في محراب العشق

دلزار اسماعيل رسول

الجزء الثاني والعشرون
بَيْنَ الصَّمْتِ …والذِّكْرَى

لم يكن الحُبّ في قلبي يوماً خبَراً يُذاع، ولا حكايةً أُطوّقها بالزجاج خوفاً عليها من هبّات الريح.. بل كان دائماً هواكِ هو الهواءُ الذي أتنفّسُه، والواحةُ الدافئةُ التي أفرُّ إليها كلما ازدحم هذا العالم بالضجيج….

أتذكّرُ كيف كُنّا نلتقي وسط صخب الحياة، وكيف كانت عينَاكِ هما السكينة الوحيدة وسط كل هذا الذهول… كنتُ أعودُ إلى بيتي وأنا أحملُ طيفكِ كأغنيةٍ دافئة؛ المذياعُ يهمسُ بالقرب مني، والصفحاتُ تنتظر، وأشجار حديقتي في قريتي تميلُ نحوي كأنها تشاركني الذهول بكِ…. حتى في أشدّ الأيام ظُلمة، كانت ابتسامتكِ هي الضوء الذي يُمحو كل أثرٍ للشقاء….

هل تذكرين ذلك المساء الأوّل؟ حين كنتُ أسرعُ الخطى إليكِ كمن يركضُ نحو قدره الموعود، وكانت الدنيا من حولنا تدورُ في عجلةٍ لا تهدأ…. كُنّا ننتظرُ هبوط الليل بشوقٍ طفوليّ، لنشعلَ السماءَ بأحلامنا، ونبدأَ معاً أوّل فصلٍ في رواية العشق…

مرّت بنا الأيام، وتغيّرت الصور، لكن صورةَ الحنان الذي غمرتِني به ظلّت حيةً لا تذبل… كيف لي أن أفصلَ روحي عن حديثكِ الرقيق في الهاتف؟ أو عن تلك اللحظات الشاعرية التي كنّا نقتطعها من عمر الزمان لنقرأ الشعر معاً، ونسترقَ الضحكات والشغف العذب من بين أصابع الأيام…

في آخر عناقٍ لنا قبل أن تُبعدنا المسافات، كان الحبُّ يلفّنا كحلمٍ زاهي… ودّعتِني وبسمتكِ تُشرقُ كالضحى، تتحدى كل هموم الدنيا ، و عانقتني في المطار بقوة ولم تلتفتي إلى العيون الفضولية التي كانت تراقبنا ،و لم تشعري بالنظرات المريبة اليك، فلقد كنت لا ترين احداً سواي في تلك اللحظة… كانت دموعك تنزل غزيرة كمطر جارف تخشى أن يمتد القحط على أرضها و تخافين أن لا يجمعنا لقاء، مثل كل مرة نفترق، و يطول الفراق …. ومنذ ذلك الحين، وفي كل فجرٍ يطلّ، أجدُ اسمكِ يترددُ على شفتيّ من دون أن أشعر، كأنك تناديني في الجانب الآخر من العالم، فيُخيّل إليّ أنني أسمعُ همسكِ الرقيق ينسابُ في أذني….

إنّ تاريخي الحقيقي لم يبدأ إلا يومَ لامستُ يدكِ، وزهرةُ عمري هي كل لحظةٍ عشتُها في رحاب قلبكِ…

واليوم، بينما ينسابُ الصمتُ حول مذكراتي، أفتحُ الصفحة الأولى لأكتب لكِ بمدادِ الشوقِ والوله…

يا ملاذي الأول والأخير.. أحبّيني كما ينبغي لقلبٍ أن يُحِب، وتذكّري دائماً مع كل إشراقةِ شمس، أنكِ أجملُ تفاصيلي، وأغلى ما اقتنيتُه في هذا العمر…

قد يعجبك ايضا