نبضات في زحام العمر: حوار خاص مع الشاعر المصري عبد الهادي عرابي “ملك الرباعيات”

 

حوار:عطا درغام

حين تصبح الكلمة طلقة حية، ويغدو الاختصار فنّاً يختزل بحوراً من الفلسفة والشجون، يبرز اسم الشاعر عبد الهادي عرابي ليحفر لنفسه مكانة خاصة في خريطة شعر العامية المصرية. إنه ليس مجرد ناظم للكلمات، بل هو “صياد غزالة” المعنى، يقتنص ومضات الحياة اليومية ليصوغها في قوالب من السحر والتكثيف. من عبق المنصورة وجذورها الثقافية، إلى عوالم ديوانه “قلب شرقي” ورحلته الطويلة مع الرباعيات التي استحوذ بها على قلوب قرائه، يفتح لنا الشاعر قلبه وعقله في هذا الحوار، لنتأمل معه محطات الإبداع، وأسرار الصنعة الشعرية، وهموم الثقافة والمجتمع، بعين الواعي المخلص لفنه ووطنه.

المنصورة ليست مجرد جغرافيا، بل هي تاريخ ممتد من الأدب والثقافة؛ كيف شكلت “عروس النيل” ملامح وعيك الشعري الأول؟

المنصورة كانت ومازالت في نظري نسخة مصغرة من القاهرةأ أو بالأحرى نسخة هادئة يحتضنها النيل ،دعمت القاهرة بكبار الكتاب والفنانين والبارزين في كافة المجالات ،وهذا حعلني أشعر دائمًا بأهمية المنصورة (جزيرة الورد) لما لها من رصيد كبير من الشعراء والأدباء والفنانين والصحفيين ،فحرصت على التميز والتجديد وانتقاء المفردات التي تشكل قاموسًا شعريًا مميزًا ،حتى أكون إضافة وامتداد لأعلام الشعراء اللذين أثروا الساحة الأدبية بأعمالهم الخالدة .

لكل مبدع لحظة يكتشف فيها أن الكلمة هي سلاحه وملاذه، متى أدركت أنك ولدت لتكون شاعراً؟

منذ نهاية المرحلة الإبتدائية وأنا أتطلع لكتابة الأغاني وأصبح في يوم من الأيام شاعرًا غنائيًا ،تسلل لقلبي هذا الشعور بعد سماع تقديم عبدالحليم حافظ أغانيه الأخيرة بذكر اسم الشاعر والملحن ،فحلمت أن أكتب الشعر والأغاني ،لكن بداية كتابة أول شطر شعري كانت في عمر ١٦ عام .

نادي أدب المنصورة له تاريخ عريق، كيف أثّرت هذه البيئة الإبداعية والالتقاء بالقامات الأدبية هناك في صقل موهبتك؟

لم أنضم لنادي أدب المنصورة إلا بعد عودتي من السفر منذ أربع سنوات ، لكن في مرحلة الشباب كان للمنصورة الفضل الكبير في مشواري الأدبي متمثلًا في شاعرها الكبير إبراهيم رضوان وشاعرها وفنانها الكبير دكتور سيد الخضري -رحمه الله- .

في بداياتك، من هم الأساتذة أو المبدعون الذين تصفهم بأنهم كانوا “البوصلة” التي وجهت قلمك؟

الشاعر الكبير فؤاد بدوي ،الشاعر الكبير عبدالسلام أمين ،الشاعر الكبير إبراهيم رضوان

بين الموهبة الفطرية والخبرة الحياتية، أيهما كان له الأثر الأكبر في تكوين شخصية الشاعر عبد الهادي عرابي؟

الفطرة وحدها لا تكفي لابد لها من خبرة ممتدة من الطفولة إلى الكهولة متمثلة في الإلمام بالموروث الشعبي والثقافة العامة قولًا وفعلًاوتجارب شخصية .

لُقّبت بـ “ملك الرباعيات”، وهو فن شعري صعب يتطلب تكثيفاً شديداً؛ ما الذي جذبك لهذا اللون تحديداً؟

أود أولًا أن أذكر أن لقب ملك الرباعيات أطلقته عليّ الدكتورة سمية عودة منذ فترة وتردد على لسان المحبين من شعراء الدقهلية ،أما الذي جذبني لكتابة الرباعيات بعد إعجابي الشديد برباعيات جاهين ورباعيات إبراهيم رضوان ،هو تكويني الشخصي نفسه ،فأنا أميل دائما للاختصار في القول ،فوجدت نفسي فيها رغم محدودية حجمها ،ولي فيها نظرية أسميتها (الصياد والغزالة) تشرح كتابة الرباعية في أربع خطوات .

