عواد علي
كتبت هذه الدراسة عام 1996مقدّمةً لكتاب “نهر المجرة” الذي يضم مختارات من شعر البياتي، إلى جانب مقدمة ثانية لصديقي الشاعر محمد تركي النصار.
يكشف البياتي في كتابه النثري “تجربتي الشعرية” عن دوافع واضحة، وهواجس موضوعية تكمن خلف نزوعه، منذ وقت مبكّر، إلى كتابة “قصيدة النموذج”، وهي القصيدة التي برع فيها أكثر من غيره، سواء من شعراء جيله، أو الأجيال اللاحقة، والتي يتخذ فيها من الآخر (العاشق، والصوفي، والمبدع، والمناضل، والشهيد) قناعًا، ورمزًا، ونموذجًا للتعبير عن رؤيا ما، أو موقف ما من خلال الاقتراب من هذا الآخر، تراثيًا أكان أم معاصرًا وملامسته، والحلول فيه، أو من خلال التعين في كل زمان ومكان بأشكال أكثر نضارة وعذرية، حسب تعبيره.

يقول البياتي :
” حاولت أن أقدّم “البطل النموذجي” في عصرنا هذا، وفي كل العصور في (موقفه النهائي)، وأن أستبطن مشاعر هذه الشخصيات النموذجية في أعمق حالات وجودها، وأن أعبّر عن النهائي واللانهائي، وعن المحنة الاجتماعية والكونية التي واجهها هؤلاء، وعن التجاوز والتخطي لما هو كائن إلى ما سيكون “(1).
ويرى البياتي أن ثمة فائدةً جانبيةً من خلق النموذج في الشعر، وهي تسهيل الترجمة، إن وجود النموذج في قصيدة يسهل ترجمتها لأن التجسيد هو الغاية من القصيدة، فبعض الشعر يعتمد على القول وليس على الصورة. الصورة مبتورة، وتأتي ضائعة بين حشد من الكلام، وخاصةً عند استخدام ضمير المتكلّم- الشاعر- أما قصيدة النموذج فتبتعد حكمًا عن الشعر الذاتي لأنها مضطّرة إلى مقدار كبير من الموضوعية خلال عملية التجسيد، فهي تضم سحر اللغة وشيئًا آخر غير سحر اللغة(2).
وقد درس العديد من النقّاد والباحثين قصيدة النموذج، والقناع في تجربة البياتي الشعرية، وقدّموا إضاءات ومقاربات متباينةً تبعًا لتباين مناهجهم ورؤاهم النقدية، ولا شك في أننا أفدنا كثيرًا من هذه الدراسات، وخاصة دراسة الناقد محيي الدين صبحي “الرؤيا في شعر البياتي”، التي هي في الأصل أطروحة دكتوراه، على الرغم من أن لا أحدَ من هؤلاء النقّاد والباحثين أقدم على دراسة، أو تحليل جميع قصائد البياتي التي تندرج في سياق قصيدة النموذج ، أو القناع في إطار بحث شامل، أو كتاب مكرّس لهذا الضرب من شعر البياتي الذي يعدّ ظاهرةً لافتةً للنظر في الشعر العربي الحديث، وتجربةً خصبةً وأصيلةً في منجز البياتي الشعري، ابتداءً من ديوانه الثالث “المجد للأطفال والزيتون” الصادر عام 1956، حتى “كتاب المراثي” الصادر عام 1995 .
الرؤيا والنموذج
يتفق معظم دارسي شعر البياتي على أنه “شاعر الرؤيا” بامتياز، على الرغم من اختلافهم في فهم، أو تحديد دلالة مصطلح “الرؤيا”، وتمييزه عن مصطلح آخر ليس بعيدًا عنه هو مصطلح “الرؤية”، ولكي لا نوسع دائرة الاختلاف حول هذا الموضوع ، نكتفي بالقول إن الرؤيا أقرب ما تكون إلى معنى “الكشف”، وعندما يصبح الشعر رؤيويًا فإنه يكشف، لكنه لا يكشف إلاّ بمعاييره هو وبأشكاله هو: فهو لا يصف أو يمثّل محتوى منفصلًا عن الكشف. و” في شعر الرؤيا لا تتحقق الحياة إلاّ حين يسلم الفرد نفسه لصورة عظمى يجسّدها النموذج البدئي على صورة قناع ضد النفس ليكمل الفرد هويته ويعبر عن الفردي الواقعي إلى النموذج البدئي المثالي عند العمق السيكولوجي الذي يجعلنا نرغب في تكرار أنماط أسطورية تطل علينا من وراء الحياة”(3).
