احداث عاصرتها

محسن دزه ايي

تكمن أهمـية هذا الـكتاب فـيمـا يفـتحـه من النوافـذ أمـام أنظار القراء فهـو عبارة عن سيرة الحياة الشخصية والسياسية للمناضل البارز في صفوف حركة التحرر الكوردستانية ، (محسن دزه يي).

يغطي كتاب (احداث عاصرتها) أيام طفولتـه ومراحل دراسـته ثم الاحداث التـي وقعت في محطات حياته المختلفة من مزاولة مهنة المحاماة والتجارة،الى التحاقه بالثورة الكوردية عام 1963 كبيشمركة وسياسي،ومن ثم توليه مسؤوليات قيادية هامة في صفوف الحزب الديمقراطي الكوردستاني والثورة الكوردية، ولأهمية هذه الشخصية القيادية البارزة ودوره الفاعل في الحركة التحررية الكوردستانية، ندعوا قراءنا الى متابعة مجريات الأحداث والذكريات التي عاصرها المناضل (دزه يي) خلال محطات حياته.

 

 

الجزء الخامس والاربعون

ثم علمنا بأن أجتماع القصر ذلك لم يؤد الى نتيجة وكان الفشل مصيـره كالخطوات الاخرى. وقبل أن أختم هذه الذكريات وأنتقل الى ذكريات أحداث أخرى ومنها انقلاب السابع عشر من تموز سنة 1968،لابد لي أن أشير الى وقوع بعض الاحداث المحلية اما نتيجة تحركات بعض المرتزقة أو تصرفات بعض العسكريين، وكانت تقع بين حين وآخر بعض المناوشات ونقوم بحلها بجهود لجنة السلام وتجاوب البارزاني مع تلك اللجنة وحرصه الشديد على عملية السلام، وكان يصادف وقوع خسائر بين افراد البيشمركة نتيجة تلك المناوشات من أصابة بعضهم بجروح أواستشهاد البعض الآخر ،ولابد أن أشيد بدور بعض أصحابي من الأطباء في منطقة أربيل الذين كانوا يجازفون بحياتهم أو حريتهم نتيجة استعدادهم للسفر معنا الى اماكن حدوث المناوشات ومواجهة المخاطرلتداوي الجرحى والمصابين، وأذكر منهم الأطباء عبدالرزاق الدباغ وآكوب نيشان وخالد اسماعيل ده زيي ومحمد شيخو ومحمد ده زيي (سه ر سوور) وخورشيد إبراهيم ده زيي، حيث ادوا ذلك الواجب القومي والوطني مشكورين، وقد توفي بعضهم -رحمهم الله- أما الأحياء فأمد الله من عمرهم.

 

إنقلاب 17تموز 1968 وقصة استيزاري

 

ذكرت بأن الفريق طاهر يحيى قد تولى رئاسة الوزارة بعد مضي شهر واحد على هزيمة حزيران 1967 ،بعد أن كان نائباً لرئيس الوزراء في وزارة الرئيس عبدالرحمن عارف، وكان طاهر يحيى -والحق يقال- متـواضعاً ويريد السلام والهـدوء في العراق ولم يكن يرغب -وخاصة في أيام وزارته الأخيرة- في أستعمال العنف بل حل القضية الكوردية بالطرق السلمية، بالرغم من أنه لم يخط خطوات ايجابية كثيرة بهذا الخصوص، أو لم يكن مطلق اليدين تماماً وخاصة من قبل العسكريين، وقد قام يحيى خلال توليه رئاسة الوزارة الاخيرة التي دامت سنة واحدة وبضعة أيام بزيارة البارزاني مرتين، وكان في كل زيارة يبدو أكثر تصميماً على المضي في طريق السلام، وفي زيارته الاخـيـرة للبارزاني والتي حضرتها أنا -كما حضرت الزيارة السابقة- أختلى لبعض الوقت بالبارزاني، بعد مناقشة الأمور المتعلقة ببيان البزاز الصادر في 29 حزيران سنة 1966 ثم غادرالمنطقة عائداً الى بغداد، وعـدنا أنا ونافذ جلال بعد ذلك بيوم واحد الى أربيل بعد أن ناقشنا نتائج الزيارة في المكتبين السياسي والتنفيذي وبحضور البارزاني، كانت تلك الزيارة الاخيرة في أواخر شهر نيسان أو أوائل شهر مايس، وبعد أيام عاد المرحوم صالح اليوسفي من منطقة قيادة الثورة ماراً بأربيل وحل ضيفاً في داري وتناول طعـام الغذاء ليكمل سفره من بعد الظهـر الى بغداد، وكان اليوسفي يحمل رسالة شخصية من البارزاني الى طاهر يحيى وفيها يرشحني انا للأشتراك في الوزارة عند تعديلها، أخبرني بذلك الشهيد اليوسفي، فقد كان الفريق طاهر يحيى قد اخبر البارزاني بنيته فى إجراء تعديل في وزارته، وطلب منه أن يرشح شخصاً لتولي منصب وزارة شؤون الشمال الذي كان يتـولاها فتاح سعيد الشالي والذي كان قد استقال من منصبه. وبعد يوم أو يومين من مغادرة اليوسفي لأربيل حررت رسالة للبـارزاني وشكرته على ترشيحه وحسن ظنه بي وعبرت عن اعتذاري لقبول هذا المنصب خوفاً من عدم قيام الحكومة بالأيفاء بتعهداتها فيما يتعلق بالقضية الكوردية، فسأكون في ذلك الوقت في موقف محرج وأضطر الى الاستقالة، ولم استلم جـواباً من البارزاني رغم مرور اسابيع، فحررت رسالة أخرى موجهة الى الأخوان ادريس ومسعود البارزاني موضحاً نفس الموضوع وراجياً منهما عرض الأمر على البارزاني، وأرسلت الرسالة الاولى والثانية مباشرة وبيد مرافقي عمر قادر، ولكني لم استلم جواباً على رسالتي الثانية ايـضاً، وبعد مرور بضعة أيام ذهبت شخصياً الى مقر البارزاني وقابلته فتحدثنا عن موضوع الترشيح فأصر على ضرورة قبولي ذلك، وقال بأنه يعتقد بعدم جدية الوزارة أو وجود النية في حل القضية الكوردية، ولكنه لايريد أن تبدأ القطيعة من جانبنا، وقال بأنه متى ما رأينا من المصلحة انسحابك من الوزارة فـسوف نخبرك بذلك، فأقتنعت بقوله.