الرباعية هي “مبارزة” بين الشاعر والوجازة، كيف تنجح في اختزال فلسفة حياة كاملة في أربعة أسطر فقط؟

فعلا هي دفقة شعرية واحدة أو طلقة شعرية مركزة تتطلب تركيز عالي وموهبة خاصة والبعد عن السطحية للخروج برباعية غير نمطية وغير متوقعة، ولا يتم هذا إلا بالإخلاص في الكتابة ،وشخصية الشاعر وذائقته لهما دورا كبيرا في ذلك وهما الفيصل حتى ولو وصل لمرحلة الحرفة ،تظل البصمة الشعرية العميقة للشاعر هي الأهم .

تأثر الكثير من شعراء العامية برباعيات صلاح جاهين والخيام؛ أين تتقاطع رباعياتك مع هؤلاء العمالقة وأين تنفصل لتصنع خصوصيتها؟

بعد العمق والحكمة في رباعيات جاهين أحرص دائما على الوزن السليم والجرس الموسيقي العالي والمفردات غير المستهلكة وعدم التقليد والتكرار وفرض شخصيتي الشعرية وروحي على العمل.

هل تولد الرباعية لديك دفعة واحدة كـ “ومضة”، أم أنها تمر بمراحل من النحت والتشذيب اللغوي؟

بعضها يأتي دفعة واحدة وبعضها يعاد النظر فيه ،والشعر في حد ذاته كائن متجدد ،لك أن تغير حتى بعد الطباعة بأعوام ، وإن رأيت في التعديل إضافة كبيرة للعمل

من بين مئات الرباعيات التي كتبتها، ما هي الرباعية الأقرب إلى قلبك والتي تشعر أنها تلخص فلسفتك في الحياة؟

الكثير والكثير لكن سأذكر لك واحدة وطنية والأخرى عاطفية

*مع كل طلعة شمس على ناسِك

مع كل نسمه تفوت باغنّيكي

واقف مابين خضرك وخناسك

ناسك بدمع العين باوضيكي .

* أنا عايز أجيبلك صحبة ورد

وم الياسمين ازرعلك أرض

وأقول لك شعر ماحدش قاله

وأقول لك قول ما اتقالش لحد .

ديوانك “قلب شرقي” الصادر عن هيئة الكتاب يحمل اسماً ذا دلالة، ما هي الرسالة أو القضية المحورية التي أردت إيصالها من خلال هذا العمل؟

قلب شرقي هو ديوان رباعيات كامل به عدة قضايا ،والرباعية التي تحمل نفس اسم الديوان هي معركة نفسية بيني وبين زحام القاهرة ،رأيت في الإسم تميزًا عن غيره من الأسماء ؛فاستقر اختياري على قلب شرقي

تمزج في قصائدك بين المشاعر العاطفية الدافئة والرموز الوطنية؛ كيف توازن بين “ذاتية” الشاعر و”جماعية” الوطن؟

الشاعر المحب لوطنه والمخلص له يوازن بين ذاتيته وجماعية الوطن بتلقائية دون عناء والشعر الوطني هو شعر عاطفي بامتياز ،والشعر العاطفي الممزوج بوطنية الشاعر يخرج محمل بالبهاء والانتماء والحب

صدر لك الديوان عن جهة رسمية عريقة كالهيئة المصرية العامة للكتاب، كيف ترى أهمية دعم المؤسسات الرسمية للنشر للأدباء في الأقاليم؟

الهيئة المصرية العامة للكتاب تنشر بشكل مركزي وبعد فحص العمل وإجازته للنشر ولا تنظر للكاتب كونه آت من إقليم ما ،بل تنظر العمل نفسه ،والنشر في الهيئة من أهم محطات الكاتب وأميزها ،أما الهيئة المنوطة بدعم أدباء الأقاليم فهي الهيئة العامة لقصور الثقافة متمثلة في مشروع النشر الإقليمي ،وأري به عوارًا كبيرا من حيث اللائحة ولجان الفحص .

