية مؤخرا في القمة العسكرية الاقليمية في عمان ممثلة بوزير البيشمركة اصدق تأكيد على ذلك. كما وفر للكورد إطارا سياسيا قادرا على إدارة الصراع والتفاوض، وتحويل القضية الكوردية من ملف داخلي إلى قضية ذات حضور إقليمي ودولي. ومن هنا يمكن القول إن ميلاد الحزب الديمقراطي الكوردستاني لم يكن مجرد بداية تنظيم، بل كان بداية مرحلة جديدة في التاريخ الكوردي، مرحلة انتقل فيها الكورد من الهامش إلى الفعل، ومن الثورة إلى السياسة، ومن التشتت إلى المشروع القومي المنظم، بما جعل هذا النهج أحد أهم الركائز التي أسهمت في ترسيخ حضور الكورد كفاعل سياسي إقليمي يمتلك مشروعا ورؤية وقدرة على الاستمرار والتطوير.