وفي ضوء هذا المعنى فإن النماذج التي انتقاها البياتي لم يقدّمها في شعره كما هي في الواقع، أو كما رسم ملامحها الآخرون، بل كما رآها هو ليكشف عن الجوهري فيها، ويلفظ كل العناصر الزائفة الأخرى التي ليس لها علاقة بها، “بمعنى أن النموذج عومل وكأنه فرضية علمية توجّب عليها أن تثبت لشتى الامتحانات في ظروف متنوعة تنوعًا بلا حصر”(4). وقد أفضت رؤيا البياتي للنموذج على هذا النحو من “الانزياح التشخيصي”، إذا صح التعبير، إلى أسطرة النموذج من خلال تحطيم أبنية الزمان والمكان المحيطة به، وتجريده من عناصره التشخيصيّة/ الفردية ، وتحويله إلى صورة كليّة متحرّكة قابلة للاندفاع إلى المستقبل، والتقهقر إلى الماضي، والظهور والتلاشي على طريقة التقنية السينمائية، والمثول في صورة كائنات أخرى يختزنها العقل الباطن للشاعر، أو تختلقها مخيلته الحلميّة التي تشكّل “الرؤيا”. ويتخذ النموذج الإنساني هذا “أبعادًا ميتافيزيقيةً واضحةً، يمتد بظله على النص بأكمله، ويحدد حركته ومداه، ومن ثم يتقاسم البطولة معه [الشاعر] في النص الشعري موقع الراوي المناوئ له في كثير من الأحيان عبر حركة الرموز والإشارات المضادة “(5). وقد ذكر البياتي نفسه أنه أخذ الشخصيات، أو النماذج في شعره كلحظات وجودية وليس كحالات تشخيصيّة(7).
وفي كل الأحوال كان يختار هذه النماذج لتوافر السمة الدالة فيها، واقترانها بتجربته في الحياة والشعر، وقد يكون بعضها سلبيًا، أو هكذا يراه، كما في حالة سلفادور دالي، وأبي زيد السروجي- بطل مقامات الحريري- والإسكندر المقدوني. أما النماذج الإيجابيّة، والتي تشكّل النسبة الكبرى، فهي رموز استشرافية قابلة للتجدد والعطاء، وتخطي نفسها، والحلول في الآخر، والتعين في كل مكان وزمان. لكن على الرغم من هذا البعد الرمزي والاستشرافي لنماذج البياتي كونها تمثّل قيمةً إبداعيةً وفكريةً ونضالية (شعراء، وفنانون، وروائيون، ومفكّرون، وصوفيون) فإن من الخطأ الاعتقاد بأن الشاعر قد اتخذ منها جميعًا أقنعة، إذ إن ثمة قرائن نصية تشير إلى ما إذا كان النموذج قناعًا أو غير قناع، ففي حال اتخاذ الشاعر من النموذج قناعًا يعمد إلى تقديمه بضمير المتكلّم، أي أن القصيدة تأتي على لسان النموذج نفسه، فيخلق الشاعر بهذه التقنية وجودًا مستقلًا عن ذاته، رغم أن صوته يتماهى، على نحو خفي، مع صوت النموذج. وهذا يعني أنه لا يستعير صوته، بل يعيره رؤيته عندما يجذبه إلى دنياه عبر عملية أسلوبية هي ترائي، أو تبادل الضمائر بين “أنا” و “هو”، ولأن هذا القناع “رؤيوي” في صميمه، تصبح الشخصية المغايرة فيه مثل الشاشة البيضاء التي يعرض عليها المتحدّث صوته وصورته، فهي مجرّد سطح حسّاس لاقط لضوئه الذي ينبعث دائمًا من منظور الشاعر. ومن هنا فإن هذا القناع سرعان ما يستحيل إلى رمز، ويقوم بوظيفة الشيفرة التي يشكّلها الناطق ويبثها دلالته من دون احتدام أو توتر، الأمر الذي يجعلها تتمتّع بتماسك منطقي وشعري في غالب الأحيان، يؤسس لرؤية وحيدة مهيمنة على النص ومتجلّية فيه(7).