 

 

“وبعد يوم أو يومين من مغادرة اليوسفي لأربيل حررت رسالة للبـارزاني وشكرته على ترشيحه وحسن ظنه بي وعبرت عن اعتذاري لقبول هذا المنصب خوفاً من عدم قيام الحكومة بالأيفاء بتعهداتها فيما يتعلق بالقضية الكوردية، فسأكون في ذلك الوقت في موقف محرج وأضطر الى الاستقالة، ولم استلم جـواباً من البارزاني رغم مرور اسابيع، فحررت رسالة أخرى موجهة الى الأخوان ادريس ومسعود البارزاني موضحاً نفس الموضوع وراجياً منهما عرض الأمر على البارزاني، وأرسلت الرسالة الاولى والثانية مباشرة وبيد مرافقي عمر قادر، ولكني لم استلم جواباً على رسالتي الثانية ايـضاً، وبعد مرور بضعة أيام ذهبت شخصياً الى مقر البارزاني وقابلته فتحدثنا عن موضوع الترشيح فأصر على ضرورة قبولي ذلك”

 

 

وبعد أن زرت مقر المكتب السياسي وناقشت بعض الأمور مع زملائي عدت الى أربيل دون أن أتطرق الى موضوع الرسالة والترشيح، وقد أخبرت الاخوة هناك بأني سوف اتغيب عن مدينة أربيل لبعض الوقت لكي أتفرغ للأشراف على أمورنا الزراعية، فكنا في شهر حزيران وعلى أبواب موسم الحصاد، وكنت قد أخبرت الاخوان ادريس ومسعود البارزاني بذلك وذكرت بأنني سوف اكون متواجداً في القرى العائدة لنا فيما لو طرأ أي أمر يقتضي حضوري. ذهبت الى قرية (جانة) في كنديناوه والتي كانت العشائر العربية قد أخلتها بناءً على طلب البارزاني ذلك من الحكومة، وكانت تلك العشائر قد احتلت زهاء ثلاثين قرية في منطقة كنديناوة بعد استئناف القتال في حـزيران سنة 1963 ومن جملتها قريتنا (جانه)، وتتمتع هذه القرى بخصوبة اراضيها وانها تقع جميعاً في منطقة ثرية بمخزون النفط وفي بعضها آبار جاهزة. وفي أحدى تلك القرى وهي قرية (دربند ساره لو) قرب الضـفة الغربية لنهر الزاب الصغير، يقع أكبر بئر للنفط في العالم حيث يبلغ انتاجه اليومي (مائة ألف برميل )، وبعد قضائنا حوالي الاسبوع الواحد أكملنا جمع المحاصيل وتم  بيعها وتسويقها ثم غادرنا القرية المذكورة، وكان الفلاحون من أهالي القرية قد عادوا اليها بعد حوالي خمس سنوات واعادوا بناء دورهم وبدأوا بالأنشغال بالأمور الزراعية مجدداً.
وما يؤسف له بأن مسألة التعريب كانت فكرة قديمة تراود اذهان العنصريين ومتى ما كانت الفرصة مؤاتية فأن الانظمة الشوفينية حاولت أن تطبق هذه السياسة، فبعد انقلاب الثامن من شباط سنة 1963 قامت السلطات بتعريب القرى الكوردية الواقعة غربي مدينة كركوك وهُجر منها سكانها الكورد. وبعد استئناف القتال من قبل سلطات الانقلاب في العاشر مـن حزيران من العام نفسه، قامت هذه السلطات بتعريب القسم الاعظم والأهم من منطقة كنديناوه التابعة لقضاء مخمور من محافظة أربيل، وأخرج منها ساكنوها الاصليون من الكورد ولم يتم تخلية هذه القرى الا في خريف سنة 1967 بعد الحاح شديد من الزعـيم الراحل البارزاني وتهديده السلطات، بأن هذه العشائر العربية الساكنة في تلك القرى سوف تخرج بالقوة في حالة عدم اخلائها. واستمرت هذه السياسة وأخذت بالتوسع خاصة بعد نكسة 1975 أي بعد اتفاقية الجزائر، فشملت مناطق عديدة حتى الجبلية منها، ورغم ان بعض هذه المناطق قد تم تطهيرها من التعريب بعد الانتفاضة الجيدة في آذار سنة 1991، الا ان هذه السياسة مستمرة ويجري يومياً تهجير العشرات من العوائل الكوردية من مناطق سكناها الاصلية، ولا أشك فى أن هؤلاء سيعودون الى ديارهم في يوم مـن الايام وأن هذه السياسة ستبوء بالفشل لامحالة، ولا أعلم لماذا تقوم هذه السلطات بلوم اسرائيل في احـتــلال الاراضى العربيـة وتهجير سكانها وهي تقوم في نفس الوقت بأعمال أبشع منها!!!.