لغة العامية في دواوينك تتسم بالبساطة والعمق في آن واحد؛ كيف تختار مفرداتك لتظل قريبة من رجل الشارع ودون أن تفقد شاعريتها؟

لا أبتعد عن نفسي ولا أسلك طريق الإغتراب في الكتابة وأستخدم مفردات بيئتي الخاصه، ولا أردد مفردة واحدة لا استخدمها في حياتي اليومية .

بعد “قلب شرقي”، ما هو المشروع الشعري أو الديوان القادم الذي يلوح في أفق إبداعك؟

تحت الطبع حاليا (بث مباشر ) ضمن منحة النشر باتحاد الكتاب صادر عن دار ميتا بوك

وديوان حقل أوهام يصدر قريبا جدا .

بصفتك محاضراً مركزياً بهيئة قصور الثقافة، كيف تقيم المشهد الأدبي الحالي في الأقاليم المصرية؟

المشهد في حالة غير جيدة ويحتاج لرجال مخلصين ،بعيدا عن الصراعات والاتهامات الفارغه

ما هي أبرز النصائح أو “الوصفة السحرية” التي تقدمها دائماً للمواهب الشابة التي تلتقي بها في الورش الأدبية؟

عدم التعجل في نشر أول ديوان إلا بعد الوصول لمستوى معين من الكتابة ،بعد التعلم على يد أحد المخلصين واجادة الوزن لتخريج منتج أدبي جيد .

عضوية اتحاد كتاب مصر تفرض على الأديب مسؤولية معرفية واجتماعية؛ كيف ترى دور الاتحاد اليوم في حماية حقوق المبدعين ونشر أعمالهم؟

فعلا يتم تحصيل نسبة من دور النشر حتى هيئة الكتاب نفسها لصالح اتحاد الكتاب لدعم النشر ودعم معاشات الكتاب ،وفي الاتحاد مشروع النشر منذ سنوات دعم الكاتب في النشر لمرة واحدة ،نأمل أن تصبح مستحقة للمرة الثانية بعد فترة يحددها الاتحاد .

هل ترى أن “الثقافة المركزية” في العاصمة ما زالت تظلم أدباء الأقاليم، أم أن وسائل التواصل الحديثة ألغت هذه الفروق؟

ألغت الفروق بشكل جزئي. فالإقامة في القاهرة لها شأن آخر حتى الآن .

كيف يستطيع العمل المؤسسي (كالمحاضرات والندوات) أن يخدم النص الشعري للشاعر نفسه، أم أنه أحياناً يأخذ من وقت الإبداع؟

له جانب إيجابي وجانب سلبي ،وهذا يحدده المناخ الجيد من المناخ المملوء بالمشاحنات

نعيش الآن عصر “السرعة” والذكاء الاصطناعي ومواقع التواصل؛ كيف ترى مستقبل الشعر في مواجهة هذه التطورات التكنولوجية؟

الذكاء الاصطناعي بدأ يدخل المجال الأدبي بشكل ملحوظ لكنه مفضوح ويؤثر سلبًا على الكاتب وعلى الحركة الأدبية ،وهناك من الرجال المخلصين من يناهض ذلك العبث .

هل تعتقد أن منصات مثل “فيسبوك” و”إكس” ساهمت في نشر الشعر الحقيقي، أم أنها أغرقت الساحة بالغث والسمين؟

ساهمت ثم أغرقت لأنها سهلت السرقة والنحت والنقل ،وساعدت في خلق جيل متشابه الموهبه ومشوه الشخصية الشعرية ،لكتها أيضا قاربت المسافات لا ننكر ذلك.

إذا طُلِب من عبد الهادي عرابي كتابة رباعية تلخص حال الثقافة العربية اليوم، فماذا عساها أن تقول؟

سوق الثقافة جبر

على كم قلم مسلول

خلا اللي حب وصبر

سائل ومش مسئول

ما هو الحلم الإبداعي الذي ما زال الشاعر عبد الهادي عرابي يطارد قلمه لكي يحققه ولم يكتبه بعد؟

رواية (خيال حلمي) مازالت فكرة تراود خيالي

في نهاية هذا الحوار، ما هي الكلمة التي توجهها لجمهورك وقرائك الذين يرون في رباعياتك صوتاً لقلوبهم؟

أنتم مرآتي التي أري فيها كم حققت وإلى ما وصلت ، تحياتي ومحبتي دائمًا وأبدًا .

قد يعجبك ايضا