لكن لا بد بد أن نستدرك، بعد هذا التأكيد على بنية قصيدة النموذج/ القناع، فنقول إن البياتي يخرق هذه البنية في بعض الأحيان، كما لو أنه يزيح القناع على طريقة أهل المسرح، فينتقل من استخدام ضمير المتكلّم (صوت النموذج) إلى ضمير الغائب (صوت الشاعر الذي يروي)، كما في المقطع الأخير (العودة من المنفى) من قصيدة (مرثية أخرى إلى ناظم حكمت) حيث يقول فيه:
ناظم عادَ! من يدق الباب؟
عاد من المنفى مع الطيور والسحاب
كان الصدى يزقو
وكان البحر في انتظاره
يدحرج الأحجار والأخشاب
ناظم عبر الأناضول، فافتحوا الأبواب
وكان البياتي قد بدأ المقطع الأول (السحابة العاشقة) على لسان ناظم نفسه :
يتيمة الوطن
كنتُ ، وكان طائرُ الشجن
رفيق رحلتي إلى الكفن
كان صبايَ
حبيَ الأخير
طائري، إذا ما أظلم الفنن
وفي قصيدة “عن وضاح اليمن والحب والموت” يلجأ البياتي إلى كسر نسق القناع بتقنية أكثر تعقيدًا، مستخدمًا الضمائر الثلاثة (الغائب- المتكلّم- المخاطب) منتقلًا من صوته (الراوي) إلى (صوت النموذج) على طريقة تبادل الأدوار في المسرح الانعكاسي (الميتا ثياتر)، كما في الترتيب الآتي :
من المقطع الأول:
” يصعد من مدائن السحر ومن كهوفها وضاح
متوجًا بقمر الموت ونار نيزك يسقط في الصحراء ” (ضمير الغائب)
من المقطع الثاني :
” لم أجد الخلاص في الحب ولكني وجدت الله” (ضمير المتكلّم)
من المقطع الثالث :
” قبلت مولاتي على سجادة النور وغنيّت لها موال
وهبتها شمس بخارى وحقول القمح في العراق ” (ضمير المتكلّم(
من المقطع الرابع :
” من أين جاءت هذه الأشباح ؟
وأنت في سريرها تنام يا وضاح ” (ضمير المخاطب)
من المقطع الخامس :
” رأيت في نومي على نهديك نهر الموت
يشق مجراه بلحم الصمت” (ضمير المتكلم)
من المقطع السادس :
” من قبل أن يولد في الكتب
وفي الروايات وفي الأشعار
عطيل كان كائنًا موجود
تنهشه عقارب الغيرة يا وضاح” ( ضمير الغائب)
من المقطع السابع :
” عطيل في عمامة الخليفة
يواجه الجمهور
بسيفه المكسور” (ضمير الغائب)
من المقطع الثامن :
” لم أجد الخلاص في الحب ولكني وجدت الله ” (ضمير المتكلم)
من المقطع التاسع :
” متُّ على سجادة العشق ولكن لم أمت بالسيف
متُّ بصندوق وأُلقيت ببئر الليل” (ضمير المتكلم)
وقد حققت هذه التقنية تنوعًا أسلوبيًا في البنية التعبيرية للقصيدة، يمكن إدخاله في ما يعرف بالالتفات في حقل البلاغة، وهو تقنية معروفة في الشعر العربي القديم، تسهم في خلق الفجوة: مسافة التوتر في جسد النص، وتمنح الشاعر حرية كبيرة في “المناورة” الشعرية ، و”التبئير”، حيث تتعدد زوايا الرؤية الموجهة إلى النموذج، وتكتسب “رؤيا” الشاعر بعدًا موضوعيًا متماسكًا على نحو ما نجده في بعض النصوص السردية الحديثة التي يجري فيها تبادل المواقع بين (السارد) و(الشخصية) في تحريك عجلة “الحكي” ، أو “الفعل السردي”.