أعود الى موضوعنا الأصلي، فبعد الانتهاء من الحصاد في قرية جانة وبعد استراحة وفترة لبضعة أيام، انتقلنا الى قرية (هيلاوه) التابعة لناحية مركز اربيل أي (قوشتبه) والواقعة على مسافة أكثر من ثلاثين كيلومتراً جنوب غربي مدينة أربيل، وقـضـينا هناك زهاء اسبـوع واحد قضيناه في دار الحاج محمد مولود من اتباعنا القدماء والمقربين لنا والذي كان يشتهر بالمرح والنوادر، وهو -رحمه الله- معروف بين أهالي المنطقة، وأنهـينا الحصاد أيضاً في تلك القرية وعدنا الى قرية (دوكردكان) مسقط رأسنا ومحل اقامتنا في عهد الطفولة والشباب، ولما كانت دورنا السكنية ودار الضيافة (المضيف) العائدة لنا قد هدمت واشعلت فيها النيران سنة1963 فأن آثارها وخرائبها كانت ماتزال بادية للعيان، فقد حللنا ضيـوفاً في دار صديقنا الوفي (كوخا سمايل كوخا أحمد) والذي ندعوه تحبباً كما يدعوه سكان القرية (كاكه سمه)، والذي كان ولايزال من انصار البارتي (الحزب الديمقراطي الكوردستاني) وكان من أفراد البيشمركة في سنة 1963-1964 ((كنت آنذاك مع حوالى إثنى عشر شخصاً من أفراد البيشمركة الذين رافقوني اضافة الى العـمال الزراعيين وسائقي المكائن الزراعية، حيث بلغ عددنا أكثر من عشرين شخصاً))، -كنا في ذلك الوقت في العاشر أو الحادي عشر من شهر تموز سنة 1968- وبعد أجراء عملية الحصاد والخزن وغيرها من الأمور الزراعية، انهينا العمل في اليوم السابع عشر من تموز من ذلك العام.

 

“وفي ساعة متأخرة من مساء يوم الثامن عشر من شهر تموز سنة 1968 ،اعلنت اذاعة بغداد عن التشكيلة الوزارية التي تألفت برئاسة المقدم الركن عبدالرزاق النايف وشارك فيها عدد من ذوي الكفاءات، وقد ضمت بعض البعثيين من أمثال صالح مهدي عماش وأنور الحديثي وذياب العلكاوي وغيرهم وكذلك الدكـتـور ناصر الحاني ومحسن القزويني وغيرهما من ذوي الافكار الليبرالية، وضمت أربعة وزراء من الكورد هم: أنا (محسن دزه يي) ممثلاً للثورة الكوردية ومن أعضائها، وأنيطت بي وزارة شؤون الشمال وكذلك المهندس أحسان شيرزاد من مؤيدي الثورة الكوردية وأنيطت به وزارة البلديات و الاشغال حسبما أتذكر، والدكـتـور عـبدالله النقشبندي وهو رجل مستقل وكفوء في الشؤون الاقتصادية وانيطت به مهام وزارة الاقتصاد لكفاءته في هذا المضمار”

