سمير السوره ميري
لم يعد الاستيقاظ ذلك الترف الهادئ الذي عرفته الأجيال السابقة، حين كان راحةً للجسد وسكينةً للبال، بل صار انتزاعا من أحلامٍ متعبة على وقع رنين المحمول الغارق في بحرٍ من الإشعارات والرسائل المتراكمة، فمنذ اللحظات الأولى، ننغمس في وتيرة الحياة اليومية، قدح الشاي ثم العمل الذي يفتقر إلى الأمان النفسي والألفة الصادقة، وبين رشفات القهوة المُرّة لعلها تقتل مرارة اليوم، نعود إلى ركنٍ من الاسترخاء الموهوم، سرعان ما نحتضن فيه الوسادة إسترجاءً لنومٍ لعله يأتي غير قلق، هكذا تمر اللحظات والساعات والأيام متكررةً لا تُقنع، لا يهدأ فيها لا صاحب الرفاهية ولا صاحب العوز والفاقة، فالكل في سباق محموم نحو الإنجاز والاستهلاك.
فقد التواصل الإنساني معناه العميق، فالتكنولوجيا التي قرّبت المسافات باعدت بين الأرواح، حتى غدا العالم ضجيجًا يفتقد الحوار الحقيقي، واختلفت موازين النجاح، فصارت تُقاس بما تحققه من مكاسب مادية، لا بما تحمله من قيمٍ ومعان، ومن هذا الخلل في الميزان فقدت الطمأنينة مرجعيتها، ونما بدلًا منها قلقٌ وجودي، معلَّق بين البحث عن المعنى ومواجهة المصير.
وهذا القلق ليس قلقًا من خطر محدد يمكن تسميته أو تفاديه، بل هو قلق أعمق، قلق فقدان المعنى ذاته، فين تُصادّر حرية الاختيار من قرارتنا، وتنكمش طموحاتنا إلى هامش ضيق خوفًا من قادمٍ مُقلق، يفقد الإنسان وسط هذا الكم من الضجيج هدوءه النفسي، فينتقل من صناعة الحياة إلى صُنع في الحياة، أي من فاعلٍ حرّ إلى منتَجٍ تُشكّله الظروف، وثمن هذا التحول باهظ، إرهاق ذهني وقلقٌ مزمن، وضعفٌ في العلاقات الحقيقية، وفقدانُ للحظة القادمة التي لم تأتِ بعد.
ويبقى السؤال معلقًا: كيف نجاري إيقاع يومنا السريع دون أن نفرّط في طموحاتنا وآمالنا العريضة؟ وكيف نستعيد سيطرتنا على أوقاتنا ولحظاتنا، والوقت يسابق أنفاسنا، لنعيش الحياة بدلًا من أن نظل نلاحقها؟!
هذا السؤال ليس جديدًا على الفكر الإنساني، وإن اتخذ اليوم صورةً أكثر إلحاحًا، فحين تحدّث مارتن هايدغر عن “الوجود في العالم”، كان يحذر من إنغماس الإنسان في الرتابة حيث يذوب الفرد في صخب الجماعة وإيقاعها المفروض، فيفقد أصالته الوجودية، وحين وصف سورين كيركغور القلق بأنه “دوار الحرية” يشير إلى أنّ القلق ليس عدوًا يُقاوم، بل إشارة إلى أننا كائنات حرة تواجه إمكانيات لا حصر لها، وهذه المواجه ذاتها مصدر الأضطراب، أما البير كامو فرأى أنّ العبثية ليست في العالم نفسه، بل في المسافة بين توقنا إلى المعنى وصمت الكون، ومع ذلك دعا إلى “التمرد” لا الستسلام أي أن نصنع معناه رغم غياب معنى جاهز.
لعل الحكمة إذن لا تكمن في الهروب من سرعة العصر فذلك شبه المستحيل، بل في اِستعادة الحضور بالقيم الروحية والمبادئ الأخلاقية لنمنح اللحظة الراهنة قيمتها الكاملة، وعيش لحظة الحياة بكل معانيها بعيدًا عن كل المقلقات، ماذا لو توقفنا عن الركض خلف الحياة، بل عِشناها؟