وقد تنبه أحد النقّاد إلى توظيف البعد السردي في قصيدة النموذج (يقترح تسميته بصورة الكائن) في شعر البياتي، متوصلًا إلى فرضية يتعيّن فيها “على الشاعر أن يقوم بتحريكه [النموذج] في الزمان حتى لا يستحيل إلى شيء استاتيكي جامد، وذلك بعرض عدد من حالاته المتعاقبة عبر أحداث واضحة” ، ويضيف أن “السرد هنا يتخذ طابعًا شعريًا بفضل الإشباع الإيقاعي الذي يتكئ على البنية العروضية البارزة “(8).
وتنطبق هذه الفرضية تمامًا على قصيدة “عن وضّاح اليمن”، فالشاعر يصوره في بداية المقطع الأول متوجًا بالموت المحتم، يقوده مصيره إلى الشام، حيث مقر الخليفة الذي سيقوم بفعل “الموت”، وهذه الحركة التي تفتتح بها القصيدة هي، زمنيًا، حركة لاحقة في بنية الأحداث تتطلّب نوعًا من الاسترجاع (فلاش باك) المعروف في السرد الروائي والسينمائي، ثم تنتقل كاميرا الشاعر إلى قلب الأحداث “تسقط عند قدميّ وضاح/ يحملها إلى السرير امرأة تضج بالأهواء/ تمارس الحب مع الليل وضوء القمر المجنون”. وهنا يلعب الشاعر لعبة استعارية شديدة الإيحاء والترميز حينما يخلق توازيًا، أو تقابلًا بين “قمر الموت”، و”القمر المجنون”، إذ تتشكّل ثنائية رمزية بين (“الحياة” و”الموت” ، وذلك لأن “القمر المجنون” في سياقه النصي يأتي علامة تشير إلى اقتران “الجنس” بـ”الولادة” و”الحياة”. ويستبطن الشاعر بعد هذه الحركة ما يعتمل في أعماق المحبوبة (زوجة الخليفة) حين “تفتح عينيها على رماد نيزك يسقط في الصحراء”، ولا تُخفى العلاقة هنا بين سقوط النيزك وسقوط وضّاح في البئر. وهكذا يعرض الشاعر لحالات متعاقبة، أو متداخلة، أو متوازية مع حالات مستحضرة (عطيل ودزدمونة)، في حركات صاعدة أو هابطة زمنيًا في بنية الأحداث.
وضمن هذا الفهم لقصيدة القناع تكون القصيدة التي يتحدّث فيها الشاعر بلسانه، متخذًا (ضمير الغائب) في أغلب الأحيان، و(ضمير المخاطب)، في أحيان قليلة، وسيلتين للتعبير عن صوته، ورؤياه للنموذج، ذاكرًا اسمه بشكل صريح، مرّة، وموحيًا به مرّة أخرى، تكون هذه القصيدة قصيدة نموذج فحسب، لا تخلو من البعد الرمزي، وليست قصيدة قناع.
إن الشاعر هنا لا يتماهى مع نموذجه، ولا يعيره رؤياه، ولا يقف خلفه مثل “إله خفي”، ولا يستعير صوته، على الرغم من أنه يلتقي معه في ثيمات عديدة، تتصّل بالغربة، والنفي، والحلم، والنضال، والبحث عن الغد المشرق، والهم الإبداعي، والرؤية إلى العالم، وغير ذلك من نقاط الالتقاء. وينتقي البياتي، عادةً، محورًا أو أكثر من المحاور التي تبرز شخصية النموذج، أو تفصح عن مواقفه، أو إبداعه، أو سلوكه، أو الصراع الذي عاشه، أو تجاربه في الحياة، أو نضاله، أو موته.