 

وفي الصباح الباكر من اليوم السابع عشر من تموز، كنا قد استيقظنا من النوم تواً واذا بأحد باعة مادة ملح الطعام والذي كان واقفاَ أمام أحدى الدور القريبة بسـيارته المحملة بالملح ينادي بأعلى صوته بوقوع انقلاب ويطلب الاستماع لإذاعة بغداد، وأسرعنا نحو أجهـزة المذياع فاذا ببيانات الانقلاب تُبث الواحد تلو الآخر، وكان قد وصل القرية مساء اليـوم السابق للإنقلاب إبن عمي المرحوم (حسين علي خورشيـد دزه يي) وذلك لزيارتنا والبقاء مـعنا لبضعة أيام لتسليتنا، وكذلك لنقل المعلومات لنا عن الاوضاع في مدينة أربيل وأطلاعنا عليها. كان في نية الفريق طاهر يحيى القيام بالتعديل الوزاري بعد الانتهاء من احتـفالات الذكرى العاشرة لثوررة الرابع عشر من تموز سنة 1958، وكان من المقرر أن يكون اعلان التعديل الوزاري في مساء اليوم السابع عشر أو الثامن عشر من تموز، الا ان الانقلاب قد حال دون ذلك. كانت البيانات المذاعة والاجراءات المتخذة تتسم بالأعتـدال في بادئ الامر وكنا نسمع الكلمات نفسها احياناً من الضباط المقربين لرئيس الجمهورية، من أمثال عبدالرزاق النايف وابراهيم الداوود وسعدون غيدان وكنا نعلم بأن كلمة هؤلاء هي المسموعة من قبل رئيس الجمهورية، أو انهم هم اصحاب الكلمة وكنا نسمع ذلك خلال لقاءاتنا مع هؤلاء في زياراتنا أو في المناسبات والحفلات وكذلك خلال الولائم التي اقاموها تكريماً للأخوة ادريس ومسعود البـارزاني عند زيارتهم لبغداد سنة 1967، الا انا كنا نستبعد قيامهم بالأنقلاب وخيانة رئيس الجمهورية.
اسرعنا في ذلك اليوم في اتمام ما تبقى من أعمال خزن المحصول والتـوزيع على المستحقين وكل ما يتبع ذلـك، وكنا نستمع بصورة مستمرة الى جهاز المذياع لنكون مطلعين على التطورات الجارية.
مضى الوقت كذلك وحسبما أتذكر بأنه في مساء ذلك اليوم أو في اليوم التالي، تبين بأن لهـؤلاء ضلعاً في الانقلاب أو انهم هم الانقلابيون الاصليون، ولما اذيع اسم احمد حسن البكر كرئيس جديد للجمهورية، حصلت لدينا القناعة بأن حزب البعث العربي الاشتراكي هو شريك في هذا الانقلاب. وفي ساعة متأخرة من مساء يوم الثامن عشر من شهر تموز سنة 1968 ،اعلنت اذاعة بغداد عن التشكيلة الوزارية التي تألفت برئاسة المقدم الركن عبدالرزاق النايف وشارك فيها عدد من ذوي الكفاءات، وقد ضمت بعض البعثيين من أمثال صالح مهدي عماش وأنور الحديثي وذياب العلكاوي وغيرهم وكذلك الدكـتـور ناصر الحاني ومحسن القزويني وغيرهما من ذوي الافكار الليبرالية، وضمت أربعة وزراء من الكورد هم: أنا (محسن دزه يي) ممثلاً للثورة الكوردية ومن أعضائها، وأنيطت بي وزارة شؤون الشمال وكذلك المهندس أحسان شيرزاد من مؤيدي الثورة الكوردية وأنيطت به وزارة البلديات و الاشغال حسبما أتذكر، والدكـتـور عـبدالله النقشبندي وهو رجل مستقل وكفوء في الشؤون الاقتصادية وانيطت به مهام وزارة الاقتصاد لكفاءته في هذا المضمار، وكذلك المحامي مصلح النقشبندي وكـان مـوالياً للحكومات السابقة، ولكنه رجل طيب ومن أصدقائي السابقين وهو ابن عم المرحوم خالد النقشبندي عضو مجلس السيادة في عهد عبدالكريم قاسم، وبصورة عامة فأن الوزارة كانت لابأس بها وفيها عدد قليل من البعثيين، وكثيرين من ذوي الخبرة والكفاءات، فبعثت برقية الى البارزاني وأعلمتهم بأني سوف أتوجه الى منطقة قيادة الثورة للقائه.

قد يعجبك ايضا