شيركو بيكس… كما عرفته: حقيبة، وسيجارة، وقصيدة لا تفارقه.

خيري بوزاني

في كل عام، حين تأتي ذكرى رحيل شيركو بيكس ، لا أكاد أستعيد ذكرى الشاعر فقط، بقدر ما أستعيد الإنسان – الرجل نفسه كما رأيته عن قرب، بملامحه الهادئة وتفاصيله الصغيرة التي بقيت في الذهن والذاكرة.

أتذكر زيارته لنا في قسم اللغة والأدب الكردي بكلية الآداب في جامعة صلاح الدين، في بداية التسعينيات. كانت تلك فترة صعبة، وكانت الحياة الثقافية في كردستان ما تزال تبحث عن توازنها بعد سنوات من الاضطراب. ومع ذلك، ظل ذلك اللقاء حاضرًا في ذهني إلى اليوم.

غالباً ما كان شيركو يأتي إلى اربيل لحضور المؤتمرات العلمية وأمسيات الشعر … كما عرفناه دائمًا: حقيبته معه، وسيجارة لا تفارقه تقريبًا. لا أعرف بالضبط ما الذي كان يحمله في تلك الحقيبة، لكنني كنت أشعر أنها جزء من صورته، مثل صوته الهادئ وطريقته المتأملة في النظر إلى الأشياء.

بعد انتهاء اللقاء، اقتربت منه وقلت: «أنا من المعجبين بقصائدك. صحيح أنني أتحدث باللهجة البهدينانية، وهي تختلف عن اللهجة التي كتبت بها معظم قصائدك، لكن شعرك يصل إلى قلبي قبل أن أفكر في اختلاف اللهجات أو حتى في اللغة نفسها»

ابتسم وقال إنه سعيد بهذا الكلام، ثم سألني من أي منطقة في بهدينان؟ قلت له: من منطقة الشيخان. فسألني بعدها إن كنت إيزيديًا، فلما أجبته بنعم، ظهرت على وجهه علامة ارتياح وودّ لا أنساها، وقال لي ما معناه إنكم أصلاء بيننا، لغةً وتراثًا. ثم سحب نفسًا عميقًا من سيجارته، وأطلقه ببطء، وبدا على وجهه شيء من الحسرة.

هذه الجملة بقيت معي طويلًا، ليس لأنها كانت طويلة أو لافتة من حيث البلاغة، بل لأنها خرجت ببساطة وبصدق. وربما لهذا السبب ظلت أقرب إلى القلب من كثير من الكلمات الأخرى.

وحين أعود اليوم إلى شعر شيركو بيكس، ولا سيما ديوانه (مضيق الفراشات) أجد أن شعره لم يكن مجرد لغة جميلة، بل كان محاولة لفهم الإنسان وهو يواجه الفقد والمنفى والاقتلاع. في نصوصه تجد الذاكرة، والطبيعة، والبيت، والطفولة، والوطن، كلها تتجاور بطريقة تجعل القصيدة أقرب إلى حياة كاملة.

وكان شيركو يمتلك قدرة واضحة على التقاط التفاصيل الصغيرة: شجرة على سفح جبل، نافذة مفتوحة، أم تنتظر، أو طفل يقف على الطريق. أشياء بسيطة، لكنها في شعره كانت تأخذ معنى أوسع.

ومع ذلك، لا يمكن أن نقرأ تجربته من دون ملاحظة أن بعض قصائده تميل أحيانًا إلى كثافة الصورة أكثر مما ينبغي، وأن بعض نصوصه الطويلة كان يمكن أن تكون أكثر اختصارًا. لكن هذه الملاحظات لا تنقص من قيمته، بل تؤكد أنه شاعر حقيقي، يكتب من تجربة عميقة، لا من تصنع أو تكلّف.

لقد بقي شيركو مختلفًا عن كثير من أبناء جيله. لم يكتب عن كردستان بوصفها شعارًا، بل بوصفها حياة يومية، وذاكرة، ولغة، وإنسانًا بسيطًا. وربما لهذا السبب وصل شعره إلى قراء كثيرين، حتى ممن اختلفوا معه في اللهجة أو الخلفية أو المسار الثقافي.

ومع مرور 13 سنة على رحيله، تغيّرت الوجوه وتبدلت الأماكن، لكن صورة شيركو كما عرفتها في ذلك اللقاء بقيت كما هي: رجل يحمل حقيبته، لا تبتعد عنه سيجارته كثيراً، ويبتسم لطالب قال له إن قصائده تصل إلى القلب قبل الأذن.

وأظن أن هذا هو ما يبقى من الشاعر فعلًا: أن تظل كلماته حيّة، وأن تبقى إنسانيته قريبة من الذاكرة.
لروح شيركو بيكس الشاعر الإنسان، السلام والطمأنينة، ولاسمه الذكر الطيب ولقصائده الخلود وهم متربعين في القلوب والأذهان.

قد يعجبك ايضا