النموذج القناع
إن أغلب قصائد القناع في شعر البياتي هي القصائد التي اتخذت من الشخصيات التراثية محورًا لها، وهي: “عين الشمس، أو تحولات محيي الدين بن عربي في ترجمان الأشواق”، و”عن وضاح اليمن والحب والموت”، و”ورسائل إلى الإمام الشافعي”، من ديوان “قصائد حب على بوابات العالم السبع”، و”مقاطع من عذابات فريد الدين العطّار”، و”صورة للسهروردي في شبابه” من ديوان “مملكة السنبلة”، أما القصائد التي عنيت بشخصيات معاصرة، فهي: “مرثية إلى ناظم حكمت”، و”مرثية أخرى إلى ناظم حكمت”، و”إلى مالك حدّاد” من ديوان “النار والكلمات”، و”كتابة على قبر السياب” من ديوان “الكتابة على الطين”. ولعل التأمّل في البنية الدلالية لهذه القصائد يكشف عن عدة أنماط من الأقنعة:
1- قناع القلب: ويمثّله نموذج محيي الدين بن عربي، وقد نسبناه إلى القلب لأنه، لا العقل ولا الحس، هو الكأس التي يُشرب بها الحب في التجربة الصوفية، والأداة التي توصل بين المحب والمحبوب، والحب أحد ألقاب المحبة الأربعة، كما يقول ابن عربي، وهو خلوص الهوى إلى القلب، وصفاؤه من كل كدر، ولا يسمى الحب عشقًا إلاّ إذا ظهر الحب في حبة القلب، والمحب هائم القلب، أي حائر في الوجوه التي يريد القلب أن يتقلّب فيها. وينزع هذا القناع إلى وحدة الوجود حيث يتجلّى الله في المرأة التي أحبها “عين الشمس”، بوصفها مخلوقًا على صورة المحبوب (الخالق)، مرآةً للحق :
” فكل اسم شارد ووارد أذكره، عنها أكنّي وأسمها أَعني
وكل دار في الضحى أندبها، فدارها أعني
توحد الواحد في الكل
والظل في الظل
وولد العالم من بعدي ومن قبلي ”
2- قناع الحب: ويمثله نموذج وضاح اليمن، الذي يتجه إلى الحب بمعناه الحسي، أو الإنساني، ويقوم على التواصل الجسدي بين المحب (وضاح) ومحبوبته (أم البنين زوجة الخليفة عبدالملك بن مروان)، ويختلف الحب هنا عما سبقه في أنه إرادة اتصال بمحبوب لشخصه، ولوجوده في عينه، لا مَجْلَى لحب إلهي محض ليس فيه متسع لغيره.
إن وضاحًا العاشق والشاعر الذي جعل منه البياتي قناعًا ورمزًا للشهادة يهب حياته للحب فلا يجد الخلاص فيه، بل في الموت وملاقاة ربه “لم أجد الخلاص في الحب ولكني وجدت الله”، وكان باستطاعته أن لا يوطن نفسه على الموت، لكنه ارتضاه “أسوة بكل العاشقين الذين يرون مصارعهم بأم أعينهم فلا يتراجعون”(9).
3- قناع العقل: ويمثله نموذج الإمام الشافعي الذي يصل عن طريق العقل إلى الكشف الصوفي. وهو كما يقدّمه البياتي يختلف عن قناع القلب من حيث مصدر المعرفة وماهيتها، ورؤية الوجود، فدليل ابن عربي كما رأينا هو قلبه، ومعرفته إشراقية، وثمة وحدة جوهرية بين المبدأ الأنطولوجي والعالم يعبّر عنها بتجلّي الحق في الخلق، أو شيوع الإلهي في الإنساني، في حين أن دليل الشافعي هو عقله، إذ إنه في بحثه الدائب عن الأسرار يلتمس إليها الدليل بالنظر العقلي:
” وقفت في أبوابها ملتاع
قال دليلي إنها مدائن الأبواب
فخذ مفاتيحك وافتح كل باب وانتظر في آخر الأبواب ”
بيد أن بحثه لا يوصله إلى الجواب الوثوقي، أو النهائي الذي ينشده، أو كما يقول محيي الدين صبحي “مرتبة الكشف الكلي اليقيني”، ولهذا ينتابه القلق، ويقف حائرًا عند انتهاء رحلته مع دليله، وهو إشارة رمزية كما قلنا إلى عقله، وليس كائنًا حسبما يوهمنا الشاعر، ولعله- أي الشافعي- قرر العودة إلى حيث أتى (القصيدة تسكت عن ذلك) مثلما فعل الإسكندر حينما فشل في العثور على ينبوع الحياة :
” رحلتنا تمت” دليلي قال “فالإسكندر الكبير
غزا بلاد فارس والهند
لكنه لم يجد الينبوع
فعاد محمومًا إلى بابل كي يموت
أصابه مس من السحر على تخوم هذا العالم المسحور ”
4- قناع النفي: ويمثله نموذج ناظم حكمت، إذ إن السمة الدلالية المهيمنة في كلا القصيدتين هي معاناة الشاعر في المنفى، وآلامه الناتجة عن بعد وطنه عنه، وحنينه إلى الطفولة، والمدينة الأثيرة إلى نفسه، من خلال رحلتين: الأولى داخل الحياة والنفس، والثانية باتجاه الموت. وثمة تداخل واضح بين الأسطورة والواقع، حيث يُرفع الشاعر إلى مصاف الأبطال الأسطوريين، ويوضع بإزاء شخصية معروفة في التراث الشعبي التركي، والفارسي. ويبث البياتي في القصيدتين اللتين تكمل إحداهما الأخرى، وتربطهما رؤيا واحدة، رموزًا متناثرةً تنتمي إلى سياقات حضارية ووجودية متباعدة في الزمان والمكان مثل: عوليس، وفارس الصحراء، وجبال الملح، وجلال الدين الرومي، وشيرين، والطائر، والسحابة، وغير ذلك.
إن الجدلية التي تحكم رؤيا الشاعر/ القناع في كلا القصيدتين هي جدلية الحياة/ الموت، فالمرثية الأولى هي مرثية (الحياة/ الموت)، والمرثية الثانية هي مرثية (الموت/ الحياة)، وبذلك يقوم الشاعر باستحضار أسطورة الموت والانبعاث من سياقها في تراثه الرافديني إلى الحاضر الذي يعيشه ليعمّق النص الشعري، فالمقطع الأخير يبدأ هكذا :
” ولادة أخرى هو الموت، هو الإياب
الرمل والحصى على الشاطئ والضباب
زوارق الحب
تحطّمت
وغاض النور في العباب ”
ويُختم بـ :
” كان جلال الموت
كان حفنة التراب
ناظم عاد، فافتحوا الأبواب”!
وحين ننتهي من قراءة المرثيّتين نحسّ كأننا أمام عودة “ديموزي” إلى الحياة خارجًا من جحيم العالم السفلي، وهي عودة المنفي إلى وطنه بالتأكيد .
5- قناع الشعر: ويمثّله نموذج السيّاب، ويبدأ التماهي بين الشاعر والقناع من الحالة المشتركة التي تجمع بينهما وهي الهجرة من الريف إلى المدينة، والانطباع الذي يحمله كل منهما عن تلك المدينة، وهي بغداد، بغداد الهالة ذات الأسوار (وهي رمز سلبي هنا وليس دلالة على المنعة)، ولياليها المليئة بالأسرار والغموض بوصفه مصدرًا للمصير القاتم:
” اصعد أسوارك بغداد، وأهوى ميتًا في الليل
أمد للبيوت عيني وأشمُّ زهرة المابين ”
ثم يصدمنا الشاعر بصورة شعرية غير متوقعة وهي :
” أبكي على الحسين
وسوف أبكيه إلى أن يجمع الله الشتيتين وأن يسقط سور البين
ونلتقي طفلين ”
ولعل القراءة التأويلية وحدها تستطيع أن تفك شيفرة ورود هذه الصورة في بنية القصيدة، فما الذي يجمع- رمزيا- بين السيّاب أو الشاعر وبين الحسين؟ هل هو التراث الروحي؟ هذا وحده غير كافٍ في التجربة الشعرية. إذن لا بد أن يكون شيئًا آخر، لكن كيف يمكن تحديده أو تعيينه؟ من خلال معرفتنا بسيرة السيّاب، رغم أن الشاعر لا يُعنى بالبعد الواقعي للنموذج، ندرك أنه شخصية مأساوية، فقد اصطبغت حياته بالفجيعة، ومات موت الضحية، وكانت شخصية الحسين شخصيةً مأساويةً حقًا، واستشهد بطلًا، وضحية في الوقت نفسه، ولذلك يبكيه المسلمون كلما مرّت ذكرى استشهاده، ويبدو أن البياتي قد كتب القصيدة في ذكرى وفاة السياب، وهذا ما يوحي به عنوانها “كتابة على قبر السيّاب”، فاستبدل البكاء عليه بالبكاء على الحسين. ولعل ما يعزز هذه القراءة جملة “وسوف أبكيه” التي توحي بأنها نوع من الالتفات إلى السيّاب نفسه، أو العودة إلى البؤرة التي يشكّلها القناع في النص، وتتعزز القراءة أكثر مع تكملة الصورة الشعرية:
” إلى أن يجمع الله الشتيتين وأن يسقط سور البي
ونلتقي طفلين”
فهي على المستوى الدلالي تشير إلى تطلّع الشاعر- وليس السيّاب الذي تقَدّم القصيدة بصوته- إلى لقاء يجمعه بالسيّاب مفعم بالبراءة والصدق.
وتمضي القصيدة مكتنزة بالحلم، حلم الطفولة والشعراء، والتوق إلى عالم تسوده البراءة والصفاء والمحبّة والأمنيات، إنه عالم اليوتوبيا والخيال الجامح، عالم الشعراء وحدهم، عالم الطفولة البحت :
” نبدأ حيث تبدأ الأشياء
نسقي الفراشات العطاش الماء
نصنع من أوراق كراساتنا حرائق
نهرب للحدائق
نكتب أشعار المحبّين على الجدار
نرسم غزلانًا وحوريات
يرقصن عاريات
تحت ضياء قمر العراق
نصيح تحت الطاق
بغداد ! يا بغداد يا بغداد
جئناك من منازل الطين ومن مقابر الرماد ”
وتنتهي القصيدة بالحلم الأكبر، أو الحلم الثوري الذي يحطّم القيود والحواجز، ويزيح الظلام المخيّم على الإنسان في هذا الفضاء، ويطلق العنان لحبه المصلوب تحت الشمس.
6- قناع الإنسان: والمراد به الإنسان المعذّب، المضطهد، المهمّش، الخاضع للعبودية والاستغلال، المنتهك في حريته وإنسانيته، المتطلّع إلى الحياة الكريمة، ويمثّله نموذج مالك حداد الذي صوّر هذا الإنسان في إبداعه الأدبي. والبياتي إذ يتخذ هذا الإنسان قناعًا له، فإنه يؤكد انتماءه له، ودفاعه عنه، ووقوفه إلى جانبه، ودعوته للثورة والتغيير من أجل عالم أفضل، وأكثر إنسانية:
” أحس بالإنسان
دبًا يُحَشّى رأسه بالقش والدخان
يباع بالمجان
يحب بالمجان
يكره بالمجان
يقتلُ بالمجان
يموت بالمجان
أحسه استحال خرقةً على طاولةٍ في حان
يمسح فيه أيما شيء •• أحس آه بالإنسان
يركع في مزبلة التاريخ ، في قاذورة النسيان ”
ويرى البياتي، عبر هذا القناع، أن الثورة هي التي تنقذ الإنسان من الهوان، وتعيد صنع الرائع النبيل: دمًا جديدًا للفنان، وحرارةً للخلق والإبداع، وإنسانًا محررًا من الذل، يحمل أجنحة من نار ليكون صنوًا لذلك البطل الذي سرق النار من الآلهة الغاشمة، بروميثيوس صديق الإنسان.
المراحع
1- عبدالوهاب البياتي، تجربتي الشعرية (بيروت : منشورات نزار قبّاني، 1968) ص 73، 83•
2- عبدالوهاب البياتي، ومحيي الدين صبحي، البحث عن ينابيع الشعر والرؤيا (بيروت: دار الطليعة، 1990) ص 13، 23 .
3- المرجع نفسه، ص 68.
4- المرجع نفسه ، ص 95.
5- د• صلاح فضل، أساليب الشعرية المعاصرة (بيروت: دار الآداب، 1995) ص 122.
6- عبدالوهاب البياتي ، ومحيي الدين صبحي، المرجع السابق، ص 70.
7- د• صلاح فضل، المرجع السابق، ص 182.
8- المرجع نفسه، ص 124.
9- محيي الدين صبحي، الرؤيا في شعر البياتي (بغداد: دار الشؤون الثقافية العامة، 1988) ص 320 •